الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / مولد خير البشر .. دروس وعبر للعالمين

مولد خير البشر .. دروس وعبر للعالمين

مولده تحررت الإنسانية وسمت بمقدمه البشرية وسادت ببعثته الأمة، فكانت خير أمة أخرجت للناس
شخصيته (عليه الصلاة والسلام) المثل الأعلى في التحمل والتجلد على نوائب الزمان
اعداد ـ راشد بن سالم البوصافي:
خلق الله هذا الإنسان وأوجده على ظهر هذا الكوكب ليقوم بالوظيفة التي كلفها، وبواجب العبادة التي خلق لتحقيقها، وحباه بالملكات العقلية والمواهب الفكرية ما جعله مؤهلاً لأن يكون خليفة في الأرض، إلا أن هذا العقل البشري يتأثر بالمؤثرات الخارجية المحيطة به، فالإنسان يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه وبعاداته وتقاليده، حتى تكون هذه العادات من مسلمات هذا الإنسان التي ورثها وثبت عليها.
وكان الإنسان العربي مع ما كان يحيط به من البداوة والصحراء، فكان زيادة على ذلك أسير الأوهام والخرافات والعادات المقيتة والرجعية العمياء، ولا سيَّما عرب الجزيرة العربية وبلاد الحجاز على الأخص مكة والمدينة.
فكان المجتمع المكي مجتمعاً مغلقاً متقوقعاً على نفسه تموج فيه أمواج الجهل والجهالة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، فقد تلبدت أحاسيسهم وتحجرت قلوبهم واغلولظت أكبادهم، وأدوا بناتهم في التراب وعرضوهن للموت والعذاب، شربوا الخمر وقالوا الشعر وأتوا السحر، أكلوا الربا وفعلوا الزنا وأتوا الخنى، يعبدون الأصنام ويقدسون الحجارة والأوثان، فغرقوا في براثن الشرك والوثنية، وأسرفوا في مراتب الجور والرجعية، فلا تمر من الصباح الباكر إلا على عابد وثن وعاكف على صنم وعابد على وهم، وضارب على التراب ومقلب للحجارة والأزلام، وكانوا يطوفون عراة حول البيت العتيق، يعلون الصفير والعويل والتصفيق.
وهم على هذا الحال ردحاً من الزمن حتى أطل عليهم ذلك النور المبين والشعاع السني، مولد خير البشر وسيد الخلق محمد بن عبدالله بن عبد المطلب (صلى الله عليه وسلم)، فأفرغ الله تعالى وجوده في الوجود الإنساني كله، فبدد به سجاف ظلمات الجاهلية والجهل، ومزق به أستار التخلف والرجعية، فأخرج الله به من الخيام خير الأنام وسادة الحكام وحماة الإسلام ودعاة السلام، فسادوا الحضارات والأمم بعدما كانوا رعاة للإبل والغنم ..
ولما أطل محمد زكت الربى
واخضر في البستان كلُ هشيم
* الدروس المستفادة من حادثة المولد النبوي
الدرس الأول ـ على قدر عظم المحنة يأتي عظيم المنحة:
كان الناس في الجاهلية يعيشون في سراب العيش لا في حقيقته، فلم يكن يستحق معنى العيش الإنساني إلا من حالفه الحظ بأن كان من الأشراف المنظور إليهم، وأما من كان من غير الأشراف فحكوم عليه بالمهانة والذلة طوال عمره، بل لا يحق له أن يفكر بعقله أو يتطلع بفكره أو ينظر بعينه إلى ما عند الأشراف، أنه موؤود الحال في تراب الظلم والجاهلية.
وعلى قدر ما كان عليه العرب المستضعفون من المهانة والذلة والطبقية العمياء كانت المنحة الإلهية لهم، بأن بعث منهم رسولاً من أنفسهم، يعرفونه ويعرفون نسبه وحسبه وفضله، فقال سبحانه وتعالى في بيان هذا الامتنان:(لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ).
