الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الخامات أداة الفنان لرد الاعتبار للهوية والذاكرة والمكان

الخامات أداة الفنان لرد الاعتبار للهوية والذاكرة والمكان

الهوية لم تكن يوما من الأيام مشكلة بالنسبة للمواطن العربي العامي بل هي هاجس يسكن الفنان والمثقف والمبدع عموما لأنه اطلع أكثر من غيره على الثقافة الغربية وحمل عناصر اغتراب واضحة المعالم
وشيئا فشيئا بدا يشهد غياب هويته الحضارية داخله تدريجيا وهذا ما أثّر عميقا في شخصياتهم وبصفتهم النخبة المثقفة حملهم ذلك وزر إعادة الاعتبار لكل ما هو خاص
ومحلي من خلال الاستفادة من ما هو مطروح ومتوفر والابتعاد كل البعد عن الاتباع العقيم بل بالعكس يجب ان نأخذ من الحضارة الغربية كل ما يساهم في التنوير والتحريض على المنافسة وليس الدمغجة.
نحن لا ننكر ابدا مدى استفادتنا من هذه الثقافات الغربية ومساهمتها بطريقة مباشرة في صياغة اساليب حياتنا وانماطها العصرية ولكن هذا لا يبرر ان نكون أداة مستعملة يقع برمجتها مسبقا، يجب على الفئة المثقفة من مبدعين ان يدركوا جيدا حقيقة هذا المأزق وان من واجبهم ان يتجاوزوه بصفتهم طليعة ونخبة، حيث يمكن للمبدع العربي ان ينتج أثرا فنيا دون الاقتداء ضرورة بمسلمات الفن الغربي فمن سافر بهوية وعاد بدونها حسب رأيي هو قمة الاستلاب وقد وقع نهبه اهم منابع الإبداع لديه فالاختلاط بالآخر أمر ضروري لنضج الفكر وخاصة ان كان هذا الآخر أكثر تطورا ونضجا مني بحكم عدة عوامل وليس العكس، لا يجب لهذا الآخر أن يجعلني أدور في حلقته المفرغة وانبهر به
وأنصبه مثلا أعلى لا يمكن تجاوزه بل فقط يسمح لي بتقليده.
وجب علينا اليوم ان نتعلم الحرية
و الانفتاح للنقد والتفكير وبالتالي الاقتراب اكثر من ذواتنا لنحس بسلام داخلي بما اننا رموز حية عن بيئتنا وجذورنا و حضارتنا ويتمثل دور الفن هنا في توضيح هذه العلاقة وفك رموزها وإبداع مستقبلها.
ان ما يواجه المثقف العربي منذ ربع القرن الأخير من هاجس الهوية وكيفية المحافظة عليها في مواجهة تيار الغرب القوي و الذي يأخذ في طريقه الاخضر واليابس وهذا يتضح جليا في ابسط مظاهر الحياة اليومية لشبابنا وأطفالنا اليوم وبالتالي على المبدع العربي اليوم ان يكتشف هويته وحداثته معا
وهذا الخليط يجب ان يكون وليد تفاعل بين وعي ثقافي وانفتاح إيجابي عن الآخر وحداثته،فيستلهم من الأرض والجذور ويتجانس مع الآخر فالتوازن بين ذواتنا وتراثنا يؤسس لتعاون و انفتاح بيننا و بين الآخر وفي نفس الوقت هو نوع من تحصين لشخصيتنا، حيث لابد للحاضر أن لا ينفصل عن الماضي لكن شريطة أن لا يكون ارتكاز لمجرد الترميم والوقوف على الاطلال بقدر ما يجب ان يكون محفزا نحو مساحات ارحب لخصوصية اكيدة،هذا يجعل نظرة الفنان لبيئته مهمة من حيث كيفية ادراجها في عمله دون تعصب لتأكد مكانها وتعبر عن البعد الإنساني والإبداعي المنفتح على ثقافة العصر، يجب ان لايكون المبدع منغلقا على ذاته حتى نقول إنه متمسك بهويته بل إن التوازن
والحوار والأخذ من هذا وذاك لبلورة فكر متوازن متمسك بخصوصية المكان والزمان
ومنفتح على تطورات العصر
وتقدمه هو في حد ذاته إبداع.
