الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أفما يشبع الإنسان من لحم الإنسان.. أفما يكره تعذيبه؟!

أفما يشبع الإنسان من لحم الإنسان.. أفما يكره تعذيبه؟!

علي عقلة عرسان

” إن المتابعات، واستقراء الصراعات الدامية، وتاريخ الحروب، والإرهاب بأنواعه، والعنف والتطرف بأشكالهما.. تشير إلى أن التطلع البشري المشروع إلى حياة كريمة، في ظل أمن من جوع وخوف.. يوغل في الابتعاد، حتى ليكاد يدخل السراب، ودوائر المستحيل، وأنه مفقود موؤود، في ظل التورم المرضي للأنا السلطوية أو التسلطية الطغيانية.”
ــــــــــــ
تفاءَلنا بمجلس أمن دنيا له قولٌ وسلطانٌ رفيعُ
تفاءَلنا بوقفِ القتلِ ” فوراً” وأَنا لا نموت ولا نضيعُ
تفاءَلنا، ومن خطأٍ فعلنا، وكم ذا يخطئ اللَّهِفُ الفَجيعُ
إذ اصبحنا على بركان نارٍ، وهولٍ ذاقَ حَنضلَه الرَّضيعُ
دماءٌ خاثراتٌ تحتَ ردمٍ وأشلاءٌ تَناثُرُها شَنيعُ
وأصواتٌ تصيحُ “ألا انقذونا”، وأخرى شَلَّها الهلعُ الرَّجيعُ
ألا من يبلِغُ الزعماء عنَّا رسالةَ بائسين، بهم خشوعُ
“نَكَثتم، أم غَدرتم، أم عجِزتم؟! وكلٌ عارُه ضَخْمٌ مُريعُ
ألا إنا نعاني ما نعاني إلى الله الشِّكاية والرجوعُ
سنبقى فوق وجه الأرض صبراً لكم مكرٌ، لنا ربٌّ شفيعُ
سنبقى، قد بقينا بعد قهرٍ، لنا عزمٌ، ونأباهُ الرُّكوعُ
***
أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع، قراره ذا الرقم ٢٢٥٤ تاريخ، الجمعة١٨/١٢/٢٠١٥ بشأن الحل السياسي في سوريا. ونصت الفقرة 13منه على الآتي: “يطالب بأن توقف جميع الأطراف فوراً أي هجمات موجهة ضد المدنيين والأهداف المدنية في حد ذاتها، بما في ذلك الهجمات ضد المرافق الطبية والعاملين في المجال الطبي، وأي استخدام عشوائي للأسلحة.”. وجاءت الأيام التالية لصدوره، أياماً داميات، تشبه في شدتها، أو تفوق، أياماً سبقتها، وكانت كلها داميات حالكات مثقلات بالشكوى، ومنذرات بتفاقم الفتنة، والقتل، والكارثة.
ودعت الفقرة الثانية من قرار مجلس الأمن المشار إليه، إلى مفاوضات بين وفد الحكومة السورية ووفد المعارضة، الذي تم تشكيله في مؤتمر الرياض، بهدف ” الدخول على وجه السرعة في مفاوضات رسمية بشأن عملية انتقال سياسي، مستهدفا أوائل يناير 2016 كموعد لبدء المحادثات.”.. ولم تلبث الاعتراضات أن انهالت على اعتماد وفد الحكومة دون التعرض لدور الرئيس السوري ومستقبله السياسي في سوريا، وعلى الوفد المفاوض باسم المعارضة، لجهة ضمه عناصر حُسبت على تنظيمات إرهابية، ولجهة عدم شموله لتمثيل تنظيمات لم يكن في تشكيلته عناصر منها، ولأسباب تتعلق بالمحاصصة في التمثيل بين الجهات الممثلة في اللجنة المكلفة بالتفاوض.. وجرى ذلك قبل أن ينتهي الأردن ومن معه، من تقديم قوائم نهائية، حيث قدَّم “١٦٠ – ١٦٧” اسماً فقط؟! من المنظمات والتنظيمات والجهات التي قد تصنف إرهابية، وذلك بناء على تكليفه بالأمر في مؤتمري فيينا ١و٢، اللذين أصبحا، إلى جانب جنيف ١، من المرجعيات المعتمَدة في القرار ٢٢٥٤ للحل السياسي. وعلى هذا، أو بسببه، سيعقد وزيرا الخارجية لافروف وجون كيري و ديمستورا اجتماعاً للنظر النهائي في تشكيل اللجنة التي ستمثل المعارضات في المفاوضات. وهذا يعني أن تشكيل اللجنة سيخضع لإعادة نظر، ومن المؤكد أن هذا سيفضي إلى خلافات ونزاعات جديد، على الأقل بين المعارضات، وإلى بث ألغام، مما سينعكس سلباً على تنفيذ هذه الفقرة من فقرات القرار العتيد، أو سيتسبب في إطالة مدة التفاوض، بسبب الخلافات، إلى مدى قد يطول، على الرغم من تحديد برنامج زمني.
وتكمن مشكلة المشكلات، في فقرة وقف إطلاق النار، الذي يستدعي بناء الثقة، ويتلازم مع الحل السياسي والمفاوضات التي ستفضي إلى حكومة انتقالية، ونظام حكم، ودستور جديد، وانتخابات. إلخ، حيث نصت الفقرة 5 من القرار على أن المجلس “يسلّم بالصلة الوثيقة بين وقف إطلاق النار وانطلاق عملية سياسية موازية، عملاً ببيان جنيف لعام 2012″. وهذا منطقي، وتفكير واقعي تماماً.
لقد دعا المجلس في الفقرة ١٠ من قراره، “جميع الدول إلى استخدام نفوذها لدى حكومة سوريا والمعارضة السورية، من أجل المضي قدماً بعملية السلام، وتدابير بناء الثقة، والخطوات الرامية إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار.”. وهو يدرك جيداً أن دون ذلك خرط القتاد، فالدول النافذة، وبعض حلفائها بالتحديد، لن يقوموا بذلك، بل قد يفعل بعضهم العكس منه تماماً، لأن مواقفهم المعلنة ستشجع على القتال لإسقاط النظام، وذهاب الرئيس، إذا لم يتم ذلك سلماً، وقبل أو مع بداية المفاوضات. ويدرك أيضاً أن هناك معارضات منخرطة في مؤتمر الرياض، وأخرى خارجه تتخذ الموقف ذاته، هذا عدا تنظيم الدولة وجبهة النصرة وغيرهما. ويعرف جيداً أن هذا الأمر يتم في ظل تعارض موقف رأسَيْ التحالفين، الأميركي والروسي، حول الموضوع.. مما يرجحه لأن يصبح محور فعل عسكري وأمني نشط على الأرض، من خلال الوكلاء على الأقل، لكن بعلم الرأسين الكبيرين، وبتنكرهما له في الوقت ذاته، عبر عملية خداع سياسي معروفة في عالم السياسة. أما المناخ، أو الأرض الواقعية التي سيتم في خلفيتها التفاوض فهو/فهي: أرض الحرب الدولية المستمرة، ومناخها وتطوراتها، وانعكاساتها على سورية والسوريين بصورة خاصة. وذلك ما تضمنته الفقرة ٨ من فقرات القرار، حيث جاء النص صريحاً على ذلك: [[.. ويلاحظ أن وقف إطلاق النار المذكور أعلاه لن يطبق على الأعمال الهجومية أو الدفاعية التي تنفذ ضد هؤلاء الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات - أي التي ستصنف إرهابية - على النحو المنصوص عليه في بيان الفريق الدولي لدعم سورية الصادر في 14 نوفمبر 2015.]].. وسيتم هذا في إطار التأكيد على دعوة الدول لتنفيذ القرار2249 لعام 2015، أي “منع وقمع الأعمال الإرهابية التي يرتكبها على وجه التحديد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (المعروف أيضاً باسم داعش) وجبهة النصرة، وسائر الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات المرتبطين بتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية، وغيرها من الجماعات الإرهابية، على النحو الذي يعينه مجلس الأمن “…” والقضاء على الملاذ الآمن الذي أقامته تلك الجماعات على أجزاء كبيرة من سوريا.”.
