السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في السياسة الخطان المتوازيان يلتقيان

في السياسة الخطان المتوازيان يلتقيان

علي عقلة عرسان

المبادرة التي قدمتها الصين، وأُعلن عنها في أثناء زيارة وزير الخارجية السورية وليد المعلم إلى بكين، لم تخرج في مجملها وتفاصيلها عن قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٢٥٤، وكانت بكين قد أعلنت وقت صدور ذلك القرار، عن أنها سوف تستضيف وفدًا من الحكومة السورية ومن المعارضة، “المعارضات”، في مسعى لتقريب وجهات النظر، والإسراع في إيجاد حل للأزمة/الحرب في سوريا. وربما كان أبرز ما ركز عليه وانج إي وزير الخارجية الصيني في لقائه المعلم يوم الخميس الـ٢٤ من كانون/يناير ٢٠١٥ وقف إطلاق النار، واستعداد الصين للمساعدة في إعادة إعمار سوريا، وفي تقديم المساعدات الإنسانية. وفي الإعلان الرسمي عما تم الاتفاق عليه، قال الوزير وانج إي: الإجماع على: أولًا، التمسك بالحل السياسي للأزمة السورية، ثانيًا، التمسك بتقرير الشعب السوري لمصير ومستقبل بلده، ثالثًا، التمسك بوساطة الأمم المتحدة. والتمسك بهذه النقاط الثلاث يعد جوهر الحل السياسي للأزمة السورية. وإن تعاون الجهود الدولية في مقاومة الإرهاب يوفر فرصة جيدة للحل السياسي للأزمة السورية.
فأي جديد، أو أية إضافة ملحوظة، يحملها التحرك الصيني يا ترى؟! ولأي غرض يكون عقد ذلك الاجتماع ـ إن عقد قبل نهاية العام ـ حيث يُفتَرض أن يتم التفاوض بين وفدي الحكومة والمعارضة، في بداية عام ٢٠١٦ حسب البرنامج الزمني الذي حدده قرار مجلس الأمن الدولي؟ وهل للصين تأثير على الأطراف السورية المعنية، أكثر من تأثير الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا الاتحادية، ودول عربية معنية جدًّا بموقف المعارضات؟! لا شك في أن الصين دولة كبرى، وهي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، ولها علاقات قوية مع الدولة السورية، ومصالح في المنطقة، ويهمها أن يتم حل سياسي في سوريا، وأن تشارك بصورة ما في مكافحة الإرهاب. ومن ثم فإنني أرى إلى تحركها الأخير هذا، وما سُمي مبادرة، بعد انتهاء وقت المبادرات، بعد الاجماع الدولي على القرار ٢٢٥٤، يهدف إلى تأكيد حضورها السياسي، والتلويح بثقلها الاقتصادي، الذي يمكنها من المساهمة القوية بإعادة الإعمار في سوريا والمنطقة، وبأنها شريك فعلي في الحرب على الإرهاب، لأن لديها مواطنين يقاتلون في سوريا مع جهات مصنفة إرهابية، وهم من قومية الويغور المسلمة، تلاحقهم منذ سنوات.. على أنها لا تساهم عسكريًّا في تلك الحرب، حيث الإمكانيات للمساهمة في الحرب على الإرهاب متعددة الأوجه.
إن أي تحرك يدفع الأطراف السورية المعنية بالأزمة/الحرب/الكارثة إلى التفاوض والتفاهم والتوصل إلى حلول سياسية، توقف نزيف الدم، وتحفظ وحدة الأرض والشعب، وبنية الدولة.. هو تحرك مفيد، ومطلوب. وإذا كان لا ينطوي على مطامع، ومصالح خاصة، ومواقف سياسية، واستراتيجيات عسكرية لدولة أو تحالف دولي، وعسكرة على الأرض السورية، وفرض هيمنة من أي نوع.. فهو تحرك مجدٍ محمود، وأحق بالترحيب به، وتقدير القائمين عليه.