فالفنان العربي اليوم يسعى جاهدا ان يبلور أعماله وفق منطق معين يثبت دوره كمبدع ومثقف مستلهما حقيقته ومخزونه وكذلك منسجما ومنفتحا عن الآخر مبتعدا كل البعد عن كل الاساليب المتعصبة التي تصف كل انفتاح مدروس بأنه خيانة وتنكر للذات، لأن الغرب انفتحوا علينا بدون مركب نقص
ولم تواجههم موجات تعصب
وحققوا إنجازات فنية شاهدة إلى يومنا هذا عن عمق الفكر، لعل انفتاح بول كلي ومكا على بلاد المغرب خير دليل إضافة الى اتجاه بيكاسو الى الفن الزنجي في فترة ما وكذلك تجربة هنري ماتيس، فإبراز الهوية في الفن لا يتعارض مع الاطلاع على تطورات ومستجدات الآخر وثقافته، بل هي ترجمة لخصائص المغامرة البشرية
وتاريخيتها وروحية المكان وحوافز الحرية في معناها الذاتي و الشامل، حيث يعد التمسك بتراث ثقافي معين واستغلاله إيجابيا اغناء لثقافة الإنسانية جمعاء بما هي مجموع ثقافات متعددة وهذا بدوره يساهم في نسج خيوط فسيفساء الحضارة العالمية بماهي مجموعة حضارات منوعة ومختلفة
ومتناغمة في آن وهذا الحوار الذي يولد بينها هو ما يكسبها صفة الشمولية والعالمية وهذا لا ينفي بالضرورة صفة الخصوصية
والهوية عن كل واحدة.
إن التجديد والإبداع والتميز كان
ولا يزال هو الممارسة التي تجاوز من خلالها الفنان جدار التردد
وتحدي القيم الكلاسيكية، حيث لا يستند الى شيء آخر خارج حدود الذات وهواجسها فن يترجم ببساطته قوة الذات وتمردها
وقدرتها الثورية على ابتكار انماط جديدة في التعبير من خلال تحسس المناطق الحميمية التي يمكن من خلالها إيجاد توازنهم وإبداعهم المنشود والحقيقي، حيث لا يقاوم ذلك الإبداع النابع من ألفة الفنان مع نوازعه الحسية فما تكتنزه ذواتنا ليس غلافا يزين وجودنا لفترة معينة ولكنه عنصر توافقنا مع بيئتنا وحياتنا وربما هي رموز تجذرت يوما بعد يوم لتواكب نمونا زمانيا
ومكانيا.
بالتالي نحن هنا بصدد الحديث عن أهمية دواخل الذات المبدعة يصبح الوجود إيقاعا وللمستقبل دوافع
وللفن هوية، وهكذا يصبح الفنان العربي مبدعا حينما يتجذر اكثر من اي وقت في أعماقه وينصت إليها فيرتقي بنا الى السكن في روح العمل الفني ونحس بصلة القربى بيننا وبينه وهذا يتجلى من خلال ما أتاه فنانو الحروفية العربية لفترة كبيرة قبل ان يقعوا في المحظور وهو اجترار التجارب و تكرارها.
الإبداع الفني النابع من ذاتية قصوى هويته وقضاياه هي اسلوبه ورؤيته هي حداثته اذ يمكن لنا اعتبار ان الفن هو انعكاس لجغرافيا الروح والجسد فالفنان مطالب بأن يكتشف أدواته وضروراته وبالتالي سينتج تلقائيا فنه الذي سيعبر ضرورة على التحولات التي تحيط به فالعالمية هي في حد ذاتها الخصوصية مشحونة بذاتها.