فواقعياً وعملياً الحرب مستمرة في سوريا، ولن يتوقف إطلاق النار في معظم المناطق السورية، أمّا المدنيون فسيكونون ضحايا ورهائن لحرب تشارك فيها دول، وجيوش، وتنظيمات، وميليشيات، وجهات لها حسابات مع بعضها بعضاً، لكنها تعمل جميعاً تحت راية مكافحة الإرهاب.. ولبعضها أطماع مكشوفة في سوريا، سيسهل لها الحصول عليها كلياً أو جزئياً: الوضعُ المأساوي السوري بشقيه الرسمي والشعبي، والوضعُ السياسي الداخلي، والإقليمي، والدولي الذي جعل من سوريا موطناً لفتنة كريهة، وبؤرة جاذبة للإرهاب، وطاردة لأهلها، وساحة لتصفية الحسابات والصراعات: الداخلية، والعربية، والإسلامية، والإقليمية والدولية.. ودولة تكاد تفقد الكثير من المقومات الرئيسة لوجودها بوصفها دولة. وهذا الوضع المعقد، المتشابك، المغري باستمرار الفوضى، والحرب، والشر، والانهيار.. أخرج سوريا الوطن والدولة عن إرادة السوريين وقرارهم، وأسلمها وأسلمهم إلى مصير مجهول. تعرف الدول المعنية بالقرار ٢٢٥٤ قبل غيرها، أن الوضع السوري كارثي إلى أبعد الحدود، وأنه وضع غير مسبوق في مأساويته ونتائجه، منذ الحرب العالمية الثانية، وأنه قد يتجاوز قدرتها على تصور مستقبل آمن ومزدهر لشعب أصبح ما يقرب من نصفه في المنافي والمهاجر، وقيد المعاناة المرة والمرض والفقر والجوع.. وأنه وضع مجتمع يتجاوز عدد المعوقين، والمصابين بعاهات دائمة فيه، والمنكوبين من أبنائه وبناته، وأطفاله وشبابه وشاباته.. الملايين؛ وأنهم يعيشون في بلد دُمِّر اقتصاده، وقدرته على حماية ذاته، ودُمرت بنيته التحتية، وملايين بيوت الناس فيه، فضلاً عن المدارس والمشافي والمعامل والبُنى الحيوية الأخرى.. ومع ذلك تستمر مأساته، ويُراد لها أن تستمر فيما يبدو، لأن الأهداف المبتغاة من الحرب في سوريا، والحرب عليها، لم تتحقق بعد بالكامل، على الرغم من فداحة المصاب في كل ما تم تدميره من تلك الأهداف.
تقول الفقرة ١٤ من قرار مجلس الأمن الدولي الذي نحن بصدده، إن المجلس: “يؤكد الحاجة الماسة إلى تهيئة الظروف المواتية للعودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين داخلياً إلى مناطقهم الأصلية وتأهيل المناطق المتضررة، وفقا للقانون الدولي.”.؟! كلام ” عسل”، وتطبيق حنضل؟! ذلك أنه قد يتذكر المعنيون بالأمر، أو قد لا يتذكرون، أنهم عجزوا عن تأمين وصول مساعدات إنسانية، تحت مسمى الحاجات الإنسانية القصوى، إلى محتاجين إليها في سوريا، وقعوا تحت الحصار، أو بين ضفتي إطلاق النار.. ويعرفون أن ذلك الوضع مرشح للبقاء والاستمرار، في ظل استمرار الحرب المشار إلى استمرارها بالقرار، وكذلك استمرار الحاجة الماسة والبؤس وأشكال الحصار.. فكيف بهم يتصورون عودة ملايين النازحين والمهجرين والهاربين والخائفين.. إلخ، إلى بيوت مدمرة، وساحات حرب، وأماكن يتفاقم فيها عفن الفتنة بأنواعها وأشكالها، وينمو فيها الفطر السام للكراهية التي ولدتها الحرب الكريهة؟!.. كيف يتم ذلك، ومن قِبَل من، وبمساعدة من؟! والدولة تكاد تنهار تحت أعباء الحرب فيها وعليها، والمجتمع منقسم ومنهك، والاقتتال شغّال؟! وهل “المجتمع الدولي” الذي يدعو إلى ذلك جاد فعلاً في دعوته، وقادر على فعل شيئ حقيقي، في مدى زمني مقبول ومعقول، وهو الذي “عجز”، أو أعجزته خلافاته، ومؤامرات بعضه على بعض، وصراعاته السياسية والعسكرية، عن رفع الحصار الصهيوني الهمجي القاتل عن غزة، بعد سنوات، وسنوات، وسنوات، من الحصار، وبعد عشرات القرارات والوعود برفعه، أو بالتخفيف من حدته.؟! ويدخل في باب سبقه باب، دعوة القرار، في الفقرة 12 منه، إذ “يدعو الأطراف إلى أن تسمح فوراً بوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع من هم في حاجة إليها. والإفراج عن أي محتجزين بشكل تعسفي، لا سيما النساء والأطفال.”؟! ولا بد من الانتباه الشديد إلى كلمة ” فوراً” المكررة هنا، مثلما ذكرت في الفقرة ١٣حول ” وقف إطلاق النار والهجوم على المدنيين فوراً”، وأعقبها ما أعقبها من قتل وتدمير؟!
