الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / محمد رسول الله في ذكرى مولده..

محمد رسول الله في ذكرى مولده..

ما أحوج البشرية إلى فهم سيرة رسول السلام والإنسانية في ذكرى مولده..

السيد عبد العليم

من فضل الله سبحانه وتعالى على بني البشر أنه قيوم وحارس وراعٍ لهم. ولولا لطفه ورحمته لفنيت البشرية منذ قرون طويلة بسبب ظلم البشر لبعضهم البعض. فعندما ينتشر الظلم والقتل والدمار والخراب، ويعجز الخيرون من بني البشر في علاج ذلك، يكون تدخل السماء بإرسال الرسل لإرشاد الناس الى الطريق المنجي في الدنيا وفي الآخرة (المعنى الشرعي للسياسة). فكانت الرسل تأتي تباعا لعلاج أزمات ومشاكل بني البشر قبل أن يفني بعضهم بعضا. وكانت الرسل تأتي لعلاج مشاكل أقوامها خاصة، إلى أن بعث الله خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فكان في رسالته البلسم الشافي لكل أمراض ومشاكل البشرية ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) الأنبياء107. وبما ان رسالته كانت للعالمين من الانس والجن الى قيام الساعة، تعهد الله سبحانه بحفظ هذه الرسالة وذلك بحفظ كتابه الكريم»إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» الحجر9.

وفي بيئة عاشها الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه ونقل صورتها لنجاشي الحبشة بقوله» كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف.» فضلا عن انتشار القتال والحرب بين القبائل في الجزيرة العربية لأتفه الأسباب كسباق خيل كما هو حال داحس والغبراء. أي في واقع ربما يشبه في كثير من جوانبه واقعنا المعاش اليوم في البلدان العربية والإسلامية. وفي ظل وجود امبراطوريتين كبريين (قوتين عظميين بلغة العصر) فارس والروم كما هو الحال تقريبا بين روسيا والغرب والتصارع بينها اليوم. وكانت أرض العرب في مجملها ساحة للصراع بين تلك القوتين كما هو الحال الآن. في ظل تلك الأجواء وفي ظل هذا الخراب والظلم والمساوئ المنتشرة في ذلك الوقت، جاء إلى الوجود خير البرية محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام برسالة واضحة ومحددة، أن الله سبحانه أرسله رحمة للعالمين أي لعلاج أمراض البسيطة كلها انطلاقا من حي قريش بمكة المكرمة لوجود بيت الله الحرام فيه.
فنشأ النبي نشأة الطفل اليتيم بعدما مات أبوه وهو في بطن أمه. ثم ماتت أمه وهو في سن السادسة من عمره. فكان في نشأته يتيما ليكون نموذجا للطفل المكسور الجناح بفقد أعز الناس إليه وهما ابواه في طفولته. ومع أن عائلته كانت ذات جاه، لم يركن الى ذلك، بل اتجه منذ نعومة أظفاره للعمل والكد. فعمل في رعي الأغنام وهي مهنة شاقة حتى لا يكون عالة على أحد، وحتى يعلمنا حتى في طفولته عدم التكبر والترفع عن العمل في أي مهنة طالما كانت مهنة شريفة. وألا يتعالى المرء ـ كما نرى البعض في زماننا هذا ـ ويرفض العمل ويعيش عالة بحجة» كيف أباشر هذا العمل وانا حاصل على مؤهل عال» وغير ذلك. بل على المرء أن يلتحق بأي عمل متاح ويتقنه ثم يبحث وهو في العمل، اذا لم يكن مناسبا، عن فرصة افضل. وليس التكاسل والركون بحجة عدم مناسبة العمل للشهادة. ثم كانت خلوته مع نفسه في الغار، وهو الأمر المطلوب لكثير منا في ظل دوامة الحياة الحالية. اذ على المرء بين وقت واخر ان يجلس مع نفسه ويفكر في حياته في اي اتجاه يسير؟ ويراجع ويحاسب نفسه كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:»حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا وزنوا اعمالكم قبل ان توزن عليكم».
وكما يضيف جعفر بن أبي طالب للنجاشي «فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه». وذلك عندما جاءته رسالة السماء عن طريق الوحي على يد امين السماء جبريل عليه السلام بان الله سبحانه قد اختاره وارسله للناس كافة. ليكون بذلك نموذجا يحتذى به في شتى مناحي الحياة وفي شتى ادوارها «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً» الأحزاب 21. فكما ذكرنا كان طفلا يتيما واليتم هو الجانب الاضعف في سيرة الانسان. ثم كان شابا مستقيما لم يشرب خمرا او يقترب من الفواحش مع انها كانت منتشرة في ذلك الوقت. اي كان يمكنه عمل ذلك. كما يتذرع البعض بما يعرف حاليا بالبيئة المحيطة التي تدفع الفرد إلى تصرفات بعينها وإلى سلوكيات سيئة بان ذلك هو الوسط الذي يعيش فيه. الامر الذي ينقضه تماما وضع امرأة فرعون فرغم وجودها في بيئة الكفر والفساد في قصر فرعون، اختارت طريقا مغايرا تماما عن عبادة فرعون وذلك بعبادتها الله سبحانه ودعائها كما جاء في القرآن الكريم» رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون عمله ونجني من القوم الظالمين» التحريم 11. فلم تنسق للواقع الفاسد بل لفظته واتجهت الى الفطرة السليمة. فكان حاله هو البعد عن كل ذلك لأنها يتنافى مع الفطرة السليمة. كما انه صلى الله عليه وسلم في شبابه لم يصحب أيا من قرناء السوء الذي يزينون للشاب المعاصي فيكونون شياطين الانس الذين يزينون السوء لاصحابهم ويغوونهم ويغرونهم على الوقوع في المعاصي مما هو منتشر في عالم اليوم المعروف بصحبة السوء.

وكان نموذجا يحتذى في الصبر على دعوته ورسالته التي لخصها جعفر بن أبي طالب للنجاشي»»فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام». فأي فضائل وأي علاج لكل امراض البشرية افضل من هذا؟

وتحمل شتى انواع الأذى البدني والمعنوي من إلقاء القاذورات على جسده الشريف وغيره مما لا يحتمله بشر وهو يجاهد في سبيل تبليغ الرسالة برفق ورحمة حتى مع اكثر الناس اضطهادا وتنكيلا وعداوة له. فكان يقابل الاساءة بالصبر والاحسان. «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم» التوبة 128. فما احلمك وما اصبرك يا سيدي يا رسول الله! وظهر ذلك جليا عندما تعرض لكل انواع الاذى والوقوف في وجه دعوته في مكة. ثم في رحلته الى الطائف التي تظهر كيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم شدة الاذى بالرحمة: فقد مكث رسول الله عشرة أيام يدعو في الطائف، فما ترك أحدًا إلا كلَّمه في الإسلام، ورغم ذلك فقد اجتمع أهل الطائف جميعهم على تكذيبه، ثم قالوا له في اليوم العاشر: اخرج من بلادنا!!
وقد أغرَوْا به سفهاءهم وغِلْمَانَهُمْ، فَصَفُّوا أَنْفُسَهُمْ صفين خارج الطائف، وأرغموه وصاحبه زيدًا على المرور بين الصفين، وجعلوا يقذفونهما بالحجارة، حتى سالت الدماء من قدميه الشريفتين، وشُجَّتْ رأسُ زيد بن حارثة رضي الله عنه!!
وانطلق الرسول ومعه زيد رضي الله عنه يعدوان بعيدًا عن الطائف، والسفهاء وراءهما بالسباب والحجارة، حتى أرغموهما على دخول حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، حيث دعا رسول الله بهذا الدعاء الذي يفيض ألمًا وحزنًا فقال:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى عَدُوٍّ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يكن بك غضب عَلَيَّ فَلا أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ أَنْ يَنْزِلَ بِي غَضَبُكَ، أَوْ يَحُلُّ بِي سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ».
وكان الاشد وطأة في هذا الموقف بالغ الصعوبة هو كيف سيعود الرسول الى مكة وكيف سيدخلها بعد كل ما فعلوه به من ايذاء! وهنا ايضا تظهر رحمته في هذا الموقف العصيب حيث يقول: «فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ». فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» فأي رحمة وأي انسانية هذا!
ومع شدة إيذاء قريش له ولأصحابه والسعي بشتى السبل الى وأد دعوته ومحاولة قتله في بيته عندما اجمعت قريش على ذلك، جاءت هجرته واصحابه الى يثرب (المدينة). وكان الرسول صلى عليه وسلم في الهجرة مثالا للجانب الاضعف في البشر، حيث لم يخرج جهارا نهارا كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل خرج متسترا متخفيا مع يقينه ان الله سبحانه وتعالى حاميه وناصره حتى لا يكون هناك حجة لدى البعض انه لم يستطع الهجرة حال تعرضه للفتنة في دينه بسبب ضعفه أو أنه مغلوب على أمره.
وعندما وصل المدينة المنورة، كان اول شيء فعله هو بناء المسجد لدور المسجد في الدعوة لدين الله وتبليغ الرسالة ولأهميته في حياة المسلمين. ثم الصلح بين الأوس والخزرج والتعايش السلمي مع اهل الكتاب من اليهود والنصارى. بل وفي خصومة بين مسلم ويهودي كان النصر لليهودي فكان مع الحق ولم يتعصب للدين. فالحق احق ان يتبع حتى مع الكافر. وفي غزوة بدر نزل على رأي احد الصحابة بشأن مكان التمركز للمعركة. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى المشركين، وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله – صلى الله عليه وسلم – القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه:»اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربه ماداً يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك.

اللافت هنا هو وقت وصيغة الدعاء؛ فمن حيث توقيت الدعاء، لم يجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وينظر الى عدد وعدة قواته ويقارنها بما لدى اعدائه ويدعو كما يفعل بعض الائمة والعلماء في هذا الزمان. كما حدث مثلا من مفتي احد البلدان العربية الذي زار، على خلاف رأي أغلب العلماء، المسجد الاقصى بتأشيرة وحراسة ورفقة سلطات الاحتلال. ثم يصعد المنبر في خطبة صلاة جمعة ويدعو»اللهم حرر لنا القدس يا أرحم الراحمين من غير حول منا ولا قوة». أي يطلب من الله ان يحرر لنا القدس ونحن جالسون في بيوتنا! فلم يدع النبي الا بعد اختيار موقع المعركة وصف قواته، اي عمل وتنفيذ خطته الحربية والوقوف على الجبهة، أي بعدما عمل كل ما عليه عمله كقائد سياسي وعسكري، ثم كان الدعاء والإلحاح فيه. ثم ماذا كان يدعو الرحمة المهداة كما جاء في الرواية السالفة؟ كان دعاؤه بالنصر. فلم يدع على عدوه ـ وهو الشيء الملاحظ في كل حروبه وغزواته، حتى في غزوة أحد ـ فلم يدع على اعدائه بالهلاك والإبادة والاستئصال كما يفعل كثير من أئمة المساجد بدعائهم: «اللهم اهلك اعداءنا. اللهم عليك باليهود والنصارى. اللهم شتت شملهم …الخ». فهل ورد عن النبي واصحابه مثل هذا؟ الملاحظ بكل اسف ان مثل هذه الادعية موجودة منذ بداية احتلال فلسطين تقريبا، وكأنها ترد علينا. فقد توسع الاحتلال مع كل هذه الدعوات، ويتحول حال كثير من بلاد العرب والمسلمين من سيء إلى أسوأ. وبدلا من مأساة واحدة، تزايدت وانتشرت المآسي من فلسطين الى العراق الى سوريا الى اليمن وغيرها. فعلينا ان نتأدب في الدعاء الى الله ونتعلم من قرآنه وسنة نبيه كيف ندعو ومتى ندعو وبأي صيغة ندعو. فالقرآن مليء بآيات الدعاء لكل الأحوال والمناسبات. فقد كان النبي صلى الله عليه وسليما رحيما مع اعدائه حتى في دعائه، فلم يدع عليهم بالهلاك والإبادة مع علمه بأن دعوته مستجابة.