الممارسة الفنية هي تعبير لاحدود له هي نتاج لعالم مرئي مادي
وباطني يختلف التعبير من فنان لآخر لان لكل موقفا وأسلوبا مختلفا عن غيره بحيث يكرس اثره الفني اختياراته الفنية والتقنية والجمالية سواء كانت شخصية أو قومية هي في النهاية إنسانية حيث ينشأ الفنان في بيئة معينة ويعيش فيها طفولته، ينشأ من خلالها على قيم ومبادئ
وذاكرة وهوية معينة تكبر كل هذه الموروثات معه وتؤثر به بطريقة مباشرة وأخرى غير مباشرة تمده بأفكار و نمط تعبير لكن لكل فنان وازع وموقف شخصي منها وهذا ما يفسر اختلاف تجربة عن اخرى داخل نفس البيئة و المحيط و الإطار الزماني و المكاني.
و منذ الستينات من القرن الماضي وتزامنا مع يشهده العالم البصري من ثورة زعزعت القيم الكلاسيكية للفنون وإبداع أساليب مختلفة في التعبير وجد الفنان العربي نفسه مطالبا أكثر من اي وقت مضى بتخطي حاجز الخوف والمحاكاة
وإيجاد أساليب تحقق هويته
ومعاصرته في آن فنزعت بعض النخب شيئا فشيئا الي تحسس طريق للتميز والخصوصية بالبحث في المواد المحلية واسترجاع علاقتهم الحميمة بها،حيث يختلف تعامل الفنان مع مواده المتنوعة فأثناء محاورته لها يولد تواصل بين الذات الفاعلة والموضوع بين الوجود والفعل فيشحن الفنان مادته بالمعاني تاركا للمتلقي حرية فهم هذه المعاني المبثوثة و تقبلها حسيا، فهي لا تطالب المتلقي بدراية و فهم كبيرين بالفن وتاريخه بل تخاطب ذلك الجانب الوجداني فيه تخاطب حواسه ومن هنا يولد التواصل بين العمل الفني والمتلقي، فالفنان لا يتواصل مع المواد فقط ليخضعها لفكره بل من خلالها يتواصل مع المحيط ومع الانسان بمفهوم اشمل.
الفنان اثناء تعامله مع المواد هو بصدد العمل على اقتراح انماط جديدة وصيغ غير مألوفة ما فتئ ينوع بها وهذا ناتج عن تنوع مواده وأدواته حتى أصبح كل ما يحيط بالفنان قابلا للاستغلال ولتبني الأفكار مهما كان حجم هذه المواد سواء كانت صغيرة أو كبيرة،جامدة او متحركة طبيعية اوصناعية،قديمة او جديدة كلها في جاهزية لتبني رؤى وفكر فني يحفز المتلقي و يثير حواسه.
بتنوع المواد و الخامات تتنوع الاثار الفنية و قدراتها الايحائية و طرق عرضها فأصبح هناك مجال واسع للإبداع في فضاء تقديم الاثار الفنية للمتلقي، فمنها ما يعرض داخل قاعات العرض و منها ما يعرض بالفضاءات المفتوحة و الشوارع و هذا مجال للقاء المتلقي بالفضاء التشكيلي و بالتالي المشاركة والتفاعل الايجابي.
كما يمكن للمواد المجسمة لأفكار الفنان ان تكون مواد زائلة فتبقى في اغلب الاحيان على شكل صور وفيديو ترسخ للحظة الفعل في فترة زمنية معينة، حيث لم تعد مسألة خلود وزوال الأثر الفني اشكالية لأن الفن والحياة أصبحا عنصرين مترابطين و بالتالي من البديهي ايجاد اثار فنية زائلة وهذه من اهم اشكاليات فن القرن العشرين.
كل ظاهرة من ظواهر فن القرن العشرين تطرح اشكاليات جديدة
ومتنوعة في علاقة بإرث حضاري وثقافي وتتمثل قيمة الاثر الفني اضافة الى ما يثيره فينا من احاسيس و مواقف في ما يعكسه من اراء واختيارات فنية ذاتية نابعة من اعماق فنان عايش محيطا
وذاكرة وهوية وانتج من خلالها فنا متفردا كانت المواد هي التي حملت فكره وتجاوزت كونها مواد جامدة بل بالعكس هي المكان هي الزمان هي الراي و الوجود.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى