الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أنفاق الأرض والأنفس.. والأمر لله

أنفاق الأرض والأنفس.. والأمر لله

علي عقلة عرسان

” .. هناك من البشر من يحاصرون الإنسانيّ وما يكون له من بذور فيهم فيصحرون بيئته ويمتصونه حد الجفاف، فيكمن ويصغُر ويضمر، وقد يموت ويُدفن تماماً بين ركام خلايا الجسد الميتة، بينما يتعملق فيهم اليباس المنطوي على قسوة تميت القلب وتبدد شفافية الروح وتقطع ما بين الناس من أرحام وصلات وعلاقات ومسؤوليات متبادلة ومشاعر يعبَّر عنها بالقول أو بالفعل. ”
ــــــــــــــــــــــ
سبحان الله الذي خلق فأبدع، وجعل بين الإنسان والإنسان وشائج خفية تعلن عن المشترك الممتد بين بني آدم لآلاف من السنين، بعضه يتطور وينمو وتبقى جذوره ومعظم مكوناته ثوابت تنم عن جوهر الإنسان، وبعض ذاك المشترك يتغير ويتأثر بتأثر البيئة والجغرافية والأحداث ولكن لا يمكن للكائن البشري الذي يستقرئه إلا أن يخرج بفائدة ما.. وفي هذه المساحة الإنسانية الممتدة بعيداً وعميقاً في الزمان والمكان، يجد أحد المعاصرين تعبيراً شافياً عما يفكر به أو يعتمل في نفسه أو عما يعتصرها من ألم، في قول أحد الغابرين ممن كانوا في بقعة من أرض الله الواسعة ليست هي موطنه ولا صورة أحلامه.. وقد يجد ذلك في صين الملك شين الأول قبل آلاف السنين، ذاك الذي دفن معه عساكره ليحرسوه ميتاً كما تقول تفسيرات الآثاريين.. أو في صَلاة كاهن من كهنة أحد الفراعين، أو في مخاطرات جلجامش بحثاً عن نبتة الخلود، أو في تهويماتِ كاهنةٍ متربعةٍ على عرش النبوءة في معبد زوس اليوناني، أو في هيمنة يدعى إليها قَيلُ عاد أخت ثمود التي جاءت تستسقي في مكة حينما أصيبت أرضها بالقحط، وغنّت وفدهم الجرادتان قينتا معاوية بن بكر فقالتا:
ألا يا قَيْل ويحك قم فهينم
لعل الله يمطرنا غمــاما

فيسقي أرض عــاد إن عاداً
قد أمسوا لا يبينون الكلاما

أو قد يجده المعنّى في موقف وقول صوفي دفع حياته ثمن فهمه أو تعبيره عن فهمه لوجود الله فجُرم بالقول بوحدة الوجود، حيث قال “ما في الجبة إلا الله”، ويعني أن قدرة الله متجلية في خلقه سبحانه.. أو يجده على نحو جلي في شعر عربي ورث سحر المقال عن عاد وثمود وعن ” حذام” الذي أشار إلى أنه سبقه في الوقوف على الأطلال وتذكر ما كان وبكاء الأحبة بدمع هتَّان، فأسس لبديع في العربية لا يبلى، وتراه ينقش معاناته التي يرشح بها القول فيسح في النفس ألماً، ينقشها معاني في مبانٍ رائعات على شرايين أشخاص معاصرين وفي متون أوردتهم وأعصابهم وقلوبهم.. فيشعر الإنسان ابن سوريا اليوم