وجعله الله تعالى سبب لفكاكهم من ربقة العبودية والرق وخلاصهم من بونقة الاستعباد والظلم والحيف، فوجدوا فيه المأوى والكهف والمفر وقد كانوا على شفا حفرة الهلاك والهوان قال الله تعالى:(وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
فهكذا أخرج الله تعالى الناس من ظلمات الجاهلية إلى أنوار العلم ومن وغياهب الظلم إلى أشعة العدل ومن غصص الشتات إلى رحاب الوحدة والمحبة والألفة، بعدما تعاورت عليهم المحن والفتن وتعاقبت عليهم صفعات الدهر وحنادس المهانة، فقال الله تعالى:(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً).
الدرس الثاني ـ تحرير الإنسانية من العبودية:
بعث الله تعالى محمداً (صلى الله عليه وسلم) بالحق والصراط المستقيم، وشملته العناية الإلهية بأنوارها الربانية فأهلته لأن يضطلع بالأمانة الملقاة على عاتقه، فقام بما حمل خير قيام فقد بلغ الرسالة وأداء الأمانة، فأخرج الله تعالى به الناس من عبادة الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى إلى عبادة الله الواحد القهار، الذي بيده الملك والملكوت والعزة والجبروت، الذي لا إله سواه ولا مستحقاً للعبادة غيره، فتحررت رقابهم من الإذعان لغير الله وتحررت أبدانهم من الخضوع لغيره.
فقد كان الناس يعبدون الحجارة التي ينحتها أهل الحجاز والأخشاب التي ينجرها الأحباش، حتى وصل بالواحد منهم الأمر إن لم يجد في سفره صنماً يعبده يكدس كدساً من التراب ويحلب نعجته عليه فيمسي عليه عاكفاً، والآخر يتخذ صنماً من تمرٍ فيجوع يوماً فيأكل ذلك التمر، فقد سلبت منهم العقول والنهى فدارت بهم رحى الجهل والوهم.
فانتشلهم النبي (صلى الله عليه وسلم) من تلك الهوة الساحقة السحيقة حتى أقامهم على قمة جبل التقدم والتحضر والرقي، قمةٍ تنخلع دونها رقاب الناظرين ذروتها، وتسقط من عليائها عمائم الهامات، فتحررت بمولده الإنسانية وسمت بمقدمه البشرية وسادت ببعثته الأمة، فكانت خير أمة أخرجت للناس فقال الله تعالى فيهم:(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)، وجعلهم الأمة الوسط العادلة المعتدلة فقال سبحانه وتعالى:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).
الدرس الثالث ـ أهمية حياة اليتم التي عاشها النبي (صلى الله عليه وسلم) :
إن الله تعالى ربى محمداً (صلى الله عليه وسلم) وقدر أن يكون يتيماً في أطوار حياته التي عاشها في طفولته وشبابه، فذاق النبي (صلى الله عليه وسلم) حياة اليتم والفقد، وما ذلك إلا لتزكو في نفسه جذوة العطف والرحمة للمساكين واليتامى لأنه يشعر بهم أكثر ممن لم يذق هذه الحياة ولم يصارع غصصها، فكان (صلى الله عليه وسلم) يتألم لأحوال الناس ويرحمهم ويعطف عليهم، فكان الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير والبشير النذير فقال الله تعالى فيه:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، ويقول عزَّ من قائل:(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ).
وتلك التربية التي ربى الله تعالى بها نبيه (صلى الله عليه وسلم) بأن قلَّبه في أطوار حياة اليتم، منذ طفولته، فقد مات أبوه وهو في بطن أمه، ثم ماتت أمه وهو صغير ثم كفله جده عبد المطلب فمات عنه وكفله عمه أبو طالب ومات عنه ثم ماتت عنه زوجه الوفية خديجة بنت خويلد ـ رضي الله تعالى عنها ـ وهكذا مرت أطوار حياته، وقد صنعت منه هذه التربية رجلاً فريداً من نوعه، فقد تربى على تحمل المسؤولية الفردية، والتضحية من أجل المبادئ التي يؤمن بها، وجعلته رجلاً صُلباً جلداً متحملاً أعباء الرسالة، ثابتاً على مبادئه لا يتزعزع ولا يتضعضع، كيف لا والله تعالى من ورائه، فلم يكن ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى إليه من عند الله تعالى.
