الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة ..القرار الشجاع: تعليمنا الجامعي بلغتنا العربية

العين .. الثالثة ..القرار الشجاع: تعليمنا الجامعي بلغتنا العربية

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

متى سيصدر هذا القرار الشجاع؟ كل الظروف والمعطيات قد انتجته، واصبح بالتالي ضرورة وطنية عامة وشاملة، والتساؤل معني به في المقام الأول مجلس التعليم الذي يتبع ديوان البلاط السلطاني بموجب المرسوم السلطاني رقم (48/2012) وقد حل محل مجلس التعليم العالي، واعيد تشكيله وتطويره لكي يعمل بفعالية ومهنية في رسم السياسة العامة للتعليم في الجامعات والمعاهد العليا، وبحث واقتراح تعديل قوانين وأنظمة التعليم العالي في ضوء تطور السياسات العامة للدولة، وكذلك النظر فيما يواجه التعليم العالي من صعوبات، واقتراح الوسائل الكفيلة بتذليلها، من هنا، فهذا المجلس وحده معني بذلك التساؤل، ومن فوقه (طبعا) السلطة السياسية ، فهل هما الآن مقتنعان بإعادة النظر في لغة التدريس في جامعتنا وكلياتنا؟
اللغة السائدة بصورة مطلقة أو شبه مطلقة هي اللغة الأجنبية في التخصصات الأدبية والعلمية على السواء، وكأن مخرجاتها سوف تعمل في بيئة غير عربية واسلامية، فهل يعلمان تداعيات طغيان اللغة الأجنبية على الطلبة خاصة وعلى كفاءة التأهيل والتكوين الاكاديمي؟ قضية التداعيات أكبر من أن يحتويها أو يعبر عنها المقال، لكنه اي المقال سوف يعمل على تحريك الذهنية الرسمية والمجتمعية للعمل أو التفكير فيها أي التداعيات، ونحن نعلم يقينا بوجود شخصيات مؤثرة في صناعة القرار سوف تخالف المجمع عنه ليس بسبب حجة مقنعة وإنما لارتباطها بالكونية، وسوف تحاججنا بعالمية اللغة وبضرورات العولمة، ونحن من حيث المبدأ مع هذه اللغة العالمية ومع التسليم بعولمة الاقتصاد والسياسة وحتى المجتمع، لكننا في الوقت نفسه نحمل هم وطن لا بد أن يتعايش مع ذاته أولا قبل التعايش مع العولمة، ولا بد أن ينطلق من ذاتيته للخارج بقوة التحصين الداخلي حتى لا يذوب ولا ينصهر في الكونية وهو في الداخل، بل إن المتتبع لقضية التداعيات، سوف يكتشف اشكالية خطيرة جدا، وهي انسحاب الطلاب من مقاعد الكليات والجامعات بسبب اللغة الاجنبية، واعدادهم تتراكم سنويا، وتلكم ارضية تجعلنا نبحث هذه القضية من منظوري، النظرية والتطبيق، فمن الناحية النظرية، سوف نستدعي هنا النظام الأساسي للدولة، فبلادنا دولة عربية واسلامية، ولغتها الرسمية عربية، وقد جاء النظام الأساسي للدولة ليوثق هذا الأصل في الوثيقة الدستورية التي هي المرجعية لكل القوانين، فلماذا إذن يوثق هذا الحق إذا لم يتم العمل به؟ وتطبيق هذا الحق لا يمكن تجزئته أو اقتصاره على معاملات وتعاملات الحكومة، وإنما كذلك، وهو الأهم ايضا أن تكون العربية لغة التعليم ،، الأولى،، وليس الثانية، وتقنين ذلك في النظام الأساسي للدولة يعطينا المشروعية والشرعية في المطالبة بتطبيق هذا الحق، وهذا يعني أن جعل اللغة الاجنبية لغة التعليم الجامعي، هو قانون مخالف للنظام الأساسي للدولة، وجعل لغتنا العربية هي الأولى،، معاملة وتعليما،، لن يسقط حق الدولة في تعاطيها الكوني، وتعاطيها الخارجي أهم وسائله اللغة الأجنبية، ولو فعلنا ذلك، فهذا معناه، عزل البلاد وعدم انفتاحها الخارجي، وهنا نجد انفسنا أمام مصلحتين ضروريتين لا بد من تحقيق التوازن بينهما، والتوازن