أن ما في وجدانه وما يحيط به ويسد عليه بعض الآفاق، قد عبر عنه واحدٌ أو أكثر ممن سبق وذكرت، وعلى رأسهم شاعر ورث عاداً وثمود، وعاش بين عصف الريح والحوادث متنقلاً بين رمال وجبال وسهول وغابات ونَهَر، في مسافات تطول وتطول على راكب الناقة والحصان، عبر أرض العرب والروم تسوقه أقداره في دروب المطامح والمخاطر والثارات والرغابات من حضرموت إلى القسطنطينية فأنقرة.. هو امرؤ القيس القائل:
تَأَوَّبَني دائي القَديمُ فَغَلَّسـا أُحاذِرُ أَن يَرتَدَّ دائي فَأُنكَسا
وَما خِفتُ تَبريحَ الحَياةِ كَما أَرى تَضيقُ ذِراعي أَن أَقومَ فَأَلبِسا
فَلَو أَنَّها نَفسٌ تَموتُ جَميعَــةً وَلَكِنَّها نَفسٌ تُساقِطُ أَنفُسـا
وَبُدِّلتُ قَرحاً دامِياً بَعدَ صِحَّةٍ فَيا لَكِ مِن نُعمى تَحَوَّلنَ أَبؤُسا
وعن حالات أخرى من المعاناة جراء الضعف والضياع، ومن استخلاص عبر في الحياة وتعبير عما يرفضه المرء من تبعية وأمَّعيّة وانغماس في الاثم وصولاً إلى غايات لا تستحق أن يجرف الإنسانُ نفسَه وغيرَه إلى مستنقعاتها، يعبر شاعر عربي قريب العهد من امرئ القيس، هو لبيد بن ربيعة العامري، عن أوضاع وخلاصات تجارب واضطرابات وتطلعات ورغائب، كلٌ شبيهٌ بما نحن فيه وما نحن عليه، فيقول:
فَإِن تَسأَلينا فيمَ نَحنُ فَإِنَّنا عَصافيرُ مِن هَذا الأَنامِ المُسَحَّرِ
عَبيدٌ لِحَيِّ حِميَرٍ إِن تَمَلَّكوا وَتَظلِمُنا عُمّالُ كِسرى وَقَيصَرِ
وَإِنّا وَإِخواناً لَنا قَد تَتابَعوا لَكَالمُغتَدي وَالرائِحِ المُتَهَجِّرِ
هَلِ النَفسُ إِلّا مُتعَةٌ مُستَعارَةٌ تُعارُ فَتَأتي رَبَّها فَرطَ أَشهُرِ
وأقوال كهذه تذُرُّ الملح في ألف عميق جرح وجرح مما يعاني منه سوريون وسوريات يتمتعون بحس سليم وتكون أنفسهم مرآة للإنساني والروحي والقيمي والوطني الذي لا بد من أن يتجلى في البشري على نحو ما .. وأولئك يعيشون أياماً بائسات، يطول دامس ليلها ولا يتبيّن ضوءُ فجرها، ويشعرون بمعاناة الآخرين وبما ينتظر شعباً ووطناً وحتى أمة بكاملها جراء ما يجري وتطوراته واتساع مداه وتفاعلاته المستقبلية. ونحن إذن في حالة من يشعر بالإنساني وتبعاته ومسؤلياته حيال نوع من البشر يشعرون بما يعتمل في أنفسهم ومن ثم يتمثلون شعور الآخرين، ويتحول الشعور في كيانهم إلى تجربة ورؤية وخلاصات وقدرات على تعبير بديع قد يكون لسان حال كثيرين لم تجمعهم أبداً أزمنة ولا أمكنة، إنما جمعهم الإنساني العميق، السليم النمو في مناخ نفسي وروحي واجتماعي صحي.. وتلك بعض تجليات إبداع الله بديع السماوات والأرض الذي خلق الإنسان وعلمه البيان.
وهذا المتصل بنا وبمن سبقنا ممن ملكوا الرؤية والقدرة وقيمة الخير والتعبير البليغ عن الذاتيّ من دون إفراط والغيريّ من دون تفريط، بشعور سليم وتعبير مبين قويم، منذ هابيل وقابيل وحتى ما يشاء الله سبحانه أن يكون من خلق.. هذا كله يغري بطرح أسئلة وبالتطلع إلى استنتاجات تتعلق بالبشري الذي يُجِنُّ الإنسانيّ أو يُكنّه، إذ يحتضنه نوع من البشر احتضان الأم الرؤوم لطفلها، بوصفه قيماً وعلاقات ومشاعر ومسؤوليات متبادلة تقيم اعتماداً بشريًّا متبادلاً تقوم على الحياة وسعادة البشر والحفاظ على النوع فيها، وهناك من البشر من يفعل عكس ذلك تماماً.. فنحن حيال النوع الأول أمام بشر يُجنون الإنساني ويحتضنونه يغذونه، فينمو ويتعملق، وينشرونه أجنحة شفيفة ما بين الخافقين، تسح رحمة على العالمين، ويعبر أهله بطريقتهم وحسب قدرتهم على التدبير والتعبير عن مسؤولية وتواصل إنساني عبر المكان والزمان، يخلِّد في الكائن الإنسان قيماً وعلاقات ومكونات هي جوهرية فيه بوصفه بشراً إنساناً.. وذاك مما هو خيّر في الحياة وبناء لها وفيها.. وهناك من البشر من يحاصرون الإنسانيّ وما يكون له من بذور فيهم فيصحرون بيئته ويمتصونه حد الجفاف، فيكمن ويصغُر ويضمر، وقد يموت ويُدفن تماماً بين ركام خلايا الجسد الميتة، بينما يتعملق فيهم اليباس المنطوي على قسوة تميت القلب وتبدد شفافية الروح وتقطع ما بين الناس من أرحام وصلات وعلاقات ومسؤوليات متبادلة ومشاعر يعبَّر عنها بالقول أو بالفعل.
1. النوعان العامان السابقان من البشر يتلازمان بحكم قيود المكان “الأرض” والأزمنة “الدهر، ولكن غالباً ما يكون أحدهما ضحية للآخر، أي أن البشر من ذوي الجوهر الإنساني النامي غالباً ما يقعون ضحية البشر ذوي الجوهر الإنساني الضامر أو الميت.. ذلك لأن ما تنتجه طبيعة القساة الذين جفت أرواحهم وتصحَّرت قلوبهم أو تحجرت، تجعلهم لا يملكون القدرة على الرؤية بحديها المجتمعين في القلب، مصداق قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ” الحج: ٤٦ . ومن ثم فهم بالضرورة أميل إلى الشر والفتك والقتل والظلم والقهر والفساد والإفساد والاستبداد، ولهم في ذلك ذرائع ومذاهب وفنون وحجج، وغالباً ما يمون منهم من يشعل الفتن ويضري الحروب، وليس بالضرورة أن يكونوا وحدهم أو يكون نوعهم وقودها.. فحين يشب الحريق لا تميز النار بين من تأكل ممن تطالهم.
فكيف السبيل إلى وضع، أيِّ وضعٍ في نظام أي نظام: ديني أو دنيوي، ملكي أو جمهوري، رأسمالي أو اشتراكي.. إلخ.. يعيش فيه البشر الإنسانيون بمأمن من شركائهم في البشرية من ذوي الجفاف الإنساني، ويتعايش فيه الجميع بأمان هو مثل تاج الصحة على الرؤوس لا يعرفه الإنسان إلا حين يفتقده.؟! في ظني أنه لا سبيل إلى جمهوريات فاضلة على أرض البشر في الواقع المعيش، ولا سبيل إلى استبعاد ظلال قانون الغاب من الحياة على الصعد الفردية والمجتمعية والدولية، ولا سبيل إلى إبعاد إبليس عن أرض البشر وتخليصهم منه لتصفو الأنفس ولا تتعكر أو تتكدر من بعد صفو الأعماق، فقد هبط إبليس مع آدم وحواء من جنة السماء إلى شقاء الأرض وهو يتوعد بأنه سيـ “يَحْتَنِكَن” ذرية آدم.. إلا من.. إلا من..؟! ولا سبيل أيضاً إلى تعديل الموازين المائلة لأنفس وارواح اختارت طريقاً أو قدِّر لها سلوك طريق “وهديناه النجدين..” بنوع من الإكراه لأن في ذلك جريا في طرق على حوفها شوك الظلم وتعالي بشر على بشر مما يخلق مناخ الاحتراب.. ومن غير المقبول مطلقاً أن يبقى الظلم والقهر والقتل الذي يتعرض له ضعفاء وأبرياء وأوساط من بني البشر، سواء أكانوا في ذرا الإنساني والروحي أو في حضيض البشري والمادي..؟! ألا كيف السبيل والأديان كلها لم تجفف مستنقعات أنفس كتبت على نفسها الهلاك، ولا هي قالت بأنها ستفعل ذلك، فالحكم النهائي آخروي لا دنيوي، وهو بيد العادل العالم العارف، صاحب القدرة وليس بيد بشر من أي نوع، وبينهم من قد يدعون القدرة المطلقة على الفهم المطلق لرسالات الأنبياء وفقه الديانات ومكنون الكتب الإلهية فيدعون فهماً عصموياً للعقائد ليس بعده فهم، فيفسُدون ويفسِدون.. متجاهلين قوله تعالى: “وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ
النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” يونس:99 . وليس الساسة الذين لم يتفقهوا سياسياً ولا مدنياً ولا دينياً بأفضل حال حين يدعون لأنفسهم حقاً مطلقاً يفضي بهم إلى ادعاء الحق المطلق بعصمة ليكونوا أكثر من ظل لله على الأرض، بل هم ينفون الله ” جل الله” من أرضهم؟!