ومع ما مرَّ به (صلى الله عليه وسلم) من المحن التي أراد الله تعالى أن يمر بها، وذلك من أجل تخليصه واستخلاصه لنفسه، وليتوجه بطلب المعونة إلى الله تعالى وحده، وليستغنيَ به عمن سواه فقال الله تعالى مثبتاً رسوله الكريم بألطف تعبير وأفضل خطاب (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)، ويقول له سبحانه وتعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً).
فكان النبي (صلى الله عليه وسلم) نعم الداعية والمربي والمصلح والموجه، وكان رحيماً حليماً عطوفاً رؤوفاً بالناس، يعلمهم العلم النافع ويسمعهم النصيحة البالغة والقول الصادق ويشغلهم بعيوبهم عن عيوب غيرهم من الناس، فكان بمثابة النبراس الذي يضيء لهم طريق الظلمات والبلسم الذي يضمد لهم جراحات الزمان، فقد وجدوا في شخصه المثل الأعلى في التحمل والتجلد على نوائب الزمان وظلف العيش وشدة الأمر وسوء الجوار، ووجدوا في سيرته ما يهون عليهم ما يجدونه من الشدة والهوان، وفي أخلاقه ما يعيد الحياة تجري في أوصالهم التي مزقتها وقطعتها حراب أعداء الإنسانية، فزكت نفوسهم وحسنت أخلاقهم ولانت قلوبهم وتهذبت طباعهم، فقال الله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)، فأنعكس شخصيته (صلى الله عليه وسلم) في شخصياتهم فكانوا يقتفون أثره ويسيرون سيرته ويحبون ما يحب ويكرهون ما يكره وخالطهم حبه حتى غدا صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم، كيف لا وهو سبيل نجاتهم ومنقذ حياتهم ومزكي سماتهم، وكانت طاعته ومحبته على العالمين قربة وطاعة وعقيدة.

الدرس الرابع ـ أخلاق النبي محمد (صلى الله عليه وسلم):
إن المتحدث عن أخلاق سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يشعر بهزة في كيانه ورعشة في بدنه، لأنه أمام عظيم من عظماء الإنسانية، فيحار العقل في وصف أخلاقه وسجاياه، كيف لا وربه الذي خلقه وفطره زكاه بأعلى مراتب ألفاظ التزكية، ووصفه بوصف لا تحيط به مدارك أفكار وأذواق البشرية، بوصفٍ يتضاءل أمامه بيانُ البلغاء وتكبو عنده فصاحة الفصحاء، وصفه بوصفٍ تحار الألباب من تراكيب مبناه، وتهيم العقول تائهة في وادي بيانه ومعناه، فقال في حقه وهو أصدق القائلين وأعلم بخلقه أجمعين (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
والمتأمل في طيات هذه الآية يراها صغيرة المبنى ولكنها عظيمة المعنى، ولا غرو في ذلك فإعجاز القرآن في إيجازه، ولنقف سريعاً على مفردات هذه الآية لنستجلي منها عمق هذا الوصف الذي وصف الله به عبده ورسوله محمداً (صلى الله عليه وسلم):
ـ (حرف الواو) وهنا الواو واو القسم وحذف المقسم به تشريفاً للعقول والبصائر، فكأنه يقول له وبعزتي وبجلالي وبألوهيتي وربوبيتي إنك يا محمد.
ـ إن: حرف توكيد ونصب يؤكد الكلام بعده.
ـ ودخل حرف الكاف وهو حرف اختصاص على حرف التوكيد فزاده توكيدا وحصراً وتخصيصاً (وإنك) وكأنه يقول له وإنك أنت يا محمد فقط.
ـ حرف اللام قبل حرف (على) للتوكيد فهي لام التوكيد.
ـ حرف الجر (على) حرف يفيد الاستعلاء والفوقية.
ـ كلمة (خلق) وجاءت نكرة أي على كل خلق عظيم.
ـ كلمة (عظيم) وصف للخلق على وزن فعيل، وفعيل من أبلغ صيغ المبالغة.
فالمعنى العام للآية كأنه يقول له وبعزني وجلالي وألوهيتي وربوبيتي إنك لست مشتملاً على أخلاق عظيمة فحسب بل أنت فوق كل خلق عظيم وكأن هذه الأخلاق العظيمة أنت فوقها وهي تستمد أخلاقها من أخلاقك يا محمد، وصدق أمير الشعراء أحمد شوقي حينما قال مادحاً أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
يا من له الأخلاق ما تهوى العلا
منها وما يتعشق الفضلاء
زانتك في الخلق الأصيل شمائل
يغرى بهن ويولع الكبراء
أبا الزهراء قد جاوزت قدري
لمدحك غير أن لي كتفاء
فإذا سخوت بلغت بالجود المدى
وصنعت ما لم تصنع الكرماء
وإذا رحمت فأنت أم أو أب
فهذان في الدنيا هما الرحماء
وإذا خطبت فللمنابر هزة
تعرو الندي وللقلوب بكاء
وإذا غضبت فإنما هي غضبة
في الله لا ضغن ولا بغضاء

فنعم والله ما عرفت الإنسانية رجلاً كمحمد (صلى الله عليه وسلم)، أحسنَ وما أساء ووصلَ وما قطع وأعطى وما حرم وعفا وما ظلم، وجاهد في سبيل ربه حتى أتاه اليقين ونزل به الحق المبين، فقد تربى في مكة وما أساء فيها قط لا في صباه ولا في شبابه ولا في شيخوخته، فأنعم به من رجل وأكرم به من نبي، فهو الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وصدق الشاعر السنغالي حينما قال فيه مادحاً:
هجرت بطاح مكة والهضابا
وودعت المنازل والرحابا
تخذت من الدجى يا بدرُ ستراً
ومن رهبوت حلكته ثيابا
ومن عجبٍ تسيء إليك أرض
نشأت فما أسأت بها شبابا
فأخلاق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أوسع من أن تحد وأكثر من أن تعد، فقد علم الأخلاق كيف تكون الأخلاق، ولم يصف الله تعالى نبياً من أنبيائه السابقين بوصف وصف به نفسه فقط إلا محمداً (صلى الله عليه وسلم) فقال في حقه {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}، وبعث (صلى الله عليه وسلم) لتمم مكارم الأخلاق ويكملها ويجملها فقال “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
والمتتبع لأخبار سيرته العطرة (صلى الله عليه وسلم) فإنه يجد الشيء الذي لا يعد ولا يقصى ولا يحد ولا يستقصى من أخبار أخلاقه وسجاياه وشمائله ومناقبه (صلى الله عليه وسلم)، وإذا كان العجب مما فاضت به ألسن العرب من المسلمين في وصف مناقب نبيهم العظيم، فإن العجب العجاب مما قال من ليسوا بمسلمين، ولكن بهرتهم تلك الأخلاق والخصال والشمائل والخلال، ما جعلتهم تفيض منهم القرائح بعبير البيان والمدائح الحسان، فتعالت صيحاتهم المدوية في كل ميدان وتسابقت ألسنتهم بذكر محامد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فكم من مقال كتبوه تحت عنوان “محمد نبي العرب” وعنوان “النبي العربي” وعنوان “منقذ الإنسانية” وعنوان “من عظماء الإنسانية” وفي مقدمتهم ذكر النبي العربي محمد بن عبدالله الهاشمي صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا الدكتور الكاثوليكي النصراني “شبلي شميل” الذي قرأ مقالاً عن مناقب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبلاغة القرآن الكريم، حبرته يمين السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار وتفسير المنار في مصر وكانا متعاصرين، فأعجب هذا الدكتور بهذا المقال فكتب رسالة إلى السيد محمد رشيد رضا يقول له في مطلعها: “السيد محمد رشيد رضا .. إنا وإن كنا في المعتقد الديني على طرفي نقيض إلا أنه يجمع بيننا العقل والواسع والإخلاص في القول، فإنك تنظر إلى محمدٍ كنبي فتراه عظيماً وأنا أنظر إليه كرجلٍ عادي فأراه أعظم”، ثم كتب له إثر ذلك قصيدة يقول له في مطلعها :
دع من محمد في سدى قرآنه … ما قد نحاه للحمة الغايات
إني وإن أك قد كفرت بدينه … هل أكفرنَّ بمحكم الآيات
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من … حكمٍ روادعَ للهوى وعظات
وشرائعٍ لو أنهم عقلوا بها … ما قيدوا العمران بالعادات
نعم المدبر والحكيم وإنه … رب الفصاحة مصطفى الكلمات
رجل الحجى رجل السياسة والدهى … بطل حليف النصر في الغارات
ببلاغة القرآن قد غلب النهى… وبسيفه أنحى على الهامات
من دونه الأبطال في كل الورى … من سابق أو حاضر أو آت
نعم هذا هو نبي العرب والعجم والناس أجمعين{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، وما أرسله ربه تبارك وتعالى إلا رحمة للناس أجمعين بل للعالمين لكل من في الوجود فقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.
وما على الإنسانية جميعها والمسلمين على وجه الخصوص إلا أن يتأسوا بنبيهم محمدٍ صلى الله عليه وسلم،{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}، فهو نعم من يُقتدى به وخير من يتخلى بشمائله، فخير الأخلاق أخلاقه وأفضل الأعراف أعرافه، فهو من أدبه ربه فأحسن تأديبه، وعلمه فأحسن تعليمه فقال له: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).
الدرس الخامس: بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) ووجوب الإيمان به:
كان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) يخرج من مكة إلى جبالها يتعبد في غارٍ هناك يقال له غار حراء، وهو غار يشرف على مكة المكرمة ويكشفها ويطل عليها وعلى البيداء حولها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخرج إليه فقد أحبه وألفه لأنه المكان الهادئ البعيد عن ضوضاء مكة وهرج أهلها وغلطهم ولغطهم، فكان يقضي فيه الليالي ذات العدد، يتعبد وتحنث ويتفكر ويتأمل، فكان يطلق فكره في رحاب هذا الكون الواسع الشاسع بمدِّ بصره (صلى الله عليه وسلم)، ويقلب وجهه في صفحات الفضاء ليرى تعاقب الليل والنهار والشمس والقمر وحركة النجوم، فيأتيه الليل فيتأمل في نسائم هدوئه وحركة أجرامه وشدة محلولك سواده وظلماته، فيستمع لأصوات الكائنات التي تتعالى من هنا وهناك وقد أرخى الظلام سدوله، ويراقب تنفس الصبح الباسم الذي يتنفس فيتنفس معه الوجود بأسره، وتبدأ الحركة تدبُّ من جديد في المجتمع الذي كان بالأمس في عداد الموتى والنيام.
فكان (صلى الله عليه وسلم) يدرك بعقله الواسع الفطن أن هذا الكون الدقيق المنظم وهذا الصنع البديع المحكم لم يكن ليحدث هكذا صدفة من تلقاء نفسه، بل صنعه وأبدع صنعه الإله الواحد القدير الحكيم البديع، وكان يدرك أن الرب العظيم الذي يدبر كل هذا الوجود لا يمكن أن تحصره جدران وجنبات الكعبة الأربعة، ولا يمكن أن يحل في أخشاب وأحجار تلطخ بالدماء كل صباح ومساء، إن هذا الإله العظيم الصانع البديع كان أجلَّ وأعظم في نفس محمدٍ (صلى الله عليه وسلم) من تلك الأوهام التي عاشها المجتمع المكي آنذاك.
فكانت تلك اللحظة الحاسمة التي تشرف وتكلف فيها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بالرسالة والنبوة، وقد ناهز الأربعين من العمر الزاهر، فقد كلفه الله تعالى بالرسالة وتحمل الأمانة فقال له:(كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ)، وقال له :(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً)، وقال له :(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)، وقال له : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ).
وبعد هذا التشريف جاءه التكليف بقوله تعالى له :(وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، وقوله : (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، فبدأ النبي (صلى الله عليه وسلم) بأمر الدعوة إلى الله وحده وترك عبادة الأصنام والأوثان والأحجار، فكان لدعوته الوقع المؤلم على قريش التي كانت تعدُّ دعوته هذه تحدياً سافراً لما ألفوه من آبائهم وأجدادهم، بل وعدوا دعوته الجديدة هذه وكلماته استهزاءً بما يعبدون من دون الله تعالى واستخفافاً بعقولهم، لهذا حاربوه على ذلك محاربة لا هوادة فيها، وألبوا عليه العرب أجمعين وثوروا ضده القبائل في شتى الميادين، وأصابه منهم الضرر والأذى في سبيل ما جاء به، وعندما آيسوا منه وخارت قواهم أخذوا يفاوضونه وينازلونه ليتنازل فلم يفلحوا في ذلك، فبقوا على هذه الحال حتى أظهره الله تعالى عليهم وانطوت صفحة الشرك والأوثان والحمد لله رب العالمين.
وقد بشر أنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ببعثة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، فكانت أوصافه في التوراة والإنجيل التي في أيدي أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بل كان تصريح النبي عيسى ـ عليه السلام ـ باسمه تصريحاً صريحاً فقد أخبرنا الله عن قوله لقومه :(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ)، وقد أخذ على الأنبياء الميثاق والعهد على أن يؤمنوا برسالة ونبوة محمدٍ (صلى الله عليه وسلم) وأن ينصرونه، ونصرهم إياه بما يبثونه من صفاته لأقوامهم من بعدهم حتى يهيؤون أمر طاعته بغد بعثته، فقد قال الله تعالى في ذلك:(وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ)، وقد قام الأنبياء بذلك خير قيام فقد بثوا صفاته وأخبار بعثته بين أقوامهم من خلال ما أنزله الله تعالى عليهم في كتبهم كالتوراة والإنجيل، فلهذا كثيرٌ منهم اتبعوه بعدما بان لهم وصفه حقيقة فأخبرنا الله تعالى عنهم بقوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(.
الدرس السادس ـ الثبات على المبدأ والتضحية من أجله:
لما أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) من أن يصدع بما أمر به فقال له{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)، فكان ذلك قاصمة ظهور قريش ومؤرق مضاجعهم ومقلق بالهم، فلم يجدوا لرده من حيلة، بل وجدوا منه الصلابة والثبات على مبدئه ودعوته ولو هلك دون ذلك، كيف لا والله تعالى ناصره بقوله :(إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)، وقوله له:(فسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، وقوله له :(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).
فما وجدوا لثنيه عن ما هو عليه من حيلة، فأجمعوا أن يغروه بالأموال والجاه والمنصب والنساء، فلم يفلحوا، فأجمعوا أن يتنازلوا له فيعبد آلهتمهم يوماً وهم يعبدون إلهه عشرة أيام فكان الرد الحاسم القاصم من الله تعالى بقوله لنبيه (صلى الله عليه وسلم):(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، وقوله له:(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
نعم دعوة لا تقبل المساومة ولا تقبل المماحكة ولا التنازل عن شيء منها، فالدين كامل متكامل غير متجزأ، فمن أخذ به يخذه كله، ومن حاد عنه فهو ظالم لنفسه ومهلكها {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ولهذا مضى النبي بكل ثبات ويقين أن الله تعالى ناصره ومظهر دينه لا محالة، فكان على يقين أن الدعوة والمبدأ الذي لا يضحى من أجله لا يقوم له كيان ولا أركان، ولا يلبث طويلاً إلا ويأتي عليه أصحابه الذي قاموا عليه بادئ الأمر فيأتونه من قراره، ويهدمونه بعد قيامه.