وعندما كان في أوج قوته وقدرته على الانتصار على مشركي قريش بالحرب في الحديبية ببطن مكة، وسنحت فرصة للسلام وحقن الدماء، اختار السلم برغم اعتراض كبار الصحابة. فبما ان طبعه صلوات ربي وسلامه عليه الرحمة، رأى بحنكته السياسية البشرية في صلح الحديبية وعقب بيعة الموت(الرضوان) نصرا وفتحا مبينا. الامر الذي أكده الوحي بسورة الفتح والتي يجب على كل من يحمل السلاح أيا كان نوعه وتحت أي دعوة للقتل ان يقف عند آياتها طويلا ليتعلم منها. فعلى الرغم من توافر كل اسباب الحرب المشروعة وتوفر القدرات الكفيلة بالحسم العسكري، لم يشن النبي الحرب كما طالب بذلك الصحابة. وذلك لان الحرب والقتل لا يميز. وكان في قريش أفراد اعتنقوا الاسلام سرا، فكان الخوف على قتل او اصابة مسلم بغير قصد. فلم يتم القتال وتم الانسحاب حرصا على ارواح قليل من المسلمين وسط كثير او اغلبية من الكافرين، لان قتل فرد واحد مسلم ولو بدون قصد أمر جلل يهون أمامه هدم الكعبة المشرفة. فلينظر كل المسلمين في عالم اليوم إلى هذه الايات ويتعلموا منها» هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا» الفتح25. ليظهر لنا ذلك مدى حرص الشرع على روح الفرد المسلم. فلو تميز هؤلاء الذين دخلوا في الاسلام سرا في مكة وانعزلوا عن المشركين لكانت الحرب. ولكن اختلاطهم منع الحرب. وامام هذه الايات البليغة الواضحة المعنى، ماذا يقول هؤلاء الذين يقتلون المسلمين الموحدين المسالمين العزل بدون تمييز وبدم بارد باستخدام عبوات ناسفة وغيرها من ادوات القتل الحديثة؟ وماذا بشأن اولئك الذين يقصفون بنايات كل سكانها مسلمون وهم يعلمون ذلك فيقتلون من فيها؟ وماذا يقول قادة بعض الفصائل بل والجيوش النظامية عندما يقصفون بطائراتهم مواقع مدنية فيقتلون فيها اطفال ونساء وشيوخ بزعم انه ربما يوجد فيها مقاتلون من قوات عدوهم (مسلمين). وماذا عن قصف مدارس ومستشفيات ومنشآت مدنية حيوية؟ والمحزن ان المتقاتلين يعلنون انهم مسلمون يخوضون حربا مشروعة! لقد ملأت كثيرا من بلدان العرب والمسلمين بجثث ودماء أبنائها الذين يقتلون على يد اخوانهم في العقيدة. وكثير من ابناء تلك البلدان يعانون من الفقر والجوع والمرض وبرد الشتاء وحر الصيف، وبدلا من مساعدتهم واغاثتهم، صارت تدفئتهم بالبارود المنهال عليهم وأكلهم وعلاجهم بالقنابل المتساقطة عليهم.
وعند فتح مكة، ومع كل مظاهر القوة التي أتاها الله لنبيه الكريم، وعلى الرغم من كل ما فعله به المشركون من ايذاء وحروب، لم يشن عمليات دهم وسلسلة اعتقالات لصناديد الكفر الذين طالما آذوه وقاتلوه. بل دخل مكة منكثا رأسه تواضعا لربه. وعندما مكنه الله منهم كانت رحمته. فعفا عنهم وكانت قولته المشهورة «اذهبو فأنتم الطلقاء». بينما في وقتنا الحالي، عند وقوع خلاف أو خصومة سياسية، تكون في أغلبها صراع على كرسي السلطة، سرعان ما يحول الطرف المتغلب ذلك الخلاف السياسي إلى صراع ديني أو طائفي. ويجمع كل ما لديه من قوة ويستخدمها في إذلال وإبادة خصمه السياسي. فيخرجه من الدين ويحاول بكل السبل إبادته حتى لو تعاون في ذلك مع ابليس، بمعنى اذا خاصم فجر. ثم نجد(فقهاء) يزينون للحاكم ذلك بفتاوي القتل والدم لكل من يخالفهم الرأي! فأين كل هؤلاء من التأسي والاقتداء برسول الانسانية والسلام؟ ثم كان التأكيد البالغ على حرمة دماء المسلمين في خطبته الجامعة في حجة الوداع كما في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس انه صلى الله عليه وسلم قال: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا )) وكما في رواية جرير»لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ». وان كان القتال بين المسلمين في عالم اليوم، لم يعد يحترم ويقدر حرمة الاشهر الحرم التي كان العرب قبل الاسلام يتوقفون عن القتال فيها!
ان المشكلة الاساسية في عالم اليوم هو الجهل بسيرة وقدر ومقدار هذا النبي العظيم. فما أحوج المسلمون إلى معرفة رسولهم الكريم وفهم سيرته فهما صحيحا. فلو عرفوه حق المعرفة، ما كان هذا مسلكهم وما كان هذا هو حالهم من الذل والهوان والقتل والدمار. فما أحوج المسلمون والبشرية كلها الى معرفة سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والمعاناة التي عاشها من أجل تبليغ رسالة ربه للعالم اجمع. فلو علم المسلمون قدر هذا النبي العظيم وسيرته الشريفة ورسالته لكانوا في طليعة الأمم كما كان أسلافهم. ولو علم المسلمون والعالم ان هذه الرسالة هي في حقيقتها رسالة سلام ورحمة وعلاج لكل أوجاع ومشاكل البشرية، ما كان ليظهر لنا في الغرب جاهلا بقدره ومقداره يتهجم عليه برسوم مسيئة وغيرها. فهذا يرجع إلى الجهل بهذا الرسول العظيم وإلى تقصير أبناء الاسلام في توصيل رسالته بأخلاقياتهم وسلوكياتهم الإسلامية الصحيحة السمحة، كما فعل أسلافهم من التجار المسلمين الذين دخلت بلدان كثيرة في اسيا وافريقيا الدين الحنيف اقتداء باخلاقياتهم وسلوكياتهم.

