الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أين النخب العراقية؟

أين النخب العراقية؟

عادل سعد

لم أجد توصيفا للنخب العراقية أقرب إلى الصحة من القول إن هناك غموضا واضحا يلف وجودها، ويحول دون أن تكون بهيئة معينة، وبرنامج واضح ورؤية صافية للحاضر والمستقبل، وبما يمكن أن يشار إلى وجودها، أو قل عدم يقين بوجود نخب حقيقية يمكن تحديد معالمها على الأقل في الميادين السياسية والثقافية، وبعض الحال في الميادين العلمية.
إنني إذ أتحدث عن هذا الغموض الذي يلفها، فلا يعني ذلك إنكار لحقيقة أن هناك شخصيات نخبوية تحاول البحث عن هوية لهذا التوصيف، وتكون قادرة على التأثير في الحدث العراقي بشكل واسع ولكنها حالات فردية، كما لا يلغي ذلك حقيقة أن هناك العديد من العراقيين الذين يدعون أنهم نخبويون بجدارة، ولكن ما يطرحونه ليس إلا مجرد زعم، أما لماذا هذا التشخيص؟
فلأن متابعتي لهذا الموضوع الحيوي في أكثر من مجال واحد جعلني على معرفة ببعض المشاكل التي تعاني منها العديد من الشخصيات، إذ لو أن هناك نخبًا حقيقية فاعلة في العراق، لكان الأمر غير ذلك في قيادة المجتمع بما يضمن سلامته الفكرية وتأثيرها في الميدان العراقي العام.
نعم هناك مثقفون وسياسيون وشخصيات علمية، وهناك باحثون في هذه المجال، يمتلكون خبرات لا بأس بها، ويتابعون ما يجري في العالم ضمن الاختصاصات التي يتميزون بها، واستدراكًا لهذا التوصيف نسأل كم عدد الشخصيات النخبوية العراقية التي تعلن بدون أية مواربة الدفاع عن القيم والمعايير والأصول التي عليها الالتزام بها بعيدا عن الارتصاف الطائفي والعرقي والمناطقي، وأين هي الشخصية السياسية والثقافية التي استطاعت أن تستقطب عددًا مؤثرًا من العراقيين لصالح توجه يمكن أن ينتشل البلاد من النزعة الحصصية التي تحكمه الآن، وكم هو عدد الرجال والنساء الذين يتجاوزون انتماءهم المذهبي والإثني لصالح توجهات تأخذ بالاعتبار أهمية معالجة القضايا المستشرية فسادًا وإهمالا، وتواطؤات في المشهد العراقي، وأين هم الذين ينبغي أن يحتجوا بشكل حقيقي على ما وصلت إليه البلاد مقدمين نموذجًا من الواجب الاقتداء به؟
إن النخب الحقيقية هي التي تسمو على حاجاتها ومصالحها وهيبتها الفارغة لصالح حاجات آخرين في إطار منهج تضامني.
لقد تابعت عن كثب في الأيام القليلة الماضية برنامج عمل لمجموعة من الأساتذة الجامعيين والنشطاء الاجتماعيين والإعلاميين، وقد تبين لي من خلال مراجعة أسماء هذا التجمع وخلفيات ما يطرحونه أن كل واحد منهم يريد أن يحجز له مقعدا أو حقيبة في مجلس النواب أو مجلس الوزراء أو في إحدى الهيئات الدبلوماسية، أو ضمن وظائف الدرجة الثانية كمديرين عامين ومستشارين ورؤساء هيئات، ومنذ الأيام الأولى لهذا التشكيل السياسي الوليد تبين لي أيضًا أن حجم الخلافات بين أعضائه في مرحلة النشوء ليس قليلًا، إنهم يعانون من ضغط المنافسة وما يتأسس عليها من ضغائن على حساب الشفافية في التعامل، ولكم أن تتصوروا حجم الخلافات لو أنهم تعمقوا في تجربتهم السياسية مستقبلًا ودخلوا في مجال الاستقطاب.
إن ما يعيد تكوين النخب يكمن في الانتصار للمعارف والعلوم والحقائق التي جعلت منهم نخبًا وليس اتباعًا, أن هذه الشخصيات العامة تكونت ونمت وأغنت عقولها في ظل الدولة العراقية الموحدة، ولم يكن هناك فضل لطائفة أو مجموعة عرقية ينتمون إليها في هذا الجاه المعرفي الذي حصلوا عليه، ويقتضي الحال هنا أن ينتزعوا من أنفسهم كل ما يؤشر إلى ضيق الأفق ويعلنوا على رؤوس الأشهاد بكل قوة وثبات وشجاعة أنهم ليسوا أرقاما في مشهد التبعية لهذا المكون الطائفي أو العرقي، مع العلم أن هناك حقيقة لا يمكن الرد عليها، وهي أنه ليس كل الذين يجاورون البحار يمكن أن يكونوا ملاحين ماهرين.

إلى الأعلى