إن حديثي هذا ملتصق نسبياً بالحالة السورية وضاغط إلى حد الإنهاك والانتهاك بأسباب منها، ولكنه لا يمكن أن يكون وقفاً عليها.. فالبشر الإنساني موجود في كل العالم بدرجات والآخر النقيض موجود في كل العالم أيضاً وبدرجات، على مر الزمن.. لكن أن أنطلق من هذا إلى معاينة أو مقاربة تأثير الحالة المأساوية في سوريا على البشر بتدرجات صفاتهم ومواصفاتهم واعتقادهم ومواقفهم فذاك أمر يتنامى من الخاص إلى العام.. ففي بلدي الحبيب الذي دُمِّر البشر ودُمِّروا فيه تقوم حالة خاصة لكنها لا تنفصل عن العام.. ومما يعذب الروح ويشقي النفس أن الأبرياء والإنسانيين والأخلاقيين والطيبين والمنتمين بإخلاص إلى أمة وعقائد سامية ووطن في سوريا العربية لا يكاد يلوح لهم ضوء في آخر نفق نجاة حتى يتلاشى ليروا بصيص ضوء وأمل في نفق آخر، وكأنهم في آل الصحراء أو سرابها؟!.. وما أكثر الأنفاق وما أطولها وما أعقدها وأشد تنوعها.. وسواء أكانت تلك أنفاقاً في السياسات أم في الأنفس أم في الأرض فإنها تحولت وحولت المناخ العام إلى غابات يتوجس الإنسان فيها خوفاً على نفسه حتى من وقع خطوه على الأرض.. والأنفاق المادية في سوريا انتشرت في المدن والبلدات والقرى، وقد تحولت بيوت وعمارات وشوارع وسهول وجبال إلى مواقع يحتمل أن تكون فيها أنفاق خطرة، وأشد خطورة منها أنفاق الأنفس وما يعتمل فيها..
أما البشر في بلدي الحبيب سوريا فمن النوعين البشريين اللذين أسلفت الحديث عنهما، وهم بين بشر قست قلوبهم وجفت أرواحهم وتصحرت إنسانيتهم، يسعرون النار ويثيرون الفتنة ويلغون في الدم ويحتضهنم الاقتتال ويحتضنونه، وبين آخرين هم ضحايا بصورة عامة، إنهم يريدون السلم والأمن والكرامة والرغيف والمحبة فلا يحصلون من ذلك على شيء؟! وفي خضم هذا الواقع وما يفعله الفاعلون، يدمَّر وطن هو زينة الأوطان، ويموت البشر الطيبون وبعض الأشرار، وتسحق على الضفتين قيم هي الإنسان.. فبلا قيم يغدو الإنسان بلا قيمة، إن لم نقل نوعاً من الوحوش يزري بإنسانية الإنسان.
والنهاية مجهولة، والأمر لله من قبل ومن بعد.

إلى الأعلى