المعقول، وهو جعل اللغة العربية، اللغة الأولى لتدريس التخصصات الأدبية، واللغة الانجليزية الثانية، والعكس صحيح للتخصصات العالمية، وهذان التوجهان يحتمان لنجاحهما الاهتمام باللغتين معا في مراحل التعليم العام، مع اعطاء الأفضلية للعربية، ومن الناحية التطبيقية، تعد اللغة الأجنبية الآن من ابرز الصعوبات الأكاديمية التي تعيق الدراسة الجامعية، ومن منا لا يحزن كثيرا على من تقطعت بهم الدراسة الجامعية، وتركوها، أو تأخروا لسنوات وهم يجاهدون لاجتياز حاجز ما يعرف بالتوفل والايلز، وهم اعداد كبيرة، وتتراكم ،، وقد انتابت ابناءنا الكراهية لذلك المسميين، نجم عنهما شعور بالهزيمة النفسية عند المئات من الطلبة، بل وعند الكثير من حملة الشهادات العليا بسبب مكانة اللغة الاجنبية مقابل نظيرتها العربية الدونية، لم ولن نجد هناك منطقا أو موضوعية مقبولة لتدريس تخصصات كثيرة بعينها باللغة الاجنبية، كلغة وحيدة أو حتى لغة أول، قد تكون مهمة لأن تكون لغة ثانية أو تكميلية لدواعي تعلم اللغة الاجنبية، ما عدا ذلك، فبالتأكيد وراءه رؤية خاطئة، وابناؤنا خاصة وبلادنا عامة تدفع الثمن، وسوف تدفعه أكثر مستقبلا إذا ما ترامت وتجمعت اعداد المنسحبين والمطرودين من التعليم الجامعي بسبب اللغة الأجنبية، كما اننا لو تتبعنا مخرجات كليات واقسام الاعلام والتربية وبقية العلوم الانسانية التي تدرس باللغة الاجنبية .. فسوف نكتشف ضعف تأهيلهم وتكوينهم مقابل ضعف لغتهم الاجنبية، فلا هم اجادوا التخصص ولا اللغة الاجنبية ولا حتى لغتهم العربية، حتى إن اللغة الأجنبية في بيئات عملهم ليست هي الأساس على عكس اللغة العربية لأنهم يعيشون في بيئة عربية واسلامية تقتضي بالضرورة أن تكون اللغة العربية لغة التدريس الأولى في جامعاتنا وكلياتنا، فهل هذا سيكون معناه حبا في اللغة العربية أو ادراكا لحاجة تعليمنا لها في اطار بيئة عربية خالصة؟
ولو أردنا أن نضيف رؤية أخرى تعجل بالقرار الشجاع، فسوف نجدها في توجهات ابعاد وخلفيات استيعاب مخرجات التعليم العام،، الثانوية سابقا،، من عام 2006 إلى 2011، وهذه خطوة وطنية بامتياز، قد جاءت لتعالج اشكالية التراكم العددي لمخرجات الثانوية في الشوارع، فكيف نعود مجددا بهذه القضية في التعليم الجامعي بسبب اللغة الأجنبية رغم عدم حاجة التخصصات لها ولا بيئات عملها المحلية؟ يبدو لنا المشهد غريبا ومتناقضا هنا، وهو يعكس لنا جزءا من الأزمة الناجمة عن النمطية وعن عدم استيعاب الفكر السياسي لقائد وعاهل مسيرتنا ـ حفظه الله ـ فكيف نحل المشكلة،، سياسيا،، ونفتحها ،،اداريًّا،، ؟ إذن، الاستمرار في الوضع الحالي رغم ما اوردناه من مبررات موضوعية واشكاليات خطيرة، تحتم اصدار القرار الشجاع، فهل ينبغي الرهان على النخب الحالية أم نخب جديدة؟ سيظل هذا التساؤل مفتوحا، مع التأكيد على الثابت في هذه القضية، وهو أن المرحلة الراهنة تحتم فعلا هذا القرار الشجاع، وهذا القرار لا يمكننا توقعه الا إذا كسرنا النمطية والتقليدية التي تغرق فيها النخب رغم حداثتها، وتظل هذه اشكالية كبرى، إذا كانت كل نخبة جديدة تغرق في منظومة النخب القديمة، فكيف نريد أن نتطور عبر حل مشاكل غير تقليدية في مراحل استثنائية، كمرحلتنا الراهنة؟ من هنا، نرى أن القضية تحتاج فعلا إلى قرار شجاع، وهو كذلك من حيث توقيته ومن حيث عدم نمطيته، ومن حيث دواعيه السالف الذكر .

إلى الأعلى