إن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تبليغ القرآن «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ» المائدة 67. وهذا القرآن فيه علاج لكل مشاكل الانسانية «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ» الأنعام38. وتحدى المولى الكريم بإظهار دينه واعلاء شريعته التي جاء بها الاسلام على كل الشرائع «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»التوبة 33. وذلك بان جعل الشريعة الاسلامية علاجا لكل ما تعجز عنه الشرائع والاديان الاخرى. فقد حدث ذلك عندما لجأت الكنائس المسيحية الى الطلاق كعلاج للمشاكل الأسرية. ومثل اعلان اكبر علماء اقتصاد الليبرالية الغربية ان حل مشاكل الاقتصاد العالمي يتمثل في جعل نسبة الفائدة صفر، أي بدون ربا. ومنذ عام 2006 حتى قبل أيام، وعندما تأزمت حالة الاقتصاد في الولايات المتحدة، كان العلاج هو جعل سعر الفائدة صفر أي قروض بدون فوائد وبدون ربا. ومن طريف ما قرأت، ان امرأتين دخلتا احدى المستشفيات للولادة في الولايات المتحدة. فأنجبت إحداهما ولدا والأخرى انجبت بنتا. ونسيت الممرضة المسئولة وضع ملصق أو اسورة لتعليم وتمييز الطفلين. وثار خلاف حول لمن هذا الولد وتلك البنت. وجاءت سلطات التحقيق والمعنيون للفصل في الأمر واستخدموا تحليل الحامض النووي الريبي(دي ان ايه) لكنه لم يحسم الامر. وبعد حالة من شبه اليأس، اتصل مسئول بطبيب مسلم وسأله متحديا بأنكم تذكرون أن الاسلام يعالج كل المشاكل، حلوا لنا تلك المشكلة. فسأل الطبيب شيخا فذكر له اية الميراث في سورة النساء «للذكر مثل حظ الانثيين» وعلم وفهم هذا الطبيب من الآية ان نسبة الدسم تكون في حليب ام الطفل الذكر اكثر كثافة من نسبتها بالنسبة لحليب أم الانثى وبذلك تم حل الاشكال.

سيدي يا رسول الله………………

لُغة ُالكلام ِكمَا رأيتَ على َفمِي َخجْلىْ ولولا الحُبُّ لم أتكلم ِ
يا مَظهَرَ التوحِيدْ حَسْبيْ أننيْ أحَدُ الشُدَاةِ الهَائِمِينَ الحُوَّم ِ
ماحِيلة الشعراءِ زادَ غِناؤهُمْ رَهَبَاً لدى هذا الجلال ِالأعظم ِ
إن الذي سَوَّاكَ في ُقرآنِهِ وَفاكَ وصفاً بالثناءِ الأكرم ِ
يا نورُ يَومَ وُلِدْتَ قامَتْ عِزَّةٌ للأرض ِإذ أمْسَت لِنوركَ تنتمي
الكوكبُ الأرضِيُّ حِين َوطِئتهُ أمْسَىْ حَصَاهُ يَتِيهُ فوقَ الأنجُم ِ
طوْعَاً لأحكام القضاء َخطىْ على هذا الثرى َخطوَ اليتيم المُعْدَم ِ
متجرداً من كل جاهٍ ظاهرٍ وبغير جَاهِ الله لم يَسْتَعْصِم ِ
صلى الإلهُ عليهِ نوراً هادياً متعبداً في غارهِ لم يسئم ِ
هيْمَانَ تضرعُ للسماء دموعه في تِيْهِ مشتاق ووَجْدِ مُتَيَّم ِ
يارب إليك تشَوَّقتْ روحي وحبك مُسْتَثارٌ في دمي
حتى أتى الروح الأمين يَضمُّه ضمَّاً على رَهَبُوتِهِ المُتبَسِّم ِ
اقرأ نبيَّ الله اقرأ وابتهل وبذكر ربك يا نبيُّ ترنم ِ
اقرأ وربك مُلهِمٌ سبحانه قد علم الإنسان ما لم يعلمِ

إلى الأعلى