السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مشروعات تفكيك الدول العربية .. الأسباب والحل؟!

مشروعات تفكيك الدول العربية .. الأسباب والحل؟!

محمد عبد الصادق

” التفكك العربي يحدث أحياناً من الداخل لعجز بعض الأنظمة العربية عن استيعاب حقائق العصر ودروس التاريخ, كما أن هناك أزمة عربية مع المستقبل المحفوف بخطرين أولهما التحول الديمقراطي والتحول إلى الدولة المدنية الحديثة وثانيهما الوقوف في وجه محاولات تفكيك الأمة العربية, ولا يمكن الفصل بين الخطرين”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من كان يتصور أن حلمنا بالوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج, سيهوي يوماً في آتون الحروب الأهلية والصراعات المذهبية والانقسامات الطائفية حتى صار شبح التفكيك يتربص بأكثر من دولة عربية؟ ما الذي أوصلنا لهذه الحال؟ وهل نحن أمام تفكك عربي ذاتي أم نحن إزاء تفكيك يتم بأيدي الآخرين؟ هذه عينة من عشرات التساؤلات التي حفلت بها جلسات ندوة “المستقبل العربي” التي نظمها مؤخراً مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت, وشارك فيها نخبة من المفكرين والمحللين السياسيين العرب, من كافة الأطياف الفكرية: قوميين وليبراليين ويساريين, وخرجت الندوة بعدة ملاحظات نشير لأبرزها.
الملاحظة الأولى أن محاولات تفكيك الوطن العربي قائمة بالفعل وأن ما يحدث في سوريا واليمن والعراق وليبيا ليس سوى أمثلة حية على واقع التفكيك, وعن سبب وصول العرب لهذه المرحلة الحرجة, كانت هناك وجهتا نظر: المؤيدون لفرضية التفكيك بفعل التدخلات الخارجية بعيداً عن الأسباب الداخلية, يدللون على ذلك بأن الأقليات الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الثقافية داخل بعض البلدان العربية بريئة من تهمة التفكيك, وأنها عاشت آلاف السنين في محيطها العربي تمارس عقيدتها وحافظت على خصوصيتها وموروثاتها الثقافية داخل مجتمعاتها العربية, ولأنه لا توجد على سطح الأرض جماعة متجانسة مائة في المائة ومن الطبيعي وجود اختلافات داخل الجماعة الواحدة دون أن يتعارض ذلك مع فكرة الانتماء للوطن الواحد, يعيش فيه الجميع في إطار دولة القانون والمساواة والمواطنة.
ولكن هذا لا ينفي أن ما يحدث اليوم في بعض الدول العربية من صراعات هو نتيجة عوامل داخلية وخارجية, الداخلي متمثل في غياب دولة الحريات والعدالة والمواطنة, وخارجية متمثلة في أطماع قوى دولية في الموقع الاستراتيجي والسوق والمواد الخام, ولا يمكن التصدي لهذه الأطماع إلاً بالوحدة الوطنية و التضامن العربي, وعودة الدور الحقيقي لجامعة الدول العربية وتفعيل دورها في حل أزمات المنطقة, بدلاً من سياسة التنافس وصراع النفوذ والأدوار بين الدول العربية, حتى وصل بنا الحال أن نطلب المساعدة من الغير أو يفرض علينا الغير مساعدته أو بالأحرى تدخله, والحرب العالمية الصغرى الدائرة اليوم في سوريا تجسيد حقيقي لهذا المأزق.
التفكك العربي يحدث أحياناً من الداخل لعجز بعض الأنظمة العربية عن استيعاب حقائق العصر ودروس التاريخ, كما أن هناك أزمة عربية مع المستقبل المحفوف بخطرين أولهما التحول الديمقراطي والتحول إلى الدولة المدنية الحديثة وثانيهما الوقوف في وجه محاولات تفكيك الأمة العربية, ولا يمكن الفصل بين الخطرين, فالتحدي الثاني نتيجته متوقفة على اجتياز التحدي الأول, فالدول العربية أصبحت على المحك, فإما الإصلاح وإما الانهيار, والإصلاح يتطلب تغييراً عميقاً وشاملاً لأن الشعوب العربية لن تقنع بإصلاح جزئي أو بالقطعة, والأنظمة العربية نتيجة تضخم بنيتها الهيكلية والتراكمات المادية الثقيلة تخشى الإقدام على الإصلاح الجذري لأنها ترى أن لهذا الإصلاح ثمناً قد لا تقدر أو ترغب في الوفاء به.