وعلينا، من باب التذكير، والأمانة، وبعد مرور سنوات مُرّة، وتحمل تكاليف باهظة، والدخول في متاهات لا نعرف متى، وكيف نخرج منها.. علينا أن نشير إلى المبادرة الصينية الأولى لحل الأزمة السورية، وهي المبادرة التي أعلن عنها وزير خارجية الصين يانج جيه تشي في آذار/مارس ٢٠١٢ وهي من ست نقاط، نذكر بعض ما جاء فيها، لكي نقارن بين ما تم التوافق عليه دوليًّا بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ، وما تضمنته مما كان سيجنّبنا الكثير الكثير مما حصل، ومما سوف نواجهه في أثناء تطبيق القرار ٢٢٥٤ وبعد ذلك، حيث الحرب ستستمر وفق منطوقه. لقد جاء في المبادرة الصينية الأولى، تلك:
((أولًا: يجب على الحكومة السورية والأطراف المعنية وقف فوري وشامل وغير مشروط لكافة أعمال العنف، وخاصة أعمال العنف ضد المدنيين الأبرياء، ويجب على مختلف الأطراف السورية التعبير عن مطالبها السياسية بطرق لا عنفية.
ثانيًا: يجب على الحكومة السورية ومختلف الأطراف السورية إطلاق فوري لحوار سياسي شامل بدون شروط مسبقة، ولا حكم مسبق، تحت الوساطة النزيهة للمبعوث الخاص المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بشأن الأزمة السورية.
رابعًا: يجب على الأطراف المعنية في المجتمع الدولي الاحترام الكامل لاستقلال سوريا وسيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها، واحترام حق الشعب السوري في اختيار النظام السياسي، والطريق التنموية، بإرادته المستقلة (…) لا توافق الصين على التدخل العسكري ضد سوريا، أو فرض ما يُسمى بـ”تغيير النظام”، وترى أن فرض العقوبات أو التهديد بفرضها لا يساعد في حل المسألة حلًّا سلميًّا.
سادسًا: يجب أن يلتزم أعضاء مجلس الأمن الدولي بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والقواعد الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية)).
في ذلك الوقت لم يكن أحد مستعدًّا، فيما يبدو، للأخذ بالحلول السياسية، اللهم إلا ادعاءً ملغَّمًا بسوء النوايا، ولم يكن أحد ليصغي إلى أحد في مجال الحوار والتفاهم، فالرؤوس الحامية، ومن يتلطَّون وراء تسخين الرؤوس، ومن يستفيدون من هذا المناخ، والمسار.. يمضون في طريقهم، أو في تنفيذ المشروع المعَدّ لسوريا، طريق أو مشروع تدمير سوريا وشعبها وقدراتها، وإعادتها عشرات السنين إلى الوراء، وفرض حلول سياسية عليها، ليست في مصلحتها، وإنما في مصلحة “إسرائيل” المحتلَّة للجولان وفلسطين، وللغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، ولمصلحة من له مصلحة، ممن يوالون إسرائيل والغرب، ومن يطمعون في سوريا لأغراض وسياسات كانت مخفية نسبيًّا.. ذلك المشروع الذي يبدو أنه أوسع بكثير من سوريا، وأنه لم يحقق كل أهدافه حتى الآن.. ولذا تُنْقَض صيغ كل اتفاق، ويلغَّم كل طريق نحو الوفاق، لأن حرب التدمير والتركيع والهيمنة يجب أن تستمر.
وفي السياسة كما في الغابة، كل شيء مباح، ويضاف إلى ذلك أن في السياة كل شيء ممكن، مع الاستفادة من العلم، ونقضه في الوقت نفسه عند الحاجة والمصلحة. ولذا يمكن أن نرى في سوريا معجزات الساسة والسياسة، الممتدة بين سفك الدم والتَّضلع من الكلام حول حقوق الإنسان، والمحافظة على الحياة في كوكب مهدد بالموت، بكل ما فيه ومن فيه، من جراء أفعال من “يحرصون” عليه، وعلى الحياة والحضارة فيه؟!
