السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كيف يكون شعور الأميركيين حال أطلقت الصين طائرات تجسس على بعد 12 ميلا من سواحلهم؟

كيف يكون شعور الأميركيين حال أطلقت الصين طائرات تجسس على بعد 12 ميلا من سواحلهم؟

” الخلاف بين واشنطن وبكين ليس مقصورا على بحر الصين الجنوبي. فهو يثور في كل المنطقة الاقتصادية الخالصة الضخمة للصين التي تمتد لتصل الى ساحلها الغربي على المحيط الهادي. من ثم فانه يبدو الى حد ما من غير المجدي لواشنطن ان تثير القضية على وجه التحديد فيما يتعلق ببحر الصين الجنوبي حيث يوجد هناك بالفعل الكثير من مصادر التوتر والشقاق.”
ـــــــــــــ
ما الذي تتشاجر عليه تحديدا اميركا مع الصين في بحر الصين الجنوبي؟ هذا السؤال يغدو أكثر اهمية في الوقت الذي اضحى فيه مستقبل اكثر علاقة ثنائية في العالم رهنا الى حد كبير بما يجري في هذا الممر المائي المتنازع عليه كثيرا. والاجابة ليست واضحة تماما.
يمثل بحر الصين الجنوبي نقطة احتكاك بين واشنطن وبكين منذ سنوات طويلة، لكن خلال الفترة الاخيرة بدا ان واشنطن قد زادت من حجم انتقاداتها للتصرفات الصينية هناك. فقد شاهدنا حملة معدة جيدا على ما يبدو من التصريحات الاميركية الرسمية واخبار جيدة المصدر وتم تتويج ذلك بنشر قطع من البحرية الاميركية للمراقبة بالقرب من موقع بناء للصين في الشعب المرجانية في فيري كروس وكلام وزير الدفاع الاميركي اشتون كارتر الصريح في سنغافورة في نهاية مايو الماضي.
والموضوع المشترك هو ان اميركا قد قررت ان تأخذ موقفا جديدا واكثر تشددا ـ لرسم خط أحمر حسبما قد يذكر شخص ما ـ لوقف ما تراه سوء تصرف للصين في بحر الصين الجنوبي. لكن ما هو سوء التصرف هذا؟ تم إثارة مجموعتان من المخاوف في التصريحات الاميركية الاخيرة.
الاولى هي ان الصين باتت تتنمر وتستخدم الاساليب القهرية للدفع بدعاويها في الجزر والشعب المرجانية المتنازع عليها في المنطقة ضد جيرانها الاصغر والاضعف من اصحاب الدعاوى. ونوبتها الاخيرة من عملية استصلاح الاراضي تقع في هذه الفئة، وفقا لواشنطن. والثانية هي ما تنظر اليه واشنطن على انه تهديدات لحرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي. دعونا ننظر في ذلك.
مما لا شك فيه ان الصين تلقي بثقلها الكبير والمتنامي في ذلك لتخويف وترهيب اصحاب المطالبات الاقليميين المنافسين لها. وقد رأينا ذلك في مواجهتها الحاسمة مع الفلبين في سكاربوروغ شوالس في 2012 ومع فيتنام حول التنقيب عن النفط في 2014. مع ذلك ومع ما يمكن ان نأسف عليه من مثل هذا التصرف، الا انه لا يتناقض مع القانون الدولي.
وربما هذا هو السبب في ان التصريحات الاميركية قد مالت الى وضع تأكيد كبير بشكل ما على المخاوف بشأن تهديد حرية الملاحة. ومثل الأمومة وفطيرة التفاح، فإن حرية الملاحة هو واحدة من تلك الافكار التي يمكن اثارتها لتبرير كل انواع التصرفات. لكن ما هي التهديدات التي تشكلها الصين لحرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي الآن؟
لتوضيح ذلك، علينا اولا ان نفرق بشكل واضح بين الملاحة التجارية والملاحة العسكرية. فغالبا ما تظهر كل من التقارير الاعلامية والبيانات الرسمية كما لو كان حجم هائل من التجارة البحرية يعبر بحر الصين الجنوبي واهمية هذه التجارة للرخاء الاقليمي والعالمي، على انها سببا للقلق بشأن النزاعات الاقليمية في المنطقة.
لكن ليس ثمة دليل على الاطلاق بأن حرية الملاحة التجارية مهددة بأي حال من الاحوال بسبب تصرفات أي من اصحاب الدعاوي بما فيهم الصين. كما انه لا يوجد اي داعي للخوف بان أي من اصحاب الدعاوي يمكن ان يحاول تقييد الملاحة التجارية هناك في المستقبل ـ ناهيك عن الصين التي تشكل تجارتها الحصة الاكبر والمتزايدة من حركة المرور.
ومع ذلك، فإن الملاحة العسكرية تقدم صورة أكثر تعقيدا، لان اميركا والصين تتخذان رؤى مختلفة من بعض القضايا الحاسمة بشأن العمليات العسكرية في المناطق الاقتصادية الخالصة. فبموجب معاهدة الامم المتحدة لقانون البحار، الذي أنشأ مصطلح ان المنطقة الاقتصادية الخالصة 200 ميل تعطي فقط البلد الحق في استغلال الموارد الاقتصادية تحت وفي البحر، دون ان تؤثر على حقوق السفن والطائرات الاجنبية، بما في ذلك السفن والطائرات العسكرية، من المرور عبرها او فوقها. فمن المنظور الاميركي تظل المياه مياها دولية لهذه الاغراض.