ولنا في حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأسوة الحسنة، ففي كل طور من أطوار حياته التي عاشها دروس وعبر لمن تأمل ونظر، وفوائد وفرائد وحقائق ودقائق لمن بها اعتبر، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) ليس شخصاً عادياً، نعم هو بشر ولا نخرجه عن طور بشريته إلا أنه ليس كسائر البشر، بشر تحفه عناية الله وتلفه رعايته ويسدده وحيه وتعصمه منعته، أفرغ الله وجوده في الوجود الإنساني كله، فأخرج من الخيام خير الأنام وسادة الحكام ودعاة السلام.
فحريٌ بنا جميعاً جيل الرسالة وحملة العقيدة وفرسان الدعوة إلى الله تعالى، حري بهذه الأمة الوسط الأمة الخيرة أن تقفو أثر نبيها وتتأسى بكل أفعاله وأخلاقه، وتمتثل منهجه في الحياة وأقواله وتوجيهاته وأوامره، وتنتهي عن كل ما نهى عنه، لكي نرجع إلى العصر الذي كان فيه عزُّ المسلمين ومكانتُهم بين الدول، ولن يصلح حاضر هذه الأمة إلا ما أصلح ماضيها.

المولد النبوي الشريف مولد أمة بل مولد عالم
**
لقد جرت عادة الكثير من الناس الاحتفال بمولد سيد البشرية خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولكن .. لنطرح السؤال الآتي: هل الاحتفال بمولده (صلى الله عليه وسلم) يكون بالصورة التي عليها الناس في هذه الأيام، فيجتمع الناس بقراءة سيرته ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو ما شابه ذلك .. بينما الناظر في واقع حياة الكثير من الناس يجد أن سيرته (صلى الله عليه وسلم) غير ماثلة لديهم، وشرعه غير مطبق على النحو الذي أمر به؟.
لا .. لا يمكن أن يكون هذا هو الاحتفال المطلوب، بل لا يمكن أن يكون هذا هو الاحتفال المفروض.
إننا إذا نظرنا لما يحصل في هذا العالم .. نجد أن أناساً يحتفلون بما تحقق من إنجازات في عهد شخصية من الشخصيات العالمية، وذلك من خلال النظر فيما تم تطبيق ما أمر به ووافق عليه من أمور، فهل واقع المسلمين اليوم موافق لما جاء به سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) من هدي وتشريع وأحكام؟.
إن المولد النبوي الشريف مولد أمة .. بل مولد عالم بأسره .. لو لم يولد النبي (صلى الله عليه وسلم) لما كانت أمة، ولما كان عالم. الله أكبر.
فالنبي (صلى الله عليه وسلم) بعث رحمة للعالمين، قال الله سبحانه وتعالى:(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء ـ 107)، من هنا نعلم أن ولادته (صلى الله عليه وسلم) ولادة أمة، وولادة عالم، لو لم يبعث سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) لكان الخلق في نار لا يطفأ لهيبها، ولا يهدأ سعيرها، قال الله تبارك وتعالى:(وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها)(آل عمران ـ 103)، ألم ينقذنا الله سبحانه وتعالى من النار بظهور سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)؟ بلى، بدليل هذه الآية الكريمة.
لهذا الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ليس فقط بقراءة سيرته الشريفة .. لا، إنما على الأمة بل على العالم أجمع أن يحتفل بمولده (صلى الله عليه وسلم) بتطبيق ما جاء به عليه الصلاة والسلام من خير ورشاد، المتمثل بكتاب الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم، وسنته الشريفة .. هكذا يكون الاحتفال وإلا فلا، عند ذلك سيتحقق للخلق بل للعالم أجمع الأمان والطمأنينة، والرخاء والسعادة.

