الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ولنا في الذكرى عبرة

ولنا في الذكرى عبرة

أحمد مصطفى

بعيدا عن التقاط الإعلام للمفارقات والظواهر، فإن ذكرى ميلاد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم والسيد المسيح عليه السلام في التقائها تثير الكثير مما يمكن أن يكون عبرة لنا في زماننا هذا وظروفنا الحالية.
فالديانتان تجمعان أتباعا يزيدون على نصف سكان الأرض (المسلمون أكثر من مليار ونصف والمسيحيون أكثر من مليارين)”
ــــــــــــــــــــــ
يأتي المولد النبوي الشريف هذا العام متزامنا مع عيد الميلاد المجيد للسيد المسيح ومع نهاية العام وعشية الذكرى الرابعة لانطلاق ما عرف اعلاميا بوصف “الربيع العربي”. والأكثر ان مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام يأتي للمرة الثانية خلال عام ميلادي في ظاهرة لا تتكرر الا كل عدة عقود، ويذهب البعض إلى أن ذكرى النبيين الكريمين هذا العام تحمل ظواهر عديدة لا تتكرر إلا نادرا.
فالبعض يرى أن التقاء المولد النبوي الشريف وعيد الميلاد المجيد لم يتكرر منذ قرون (وهذا صعب، إذ إن الفارق بين السنة الهجرية والميلادية 11 يوما وهذا يعني ان تكرار الالتقاء يكون غالبا كل ثلاثة عقود ونصف تقريبا). ونتيجة التقاء المناسبتين الكريمتين، يكون القمر بدرا في أسبوع الأعياد كما أنه أسبوع ما يعرف بوصف “الانقلاب الشتوي”. وبعيدا عن التقاط الإعلام للمفارقات والظواهر، فإن ذكرى ميلاد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم والسيد المسيح عليه السلام في التقائها تثير الكثير مما يمكن أن يكون عبرة لنا في زماننا هذا وظروفنا الحالية.
فالديانتان تجمعان أتباعا يزيدون على نصف سكان الأرض (المسلمون أكثر من مليار ونصف والمسيحيون أكثر من مليارين) وتغلب تعاليم الديانتين السمحتين على أخلاقيات وسلوكيات البشر المستمدة من الديانات السماوية عموما.
ومن شأن ذلك انه لو “اعتبر” المسلمون والمسيحيون بذكرى ميلاد وسيرة نبيهما لعاد ذلك بالإيجاب على بقية البشرية.
أما ظروفنا الحالية، فحدث ولا حرج عن حاجتنا لتعلم الدروس من تلك الذكرى ولعل في مضاعفة التقاء العيدين ما يعيد لنا بعض مما كان من جوهر الدين وتقبل البشر لبعضهم البعض.
كتبت أكثر من مرة في أكثر من موضع عن القرية الملاصقة لقريتي بريف مصر واسمها الرسمي “فيشا الصغرى” والاسم الذي تعرف به “فيشا النصارى” ذلك أن بها اغلبية من المسيحيين وكنيسة أثرية شهيرة.
وكانت أراضي القريتين تتداخلان فنتشارك في الري والفلاحة وغيرها.
وكنا ونحن صغار نذهب إلى الكنيسة في وقت الأعياد لنحظى بالقربان مثل اقراننا المسيحيين.
وكذلك كانوا في أعيادنا، ينتظرون الكعك والبسكوت.
كان الناس في ذلك الوقت لا يدخلون الدين في السياسة، ولا يتشددون في رأي حول الخالق سبحانه وتعالى وما يقرب عباده منه.
فالعمل الصالح وحسن الخلق وصدق المعاملة هم أدلة التدين، أي تدين.
ليس معنى ذلك أنها كانت أياما مثالية لا تخلو من المشاحنات والضغائن والفتن أحيانا، لكنها كانت في أغلبها لأسباب دنيوية صرفة تتعلق بنشاطات البشر الحياتية أكثر منها بدينهم وعبادتهم.
فالخلاف على مياه الري، الذي قد يتطور إلى شجار أحيانا، كان يحدث بين جارين مسيحي ومسلم، أو جارين مسيحيين، أو جارين مسلمين.
وهكذا.
لم تكن اللحى وأغطية الراس تميز متدينا عن غيره، ولم تكن هناك مغالاة في الرياء سواء في عبادة أو طقس.
لم يكن التطرف في الأصولية قد وصل إلى هذا الحد الذي شهدناه بعد ذلك منذ نهاية السبعينيات، وتطور إلى ما نعانيه الآن.
نعم، ربما من قبيل التفكير بالتمني ان نتصور عودة الأمور إلى ما كانت عليه.
لكن على الأقل لنا في ماض قريب عاشه بعضنا مباشرة (ولم يسمع عنه أو يقرأ) ما يفيد من دروس تعزز ما هو انساني وتخفف مما يدعو لتشدد أو تعصب.
وإذا لم يكن ما نعاني منه الآن من تطرف وعنف وإرهاب، خاصة في دول ما سمي بالربيع العربي، من عظة وعبرة فبماذا يمكن أن نتعظ ونعتبر؟! إذا كان ظهور داعش وامثالها من جماعات تكفيرية في أغلب بلدان المنطقة لن يدفعنا إلى “تغيير ما بأنفسنا” فماذا إذا؟! لا يملك المرء إلا أن يدعو الله أن تكون لنا في الذكرى عبرة، وفي السيرة درس، ومن واقعنا حافز نحو التغيير للأفضل.
وهل هناك أفضل من العودة لأصول الدين السمحة، وما تلتقي فيه كل الأديان من قيم انسانية خيرة وسلوكيات حسنة.
لا مبالغة في أن جوهر كل الأديان هو أقرب ما يكون للفطرة الانسانية، وتلك التي يشترك فيها حتى المتدينون مع غير المتدينين.
وبدون أن يكون الأمر حلما مثاليا صرفا، فليتعقل البشر ما يمكن اعتباره حدا أدنى للتفاهم واحتمال الآخر.
نعم، الصراع من طبيعة الحياة، لكن ليس بالضرورة أن يكون وحشيا مدمرا.
ونعم، الاختلاف من طبع الأشياء لكن ليس بالضرورة أن يكون عامل افناء المختلفين بعضهم بعضا.
وليكن الاختيار بالانتخاب بعزل ما لا يتسق مع ما هو انساني.
كل عام والمسلمون بخير في ذكرى مولد الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وكل عام والمسيحيون بخير في ذكرى ميلاد النبي عيسى المسيح ابن مريم عليه السلام.
ولا ننسى أيضا من يحتفلون بأعياد الميلاد المجيدة في السابع من يناير من اخواننا الأقباط الأرثوذكس وغيرهم من مسيحي الشرق.
وندعو الله جميعا ان يكون العام القادم أفضل من سابقه، وان يخلصنا الله بحق جاه أنبيائه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

إلى الأعلى