وتسبب غياب الإصلاح السياسي والاجتماعي في اندلاع ثورات ما يسمى بالربيع العربي التي فشل معظمها بأيدي أصحابها الذين اختلفوا وتنازعوا وأعطوا الفرصة للمتربصين في الداخل والخارج للقفز عليها مستغلين ثغراتها وتناقضاتها, وما يحدث في سوريا وليبيا واليمن الآن؛ نماذج مؤلمة لهذا الواقع العربي الأليم.
التصدي لقطار التقسيم الداهم يتطلب وجود مناعة عربية شبيهة بمناعة الجسد الإنساني في مواجهة الفيروسات, فتقوية المناعة العربية يعني فشل محاولات الاختراق والتقسيم, وأول مقومات تقوية المناعة هو التماسك الداخلي بدلاً عن الانقسام المجتمعي والتناحر السياسي وإقصاء تيارات وفئات بدون جرم ارتكبوه أما الإرهابيون ومرتكبو الجرائم الجنائية فهم خارج هذا السياق, فإقصاء تيار سياسي أو اجتماعي سلمي أو إحدى الأقليات يضعف المناعة, وهذا لا يعني إلغاء الاختلاف في الرأي أو التعددية, ولكن المقصود هو الاعتراف بالآخر أكثرية وأقلية, موالاة ومعارضة, المطلوب التجمع خلف الأهداف الوطنية العليا هذا هو المعنى الحقيقي للاصطفاف الوطني.
وثاني مقومات المناعة الداخلية هو بناء دولة القانون التي في ظلها لا يمكن فصل كرامة الوطن عن كرامة المواطن, فالنيل من كرامة المواطن يترك شرخاً أو ندبة في نفسيته , تُضعف من مناعته الوطنية, وتطبيق دولة القانون يتطلب تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة ومكافحة الفساد, فالتجارب التاريخية أثبتت أن غياب هذه المقومات يضعف المناعة الداخلية لأي مجتمع, ويصبح أكثر عرضة للاختراقات الخارجية, وتكون الدولة نفسها عرضة أيضاً للابتزاز الخارجي بدعوى انتهاك حقوق الإنسان, وحماية الأقليات وهي الذرائع التي تستخدمها القوى العالمية الكبرى لاختراق الدول وتقسيمها, لذلك يجب تحقيق المساواة و كفالة حق المواطنة, واحترام التنوع, وهي الثوابت التي تجعل من أي أقلية عربية عامل قوة وتحصين بدلاً من أن تكون سبب استقواء أواختراق.
الواقع العربي يؤكد أن مشتركاتنا القومية في اللغة والتاريخ والجغرافيا والثقافة والمصلحة لم تمنع وجود اختلافات وتنوعات سواء على المستوى القومي أو الوطني, فنحن مختلفون ومتنوعون على المستوى الديني والطائفي والعرقي, ولابد من إدارة الاختلاف والتنوع بما يتيح كفالة حقوق وخصوصيات هذه التنوعات والانضواء تحت سقف وطن واحد, وعلينا الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة في إدارة التنوع الديني والطائفي والعرقي والثقافي, وهذا الجهد يقع على عاتق أهل الفكر والرأي بجانب سلطات الدولة ومؤسساتها.
ومن هذه التجارب أميركا التي استطاعت إنشاء دولة قوية موحدة رغم هذا الخليط من التنوع الديني والعرقي واللغوي والثقافي, كما نجحت الهند صاحبة التنوع اللغوي الهائل والديني والعرقي والحضاري, بل أصبحت أكبر ديمقراطيات العالم وتمضي في طريق التنمية بثبات ونجاح, كذلك تجربة جنوب إفريقيا في تجاوز الضغائن والصراعات, لن ننجح في مواجهة مشاريع التفكيك وعوامل التفكك من الداخل إلاّ بالتحلي بقيم التسامح وقبول التنوع واحترام الآخر.
للأسف مايدور في بعض الدول العربية من اقتتال داخلي لا يختلف كثيراَ عما كان يحدث في إفريقيا السوداء في العقود الماضية, فهل يملك المتصارعون العرب القدر نفسه من الشجاعة و التسامح لطي صفحة الصراع, ويقطعون الطريق على أصحاب مشاريع التفكيك المرتبطين بالخارج , لتعود الدولة الوطنية العربية المنيعة من جديد.

إلى الأعلى