الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / حق العدل والمساواة في النظام الأساسي للدولة والقوانين الدولية

حق العدل والمساواة في النظام الأساسي للدولة والقوانين الدولية

الحلقة (10)
**
مبدأ العدل المساواة قبل أن يكون من المبادئ الحقوقية الأساسية في التشريع العماني هو مبدأ أصيل من أصول وأحكام الشريعة الربانية، دلت على ذلك عدة نصوص قرآنية وأحاديث نبوية منها: قول الله تعالى:”يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”(الحجرات/13).
فالتقوى هي أساس التكافؤ بين العباد ولا معيار نسبيا غير ذلك ، فلا تمييز بين أبيض ولا أسود ، ولا صغير أو كبير ، ولا رفيع أو وضيع، ولا قوي أو ضعيف في القضاء والفصل بين الناس، أو في الحقوق الوظيفية للموظف أو في الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين والمقيمين سواء في التعليم أو في الصحة أو في تطبيق النظام والقانون أو في غيرها.
وقد جاء في الحديث عن النبي : (المسلمون تتكافأ دماؤهم، وأموالهم بينهم حرام، وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، ولا يقتل ذو عهد في عهده، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر). قال الإمام الربيع بن حبيب: “تتكافأ دماؤهم: أي هم سواء في الدية والقتل وهم يد على من سواهم أي هم أقوى وأفضل من غيرهم ، يسعى بذمتهم أدناهم : أي إذا أعطي أدنى رجل من المسلمين العهد لزمهم ، ويرد عليهم أقصاهم : أي من رد العهد من المسلمين كان رادا قال جابر : إلا باتفاق الإمام أو جماعة أهل الفضل في الإسلام” فمدلول النصوص السابقة تقرير مبدأ العدل والمساواة بين المسلمين، وجعل ميزان التقوى أساس الترجيح بين الأفراد والجماعات في المجتمع، وهم جميعا متساوون في تمثيل بعضهم البعض، الغني يقوم بحاجة الفقير، والكبير يعطف على الصغير، والدولة تعدل بين الجميع في جميع شؤون حياة العباد لتستقيم أمور البلاد. وهذا المبدأ اعتمدته الأنظمة السياسية لجميع الدول. بل أخذ به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وجعله متصدرا مواده المعنيّة بالحقوق والواجبات التي تنظم العلاقة بين الفرد والدولة في المجال الحقوقي، فقد نصت المادة (1) منه على أنه: “يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق” وتابعتها المادة (7) من الإعلان ذاته بالقول: “الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز”، كما أن المادة (10) من الإعلان لم تكن بمنأى عن تقرير حق التساوي في الجانب القضائي بين الناس. والمتطلع بإمعان إلى النظام الأساسي للدولة في سلطنة عمان يجد أنه نظّم الحقوق والواجبات العامة تنظيما شاملا وواضحا؛ بحيث أرسى مبدأ المساواة بين الجميع أمام الأنظمة والقوانين السارية في مختلف الاتجاهات والنواحي؛ ذلك لأن السلطنة من الدول التي تقرّ في نظام حكمها الانتماء إلى الدين الإسلامي، وكذلك هي من الدول المنظمة في عضوية الأمم المتحدة وآخذة بنظمها وقوانينها المتصلة بحقوق الإنسان بما فيها الإعلان العالمي وغيره، ولذلك فإننا نجد مضمون المواد القانونية العالمية السابقة راسية في الأخذ بحق العدل والمساوة في التشريع العماني، إذ إن المادة (17) من النظام الأساسي للدولة أقرت هذا الحق وأيدته حيث نصت على إن “المواطنين جميعهم سواسية أمام القانون, وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة, ولا تمييز بينهم بسبب الجنس, أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي”. فهذا النص يُعدُّ من الأسس الرئيسية التي يقوم عليها النظام الأساسي في السلطنة. ولا يعني ذكر بعض أسباب التمييز في المادة السابقة – بأي بحال من الأحوال – الأخذ بالمفهوم المخالف فيما يتصل بجعل الأسباب غير المذكورة جائز التمييز على أساسها، وإنما ذكر البعض على سبيل التمثيل لا الحصر. وجاءت المادة (12) من النظام الأساسي هي الأخرى مُقررةً مبدأ وجوب إلتزام العدل بين العمانيين في استحقاق التوظيف والحصول على الوظائف والمناصب الإدارية على أساس الكفاءة والتنافس والمؤهلات العلمية والعملية التي تؤهّل العماني للترشح لمثل تلك الوظائف والفرص، فقد نصت على إن “العدل والمساواة وتـكافـؤ الفرص بين العمانيين دعامات للمجتمع تكـفلها الدولة”. – وكذلك المساوة في الوظائف العامة في الدولة – بالقول: “الوظائف العـامـة خدمـة وطنيـة تـنـاط بالقـائمين بها، ويستهدف موظفـو الـدولة في أداء وظـائفهم المصلحـة العامـة وخدمـة المجتمع. والمواطنون متساوون في تولي الوظائف العامة وفقا للشروط التي يقررها القانون”، وعليه فكل ترشيح لوظيفة معينة بأي جهة يتم بخلاف هذه النصوص فلا اعتداد به ويحق للمتنافس الطعن الإداري عليه أمام جهات التقاضي المختصة إداريا بالنظر في طعون القرارات الإدارية والوظيفية كل في مجال اختصاصها. فحق العدل والمساواة إذن يكون في جميع شؤون الحياة ومختلف مجالاتها، فهو حق في تولي المناصب بدون تعصب أو محسوبية لاعتبار اجتماعي أو عرقي أو غيره، وحق في إنجاز المعاملات الرسمية في الدولة بدون تأخير أو تقديم لآخر على حساب أخيه، وحق في إعطاء كل ذي حق حقه أمام القضايا المعروضة أمام القضاء والسماح لكل الأطراف بإبداء حجته والتعامل معها حسب الأصول العدلية، وحق في وجود الضمانات الرسمية من قبل مؤسسات الدولة المعنية بين جميع المواطنين والمقيمين على أرض السلطنة فيما يتعلق بالحصول على حقوقهم، وحق في الحصول على المكافآت والعلاوات والمنح المادية والمعنوية في مؤسسات الدولة العامة ومؤسسات القطاع الخاص دونما تفريق بين فرد وآخر إلا على أساس الجدارة والتميّز والتفاني في الخدمة والإخلاص في القيام بأداء الواجب المناط، وحق في الحصول على فرص العلاج وفرص التعليم والابتعاث إلى الخارج لجميع المواطنين على أساس مبدأ المساواة بنظرة واقعية وشفافية تامة. وإلى لقاء آخر جمعنا بمشيئته تعالى – أستودعكم الله في الحل والترحال…..

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي – المحكمة العليا
msd99509559@hotmail.com

إلى الأعلى