الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / محبة الرسول (صلى الله عليه وسلم)

محبة الرسول (صلى الله عليه وسلم)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
ولد رسولنا الحبيب (صلى الله عليه وسلم) فانتشر النور, وتدفّق الخير مَعيناً صافياً، نهل منه أقوام فسُعِدوا وحُرم آخرون باستكبارهم فذلّوا وتَعِسوا .. أحيا الله به الكون، وانبعثت أمة التوحيد من جديد بعد قرونٍ أُمسِك فيها وحي السماء فتسربلت الأرض بظلم سكانها.
لمولده (صلى الله عليه وسلم) دلالات، وللظروف التي أحاطت بنشأته فصاغت شخصيته وأهّلته للرسالة أبعاد، ومن النِّتاج الذي خرج من بين يديه منارات تهدي السالكين في دروب النور التي خطّها هذا النبي العظيم شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ ميلادِ الهدَى والنُّورِ شهرُ خوارقِ العاداتِ التي ظهرتْ، وعلاماتِ النُّبُوَّةِ التي سطعتْ، شهرُ الحدَثِ العظيمِ الذي استقبله البلدُ الأمينُ، فتزايدتْ به بركاتُه، وتبدَّدَتْ به ظلماتُه، في يوم عظيم أغرَّ يَتِيهُ على الزمان فخراً، ويُباهي العصورَ بمولد خير الورى جاهاً وقدراً، ، وعن المنكر مانعٌ وزاجر، خاتم النبيين، وإمام المرسلين، هَدَى اللهُ به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، جاء بذلك القرآن المنـزل وحَدَّثَ به النَّبيُّ المرْسَل. قال تعالى:(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا).
فيا له من مولودٍ عظيمٍ أضاءَ الكائنات بنُورهِ وبدَّد الظلماتِ بهديهِ، هناك في مكة المكرمة ، وعلى مقربة من بيت الله الحرام ، وفي بيت سيد قريش عبد المطَّلِب بن هاشم وفي حجرة آمنة بنتِ وَهْب، سطعَ نُورُ سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي صاحبتْه خوارقُ العادات، وفَرِحَتْ بمَقْدَمِهِ الأرضُ والسماوات.
لقد كان العالمُ في شوقٍ شديدٍ ولهفةٍ عارمة إلى مَن يُخلِّصُه مما هو فيه من ظلم وخوف واضطراب، فلا هدوءَ ولا استقرارَ، ولا أمنَ ولا أمانَ، يطغى القويُّ على الضعيفِ، ويَحتقرُ الغنيُّ الفقيرَ، فما كانت جزيرة العربِ قبل ميلاد نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) إلا قبائلَ مختلِفَةً في النـزعاتِ، خاضعةً للرغباتِ والشهواتِ، يفتخر الأخُ بالاستيلاء على أموالِ أخيه، ويَعتبرُ القويُّ قتل الضعيفِ بطولةً، وسلبَ الأموال عِزَّةً ، وسبْيَ النساءِ جاهاً وعظمةً، ولعمرُ الحق ما هذا بخُلُقٍ، فلا عجبَ أن تتطلَّع البشريةُ إلى مَنْ يُنْقذُها من هذا الضلال، ويُخَلِّصُها من قيودِ الظلم والطغيان، ويحرُّرها من رقِّ الجهل والتخَلُّف، كما كانت هذه الجزيرة تموج بخليط من العقائدِ الباطلةِ والعباداتِ الفاسدةِ،
وهل ترونَ أنَّ أحداً كان يَصْلُح لهذه المهمة سِوى سيد الثقلين (صلى الله عليه وسلم) الذي بعثه الله على فترة من الرُّسل فحرر العقول وأحيا الموءودة، وحرَّم الرِّبا، وكَمَّل مكارم الأخلاق، فصدق من قال له:(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) فقد أرادَ الله سبحانه وتعالى أن تسبق هذا النبي َّالخاتم (صلى الله عليه وسلم) علاماتٌ واضحاتٌ، ودلائلُ بيِّناتٌ على قُرْبِ رسالة مَنْ ختم الله به النبوات (صلى الله عليه وسلم)، وتمم به الرسالات وما أكثر هذه البشارات، وما أوضح تلك الدلالات التي خلَّدها لنا التاريخ والتي منها أن الله تعالى بعث النبيين من قبله ممهِّدين ومبشرين بنبوته حتى تمم الله به الرِّسالات وجعله رحمة للعالمين . جاء هذا الرسولُ ليبدِّدَ الظلامَ ويبسطَ العدلَ وينشرَ النور, ويُحرِّرَ الإنسانَ من تبعيَّةِ الإنسان .
