الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كلمات: إنه منتصف ليل 31 ديسمبر
كلمات: إنه منتصف ليل 31 ديسمبر

كلمات: إنه منتصف ليل 31 ديسمبر

زهير ماجد

ايام وتبدأ سنة ميلادية جديدة، لاتشعر اجسادنا بها ولا عقولنا، انما هي تجسيد لحاجة الانسان الى الاحساس بالزمن وتدوين التاريخ الشخصي والعام. نغير الروزنامة، لكن احساسنا باننا لم نتغير تبقى قائمة. وكذلك من حولنا هم لم يتغيروا، تظل وجوههم على حالها، يظل الطول عند وقوفه. لا اذكر اني شعرت بالتغير في اي عام، ومع ذلك يحتفل الناس، تطلق الشعوب صراخها اثناء منتصف الليل من نهاية العام مرحبة بالعام الجديد.
تنطلق في تلك الساعات حفلات من التنجيم التلفزيوني .. منجمون بالجملة يقرأون على الورق او شفويا استطلاعات المستقبل للناس .. من احب الاشياء للشعوب ان تعرف المجهول، ليس من خوف يضاهي الخوف منه. الكل يريد ان يعرف عن الايام والسنين القادمة والكل مجبول بالتوجس من تاريخ لم يره، ومن زمن سوف يعبر فكيف له ذلك العبور وكيف يكون. حشرية البشر طبيعية، من المجهول ولدت فلسفات، فتح الانسان على نفسه قيما اخترع لها مفاهيم كي يتجانس مع الحياة بمفهومها المستقبلي .. هو اقلع من الماضي وعاشه، وهو في بطن الحاضر يراه تماما، لكن ما العمل مع الآتي الذي سيأتي لامحالة، ماذا سيحمل وماذا سيفعل .. كثيرون يلجأون الى فنجان القهوة للكشف عن البخت .. حتى ان عبد الحليم حافظ قدم احدى اغنياته بعنوان ” قارئة الفنجان ” التي قالت لمن تقرأ له على لسان الشاعر نزار قباني ” وستعرف بعد رحيل العمر / بانك كنت تطارد خيط دخان ” بمعنى ان الحياة هباء عندما يقف المرء في عمر متقدم ليقرأ في حياته التي مرت.
وقبل ان تدق الساعة معلنة عاما جديدا، ثمة ايضا من يجرب حظه .. تنتعش الكازينوهات برواد يبحثون عمن يسمونه حظ العام المقبل .. فهو ان ربح وكسب اعتبر سنته الجديدة جيدة لأنها بدأت بالمكاسب .. اما ان خسر فيعني ان سنته القادمة سيئة .. منهم من يصدق الحدث فيفرح او يحزن، وفي الحالتين ثمة اختبار تبحث عنه الكثرة الكثيرة لنعرف من خلاله على ماذا سيمضي بها العام القادم.
وخلاصة القول ، ان اليوم الاخير من كل عام مرحلة اختبارات، يسود فيها الهرج والمرج، وهو يوم وان كان عاديا عند البعض، الا انه عيد كبير عند كثيرين لأنه انتقال بين عام وعام، والكل يريد ان يتعرف على ماينتظره ان في حياته العملية او الصحية، فان لم يكن متزوجا امكانيات زواجه … واذا كان مفتشا عن عمل فهل سيجده ..
تلك الرغبة الجامحة لدى الانسان في حب الكشف عن المجهول كم اقلقت كثيرين عبر التاريخ، وكم قيل فيها ماقيل او جرى فيها ماجرى .. ولأن الانسان لم يتغير روحا ولا مشاعر ولا احساسا ولا بحثا ولا قلقا، فهو لاشك كان كما نحن عليه اليوم ينتظر تغير الاعوام ليقيس نظام حياته.