محمد بن زهران بن حمود الرواحي
باحث شؤون إسلامية

المولدُ النبوي.. ذكرى اتّباع
**
في هذه الأيام تعيش الأمة ذكرى مولد .. ليس كأي مولد بشري ـ إنه مولد خير البرية (صلى الله عليه وسلم) ـ ولذا ليست القضية تكمن في المشاعر العابرة أو الاحتفالات بما يصاحبها من إنشاد وقصائد ومحاضرات لا يختلفُ اثنان عاقلان بأن هذهِ الفعاليات لها إيحاءاتها وفوائدها، مع تبجيله (صلى الله عليه وسلم)، ولكن هُناك جانب يفيضُ إشراقاً ومجداً وعزاً وأكثر أهمية في وجهة نظري القاصرة؛ ألا وهو التأسي به (صلى الله عليه وسلم) في أفعالهِ وأقواله وأوامره ونواهيه وفي خُلقه وخَلقه.
هكذا أوصانا الله تعالى بالتأسي والحذو حذو نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال الله تعالى:(وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، وقوله تعالى:(فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)، وغيرها من الآيات التي تأمرنا بالتأسي بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، والوعيدُ الشديد في مخالفة أمره الذي هو وحي يوحى من عندِ ربه قال تعالى:(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).
والواقعٌ خير شاهد وبرهان يخفقُ بالكوارثِ والمصائب التي أتت من جراء مخالفة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولنضرب مثالاً من فوج من الأمثال، النبي (صلى الله عليه وسلم) نهى عن الخلوةِ بين الأجانب، قال ـ عليه الصلاة والسلام:(ما خلا رجل بإمرة إلا كان الشيطان ثالثهما)، ولنتأمل أحبتي واقعنا المعاصر كيف انتهكت الحرمات في بيوت الناس بسبب هذه الاختلاط بين الأجانب بدعوى صفاء القلب!. وذكر سماحة الشيخ أحمد الخليلي المفتي العام للسلطنة قصصاً كثيرة وقعت يفيض منها الأسى والكدر، ولا حول ولا قوة إلا بالله .. وعلى قدر اتباعنا للنبي (صلى الله عليه وسلم) نهنأ ونعيش في أمن واطمئنان وسعادة وحبور ويصلحُ لنا أمر الدنيا والأخرة وأيضاً علينا أن نستقي منه (صلى الله عليه وسلم) الحبَ والتعاون والتكاتف ونبذ الحقد والحسد والتنافس المذموم .. هكذا أوصانا ـ عليه الصلاة والسلام:(لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضُكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلمُ أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى ههنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرَّات، بحسب امرئ من الشرِّ أن يَحقرَ أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه).
ولكن لو تمعنا في واقع الأمة اليوم نرى التباغض والتحاسد والتشرذم وتفرق الشمل بين أبناء الإسلام، فليس هناك احترام للرأي والرأي الآخر، خاصة بين مذهب وآخر، وبين دولة وأخري بسبب اختلاف التوجهات والأفكار. وإذا جئنا إلى الدول والمنظمات نرى الدمار وسفك الدماء وقتل الأبرياء ولا حول ولا قوة إلا بالله ،،، والله سبحانه وتعالى يدعونا إلى التوحد وعدم التنازع قال تعالى:(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
وعلى المسلمينَ في شرق الأرض ومغربها أن يعتبروا ويتعظوا، وليراجعوا أنفسهم من هذه النزاعات الجاهلية الأولى، والحذر من نزعات الشيطان والعياذ بالله .. العزةُ والقوة لن تكون إلا بعودةِ المسلمين إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة وتطبيقهما في حياتها، وبهذه الخصال الحميدة نحتفل بالمولد النبوي الشريف لنستقي منه ونطبقه ليس ليلة وليلتين وإنما في سائر حياتنا اليومية، وليكون احتفالنا بالمولد احتفالا في كل نفس من أنفاسنا، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .. وغيرها.
وعلى كل فرد أو جماعة، سواء كانوا أباء أو معلمين، أن ينشروا عطر السنة النبوية في كل مكان، سواء كان قولاً أو فعلاً، وصلى الله على سيد الثقلين محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى آله وصحبه أجمعين.
سالم بن جمعة الهاشمي

إلى الأعلى