جاء ليقول: لا إله إلا الله , ولا معبود سواه .. فلا تعبدوا الشمسَ ولا القمر, ولا الصنمَ ولا الحجر, ولا النجمَ ولا الشجر, واعبدوا الله الذي خلقها وخلق كلَّ شئ, وبيده وحده كلُّ شئ.
جاء ليقول: صِلوا أرحامَكم, وبرُّوا آباءكم, وأكرموا جيرانكم, وأعطوا من حرمكم, واعفوا عمن ظلمكم , وصِلوا من قطعكم .
جاء ليقول: لا تحاسدوا ولا تناجشوا, ولا تخاصموا ولا تباغضوا, ولا تدابروا ولا تقاطعوا, ولا يغتب بعضكم بعضا .
جاء ليقول المسلمُ أخو المسلم, لا يظلمُه ولا يخذله ولا يحقِرُه, ولا يبع أحدكم على بيع أخيه, ولا يخطب على خِطبته, من أجل أن ذلك يُحْزنه ويوغِرُ صدره فتتقطع الأواصر فيما بينكم .
فقد جاء رسولنا الكريم ليدعُوَنا إلى عبادة الخلاق, وإلى مكارم الأخلاق ..وعلى كل مسلم أن يتبع محبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهداية، فتلقَّى رسالة ربه عز وجل فبلَّغها وأدَّاها أتمَ البلاغ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حتى توفاه الله عز وجل وقد اكتمل للأمة أمر دينها وشريعة ربها، ولم يترك عليه الصلاة والسلام صغيرة ولا كبيرة إلا بيَّنها ووضَّحها، وجلاَّها لأُمته، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يَزيغ عنها إلا هالك، وهذا كله من تمام شفقته ورحمته (صلى الله عليه وسلم) بأُمته وحبه لهم، فجزاه الله عنا وعن الإسلام خير ما جزى نبيًّا عن أُمته، وجعل حبَّه واتِّباعه أحبَّ إلينا من أنفسنا وأولادنا، وآبائنا وأُمهاتنا، والناس أجمعين.
ومحبة رسول (صلى الله عليه وسلم) أن يميل قلب المسلم إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ميلاً يتجلَّى فيه إيثاره (صلى الله عليه وسلم) على كل محبوب من نفس ووالد وولدٍ، والناس أجمعين؛ وذلك لما خصه الله من كريم الخصال وعظيم الشمائل، وما أجراه على يديه من صنوف الخير والبركات لأُمته، وما امتنَّ الله على العباد ببعثته ورسالته.
فأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المُحب، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه؛ فنحن نتعلق ونرتبط برسول الله (صلى الله عليه وسلم) من جوانب شتى، في جانب العقل معرفةً وعلمًا، نقرأ ونحفظ سيرته وحديثه، وهديه وسنته، والواجب منها والمندوب منها، ونحو ذلك، ومحبة بالقلب، وهي عاطفة مشبوبة، ومشاعر جيَّاشة، ومحبة متدفقة، وميلٌ عاصف تتعلق به النفس والقلب برسول الله(صلى الله عليه وسلم) لما فيه من المعاني الحسية والمعنوية.ثم محبة بالجوارح تترجم فيها المحبة إلى الاتِّباع لسنته وعمله، وفعله ـ عليه الصلاة والسلام ـ لذا فنحن نرتبط في هذه المحبة بالقلب والنفس، وبالعقل والفكر وبسائر الجوارح والأحوال والأعمال، فتكمُل حينئذٍ المحبة لتكون هي المحبة الصادقة الخالصة الحقيقية العملية الباطنية، فتكتمل من كل جوانبها؛ لنؤدي بعض حقِّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) علينا.
وحبُّ المسلم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) عمل قلبيّ من أجَلِّ أعمال القلوب، وأمر وجداني يجده المسلم في قلبه، وعاطفة طيبة تجيش بها نفسه، وإن تفاوَتت درجة الشعور بهذا الحب؛ تبعًا لقوة الإيمان، أو ضَعفه.
فإن الله تعالى أوجب علينا محبة نبيه (صلى الله عليه وسلم) وتوعَّد المخالف في ذلك بقوله:(قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وأبناؤكم وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة ـ 24) ونحن نعيش ذكرى ميلاد النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم إلى أن نترسَّم خطاه ونسير على نهجه.

إلى الأعلى