اعرف ان جهابذة في السياسة كانوا يلجأون الى العرافين، بل ان بعضهم لم يكن ليفعل شيئا دون مشورتهم .. كان مثلا السياسي اللبناني المحنك كمال جنبلاط على اهتمام بالغ بكشف يومياته عبر ورق الكوتشينا .. بل انه كان يصر على الذهاب سنويا الى الهند لمقابلة العرافين والاطلاع على القادم من الايام والسنين .. وذكر لي الشاعر الراحل عمر ابو ريشة ذات مرة انه كان سفيرا لسوريا في الهند حين جاءه جنبلاط في ذاك العام 1957 للذهاب الى العرافين .. ويقول عمر انه لم يكن يصدق اقوالهم الا خلال تلك الزياة الجنبلاطية له .. فبعد ان قطعا سيرا على الاقدام وسط ادغال كثيفة وصلا الى بيت من قصب، ما لبثا ان دخلا فوجدا امرأة في استقبالهما ، فام جنبلاط بالدخول الى الغرفة الأخرى وبعد دقائق خرج منها مذعورا ، ويضيف عمر انه دخل الى تلك الغرفة فوجد امرأة ممددة على سرير مالبثت ان طلبت منه ان ياكل تفاحة من صحن امامه، ثم قامت باخذ ماتبقى من تلك التفاحة تتطلع اليها الى ان قالت له ” ستكون في المستقبل سفيرا على بلاد اكبر من بلادك ” .. يقول الشاعر ابو ريشة ” فكرت كثيرا بما سمعت من العرافة فلم اصدق، الى ان قامت الوحدة بين مصر وسوريا فتم تعييني سفيرا للبلدين في الهند عندها ايقنت صدقها.
البعض يسمي ذلك مجرد صدفة، اما آخرون فقد يجدونها كشفا في عالم البخث .. ولهذا تحول المنجمون الى نجوم لامعة، لهم حضورهم الاعلامي، وايضا السياسي والاجتماعي، حتى ان احدى المنجمات باتت مستشارة في عدد من الشركات لأنها اصابت ولو مرة بما توقعت حدوثه ، وهي تجني اليوم مبالغ كبيرة ، كما صار لها برنامج شهري تتوقع من خلاله ماسيحدث خلال الشهر القادم في السياسة وغيرها ، وينتظرها عالم كثير ليسمع ، بل ان المحطة التلفزيونية تشجعها اكثر حين تكشف عن توقعات حدثت بالفعل.
علماء النفس يعتبرون حشرية الانسان بالبحث عن فضائه حالة طبيعية نظرا لضعفه .. فهو اضعف المخلوفات، اولا لأن حياته قصيرة، وثانيا لانه مهدد بالمرض وهو الحيوان الوحيد الذي يمرض تقريبا امراضا خطيرة او عادية .. لكنه دائم التفكير بمستقبله، اي بمجهول لايعرفه ، حتى الناجحين في حياتهم المهنية لديهم دائما رغبة الاطلاع على ماسيلي من يومياتهم وسنين عمرهم ، فكيف بالذين لم يصيبوا في حياتهم لا مالا ولا مكانة . ولهذا السبب لم يكن علم النفس مثلا ليدرس في الجامعات السوفياتية بعدما رفض ستالين ادراجها في المناهج التعلمية ، وخصوصا مباديء فرويد النفسية تحت مفهوم ان المجتمع مسؤول عن نفسية الانسان، فاذا صحح نال المرء نصيبا طيبا.
المفارقة هنا ان النسبة العالية من المحتفلين براس السنة هم من الشباب الصغير .. من حقه ان يطير فرحا وان يعبر عن رغبة نمطية ، مازال جسده معافى وقويا ، ومازالت مسؤولياته في الحياة قليلة ان لم تكن معدومة ، وما زال امله بسنين قادمة قائم ومحسوس .. اما كبار العمر او الذين اقلعوا الى مافوق الستين من العمر، فكيف لهم ان يحتفلوا بسنة سوف تأكل ماتبقى من رصيد عمري .. كل سنة جديدة بالنسبة اليهم اصابة في مقتل او اعتداء على الجسد بقطع احد اوتاره المهمة . وبالجزم ، فان احتفالات راس السنة او العام الجديد لاتليق الا باصحاب العمر الشبابي ، الفرحة لن تكون مقياسا لما هو آت ، لكنه مضطر للتعبير وسط اكوام من الشباب الذين يهرجون على امل ، سوف يكون سرابا في معظمه عندما تنطلق الحياة العملية والزوجية ومن ثم الانجاب وتتم المعاناة في كل مظاهرها .