ألا إنها مأساة الإنسان الكبرى، على يد الإنسان.. لا سيما حين يملك فريق القوة والمال وينام بعيداً عن شبح الضمير .. ويغيّ فريق هو الأكبر في البؤس والتعاسة والضعف والفقر، وينقعه الطغاة والبغاة والمجرمون في دمه، ويحكمون عليه بالموت صبراً، إلا من رأوا أنهم بحاجة لخدمتهم تحت النير والسوط.
وبعد فلا بد من أن نتساءل: هل من نهاية ترجى لسفك دم المدنيين العزل، لا سيما في سوريا والعراق واليمن، حيث يُستباح كل شيئ يتعلق بالإنسان وحقوقه وحياته، بلا حدود، وإلى مدى غير منظور.!؟ وهل من أمل في أن يُحترم حقُّ الحياة، وفي أن يُترك الناس يعيشون في أدنى درجات: “الأمن، والفقر، وفي أعلى درجات القهر، والرعب، والذل، والانتهاك بأنواعه، والاستباحة بأشكالها وألوانها؟! وهل من أمل في أن ينتهي ارتهان البشر للقوة العمياء المجنونة، التي تعربد وتفتك باسم السلطة، أو باسم معارضتها، أو باسم الوطنية، أو تحت غطاء الاتجار بها، أو باسم المذهبيات والثارات والأحقاد دائماً، ومن أجل السلطة، ركوباً أو نزولاً، في كل وقت، وطول الوقت.. وباسم الأطماع، والمصالح.. وباسم السياسات التي ما وجدت أصلاً إلا لتكون في خدمة الإنسان، ولم تُمارَس وجودها دوماً إلا على حسابه؟! وهل من سبيل لوضع حد للاتجار بالمبادئ والشعارات، والأديان والأيديولوجيات، من طرف أولئك الذين لا يمتثلون لشرع الله، ولا يمثلون شعوبهم، ولا أوطانهم حق التمثيل، ولا يتمتعون بالحد الأدنى من احترام القوانين، والقيم التي يتشدقون بها، وعلى رأسها القيم الأخلاقية والإنسانية.؟!
إن المتابعات، واستقراء الصراعات الدامية، وتاريخ الحروب، والإرهاب بأنواعه، والعنف والتطرف بأشكالهما.. تشير إلى أن التطلع البشري المشروع إلى حياة كريمة، في ظل أمن من جوع وخوف.. يوغل في الابتعاد، حتى ليكاد يدخل السراب، ودوائر المستحيل، وأنه مفقود موؤود، في ظل التورم المرضي للأنا السلطوية أو التسلطية الطغيانية. وإلى أنه ما من أمل، في أن يفقه السياسي، وكل من يتَّجر بالساسة، وبالوطنية، والحرية، والديمقراطية، والمصالح العليا للناس.. أن يفقه أنه مكلَّفٌ مؤتَمن، وأنه يُحاسب على ما يؤتَمن عليه ويكلَّف به، وفي مقدمة ما يؤتَمَن عليه حياة الإنسان الحر، وكل إنسان حر، تلك التي تأتي أعلى درجة من العمران والأوطان. والكل في قرَنٍ من قبل ومن بعد.؟! وأن يعرف أنه مفوضٌ من الناس، باسم الناس، لخدمة الناس.. وليس مفوضاً من الله، أو باسم الله، لكي يملك الوطن والناس.. ويدرك أنه في خدمة الشعب الذي اختاره أو فوَّضه لأمد، “أو ركب رقبته بالقوة”، فادعى ملكيته أو الوصاية عليه. ليس أبناء الشعب، ومصائرهم، وممتلكاتهم، ومستقبلهم في خدمة السياسي، ولا في خدمة تورماته، واستعلائه، وتطاولاته، وتوهماته، وأمراضه التي قد تصل حد إغراق الناس في الدم، والبؤس، واليأس.. من أجل أن يرتفع هو على جثثهم درجة.
منذ سنوات، وفي كل يوم يقتل، من أبناء هذه البلدان العشرات، بل المئات، في ظل التطاحن الغبي، حيث يوظف السياسي كل شيئ لكي يبقى أو يصل.. ولا ينظر حين يصعد أو ينزل، إلى يديه وقدميه الغارقتين بدماء المواطنين، من أبرياء أو مغرر بهم، أو مندفعين ليحملوه إلى حيث القمة النقمة، والطغيان، والإثم، والموت.. وتجدد تلك الحركة في دائرة مفرغة لا تنتهي، أو في حركة حلزونية تزداد تمركزاً في الجور والفساد والدم.
ألا كفى.. أفما يشبع الإنسان من لحم الإنسان، أفما يكره تعذيبه؟!

إلى الأعلى