بينما تأخذ الصين منذ وقت طويل رؤية مختلفة. فهي تدعي الحق في تقييد السفن والطائرات الاجنبية في اجراء عمليات عسكرية، بما في ذلك عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة.
وقد حاولت الصين مرارا تنفيذ هذا الادعاء عن طريق اعتراض سفن وطائرات اميركية تقوم بهذه العمليات داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة.
وبالنسبة لقوة بحرية عالمية مثل اميركا، التي دائما ما تعتمد على قدرتها في اظهار القوة على المستوى العالمي عن طريق البحر والجو، فان هذه مسألة حرية ملاحة بشكل كبير، وكثير من البلدان الاخرى في انحاء العالم تشاطر الموقف الاميركي. على جانب اخر، فان الصين ليست وحدها في وضع تفسير اكثر تضييقا للعمليات العسكرية في المناطق الاقتصادية الخالصة، ولا يقوم الموقف الاميركي على اساس الى حد ما امام حقيقة انها ليست من الناحية الرسمية طرفا في معاهدة الامم المتحدة لقانون البحار لان الادارات الاميركية المتعاقبة عجزت عن اقناع الكونجرس الاميركي بالتصديق عليها.
ويمكن للمرء ان يشعر على الاقل بشيء من التعاطف مع موقف الصين. فتخيل كيف يكون شعور الاميركيين لو ان طائرات وسفن عسكرية صينية اجرت عمليات استطلاع وجمع معلومات بشكل معتاد داخل عشرات من الاميال من ساحل المحيط الهادي قبالة الولايات المتحدة.
فضلا عن ذلك، فان الخلاف بين واشنطن وبكين ليس مقصورا على بحر الصين الجنوبي. فهو يثور في كل المنطقة الاقتصادية الخالصة الضخمة للصين التي تمتد لتصل الى ساحلها الغربي على المحيط الهادي. من ثم فانه يبدو الى حد ما من غير المجدي لواشنطن ان تثير القضية على وجه التحديد فيما يتعلق ببحر الصين الجنوبي حيث يوجد هناك بالفعل الكثير من مصادر التوتر والشقاق.
وعلى الرغم من اهمية هذه القضية العامة بلا شك، فانه سيكون على صانعي السياسة الاميركيين ان يقرروا في مرحلة ما فيما اذا كانت تستحق التشبث بتفسيرهم للقانون في الوقت الذي يمكن فيه لتسوية او حل وسط صغير ان يسهل ادارة كل هذه العلاقة المهمة.
في الواقع، فانه بقدر ما تعمق المرء في النظر في القضايا في بحر الصين الجنوبي، بقدر ما بات واضحا بان المخاوف التي تثيرها اميركا بشان التصرف الصيني تبدو مجرد ذرائع للخط الاحمر التي تدعيه على ما يبدو هناك. اما الاسباب الحقيقية فانها تبدو أكثر عمقا. فليس لديها اي شيء يمكنها فعله مع بحر الصين الجنوبي في حد ذاته، وكل ما يمكن فعله مع السؤال الاكبر هو من سيقود في اسيا في العقود المقبلة. وكذلك الحال ايضا بالنسبة للدوافع الصينية.
ولا يهدف النهج المتشدد للصين بشان نزاعات السيادة البحرية هذه الى فرض ملكيتها في مواجهة المدعيين الاخرين. بل انها تهدف الى اظهار قوة الصين المتزايدة في البحر في غرب المحيط الهادي، والذي لاميركا الغلبة فيه منذ وقت طويل. فمن خلال دفع دعاويها البحرية بهذا الحزم ضد اصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة، فان الصين تظهر للعالم انها الان قوة يحسب حسابها في غرب المحيط الهادي.
من منظور بكين، فانه كلما زاد ضغط الصين على حلفاء الولايات المتحدة وتحدت الانتقادات الاميركية دون خوف من عقاب كلما ضعفت مصداقية القيادة الاميركية في اسيا الامر الذي يؤدي الى تعزيز مطالب الصين في القيادة الاقليمية.
ينظر صناع السياسة في واسنطن لهذه الامور بشكل مختلف. فهم يأملون بانه كلما زادت بكين من الضغط على جيرانها، كلما زاد قلقهم حيال قوة الصين، وكلما زادت لهفتهم في دعم القيادة الاميركية وبالتالي يتم تعزيز الوضع الاميركي في اسيا بشكل اكبر. وهذا هو السبب في انهم يتحدثون بشيء من المبالغة عن المخاوف بشان التصرفات الصينية في بحر الصين الجنوبي، ويتخذون مواقف صارمة بشان عزمهم على التصدي لها.
وليس من الصعب رؤية مدى خطورة هذه اللعبة. فكل من اميركا والصين يأملان في احراز نقاط وتظهران بمظهر القوي من خلال جعل الطرف الآخر يتراجع ويظهر في مظهر الضعيف. وربما ان كل منهما يستهين بعزيمة الاخر. واذا كان الامر كذلك، فان كل منهما سوف يواجه الخيار الذي كان يأمل في فرضه على الاخر، ما بين تراجع مذل وخطورة واحتمالية صراع خارج عن حدود السيطرة. يجب على كل طرف ان يتخذ خطوات لتجنب تلك الكارثة التي تلوح في الافق. وتدخل في ذلك واشنطن.

هوج وايت
استاذ الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الوطنية الاسترالية في كانبرا
ومؤلف كتاب”خيار الصين: لماذا يجب علينا تشاطر القوة” الذي نشر في الولايات المتحدة عام 2013. خدمة جلوبال فيوبوينت خاص”الوطن”

إلى الأعلى