من ذكريات الطفولة الندية انها خارج كل الهموم .. لامصلحة للطفل ان يشعر بغير احاسيسه التي لم تكن بعد قد بلغت حد التجربة .. مشكلة الخبرة عند الانسان كما يقول الشاعر بليك انه يخسر براءته الطفولية .. هذا الشاعر يعتبر ان الخبرة تقتل البراءة ، ولكن ، كيف للطفولة ان تستمر طوال السنين بكل ارقامها. ولهذا من حق الشاعر ان يقول رغباته وان يعكس افكاره في نظريات ، لكن الحقيقة في مكان آخر ، اي ان للطفولة مرحلتها التي لابد ان تنتهي ليدخل الفتى او الشاب الى العمر الذي لابد منه.
هكذا هم البشر الذين يدبون على الارض بكل مسراتهم واحزانهم .. يولدون جميعا بالطريقة ذاتها ومن رحم أمرأة ، يكبرون رويدا ، يمرون جميعا بمرحلة الفتوة المجنونة المنطلقة بلا قيود وحدود ، ثم بالشباب الممتليء صحة وعافية واملا ، وبعدها الى حيث يجب ان يعاش العبور سنة وراء سنة حتى الوصول الى مفتاح القبر وهو العمر الارذل ان عاشه المرء ، وصولا الى الموت بكل اسف الفقدان الذي يعنيه عند محبين .
ثمة من تفرح وجوههم لكن روحهم تتعذب .. يرسمون البسمة كقناع من اجل الآخرين ، لكنهم يعيشون ألما داخليا غير مرئي . اما ان يكون الفرح شاملا داخل الانسان وخارجه ، واما لافرح ..هي قصة من يضحك على حاله كي يقدم نفسه للآخرين كما يريدونه ان يكون .. فالناس بطبعهم حشريون ، يهمهم المعرفة ليس من اجل الحقيقة ، بل لكي تلوك الالسن ويزيد الحديث من التشفي والرغبة الكاذبة .
ليس لنا ان نشرح الانسان ونفصل فيه ، فنحن امام يوم مشهود في عالم كثير الرغبات بالتغيير .. يشتري المرء سيارة صغيرة بحكم قدرته المالية لكن عينه على الكبيرة على ماركة معينة ، ويسكن بيتا لكن طموحه باكبر واوسع ، ويضع قليلا من المال في المصرف لكنه ينميه ويحلم بالكثير منه .. يبدأ طفولته في الدراسة ويمضي عمرا فيها الى ان يتخرج ليذهب الى سوق العمل ، حيث تبدأ مرحلة اخرى من نظام الحياة التي يسلكها كثيرون ..
انها نمطية يمارسها الجميع بلا استثناء ، حتى اننا احيانا نسمع اللغة ذاتها من اناس مختلفين كأنهم اتفقوا عليها في مكان ما قبل ان نراهم . اذن لابد من الاعتراف بان الحياة تنظم نفسها وعلى طريقتها ، انها ضد الفوضى في كل احوالها ، ومن شاء ان يصل بفوضاه الى مرحلة متفجرة ، ثمة من سيردعه من سلطة وما شابه. ثمة اناس لايمارسون السوء والشر لانها طبيعة فيهم ، وثمة من لايمارسونه خوفا من الشرطة . بمعنى ان العالم مختلف ، والانسان ابن بيئة في النهاية ، وابن نوع من مجتمع واسع يشمل كل الاهتمامات ، تماما مثل الصف الواحد الذي يحوي طلابا عديدين ، منهم الطيب ومنهم الذكي والغبي، ومنهم الشرير، منهم الدارس ومن ثم المفلس في الدراسة . عالم منوع في غرفة واحدة. لكن ذلك لايعني ان الخيار ذاته سيرافق الانسان ، فكم من فاشل في الدراسة نجح في العمل ، وكم ناجح في الدراسة عاش على الكفاف . رغم قوانين الحياة الصارمة، انها احيانا خارج كل قانون ، هكذا تبدو والبعض يسميها حظوظا.
رغم كل شيء لن تتوقف احتفالات العالم بالعام الجديد .. ونقول العالم لأنها بهجة عامة يتبارى فيها المحتفلون حيث يقدم كل جديد ومدهش خلال الدقائق التي تلي دقة الساعة معلنة منتصف ليل 31 ديسمبر .

إلى الأعلى