من بدهيات علم الهندسة، التي لم تُنقَض بعد: “أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان”، لكنهما في علم السياسة يمكن أن يلتقيا، ويمكن أن تُحَدَّب رؤوس المثلث، وتربَّع الدائرة أو العكس، ويصبح المستحيل خطًّا أحمر، لا يلبث أن ينقلب بحربائية إلى البرتقالي فالأخضر..؟! وهذا يجعل من علم السياسة علم مناقضة العلم، في مجالات وحالات، وعلم إعادة استثمار العلم من أجل الضرورات، وعلم إنتاج المفاهيم وفق المصالح والمتغيرات والتحالفات وحتى النزوات.. حتى مفاهيم الدين، والأخلاق، والقيم، والمعايير، والأعراف.. إلخ، وكل ذلك الذي تعارف عليه الناس وتوافقوا عليه، وأقروه عبر: المنطق، والاستنتاج، والاستقراء، والقياس، والتجربة.. وحتى ما آمنوا به وقدسوه، يمكن إعادة إنتاجه، وتعريفه، أو تحريفه، أو إزاحته عن أصوله وتزييفه.. بهدف جعله يخدم سياسة، ومصلحة، وإرادة سياسية، وشمرَخة أيديولوجية يعتليها سياسي هاوٍ أو محترف.. فالسياسة، كما يردّد الساسة ليل نهار، من دون أن نفهمهم تمامًا، هي “مصالح، وليست مبادئ ولا أخلاق ولا.. ولا..؟!”، ولأن المصالح في تحوُّل وتغيُّر وتَبدُّل، فلا بد من أن تتبعها الدساتير، والقوانين، والقواعد، وحتى التفاسير والمفاهيم؟! وعلى هذا فإنها لا تُعطي قيمة للثوابت المبدئية التي تندرج في قوانين من وضعها، يتشدق بها ساسة في المؤتمرات الشعبية والمحافل الدولية.. فتلك توافقات يتم نقضها من جانب القوي عندما لا تتوافق مع مصالحه.. وإذا ما ملك من القوة والتأييد، وحقق من النجاح ما يجعل الآخرين يرتعدون خوفًا منه، أعاد صوغ القوانين، وتثبيت الثوابت، بما يخدم مصالحه، وبما يفرض رؤاه، وآراءه، وإرادته، وإرادة من والاه. فعلم السياسة يصبح، في حالات كثيرة ومثيرة، علم إعادة تدوير العلم، بل وتزويره أيضًا، وإعادة تسيير العالم وفق منطق القوة.. اللهم إلا في الحالات التي تجعل من الحرب وآلتها، وأدواتها، وأساليبها، وفنونها، امتدادًا للسياسة.. فهنا يُستخدم العلم بدقة متناهية، واحترام تام، واهتمام فائق.. من أجل امتلاك قوة تجعل للسياسة أنيابًا وأظفارًا تفتك بالخصم، فمن دون ذلك لا تصبح مهابة، وقادرة على الحضور، والتأثير، والتدبير، بل وعلى التغيير.. وهنا يصبح العلم وسيلة، ويدخل في ركاب الجحْفلة، والجيوش المتصارعة.
ونجد تطبيقًا يوميًّا لهذا، ولما هو أكثر منه، حتى في مجالات يتفق الساسة، والعسكريون، والمعنيون كلهم، على أنها مجالات لا ينبغي تطوير القدرات فيها، بل التخلص من تلك القدرات المُحْرَزَة في مجالات محددة، لأنها عند استخدامها في الصراعات والحروب، في حال الحرب امتدادًا للسياسة، تصبح خطرًا ماحقًا على الوجود البشري كله.. ومثال ذلك “الأسلحة النووية”، وغيرها من الأسلحة “المحرَّمة دوليًّا؟!” التي قال كل من يملكها ومن لا يملكها أنه يجب التخلُّص منها، ومع ذلك يقوم كل من يملكها بتطويرها كمًّا ونوعًا، ويسعى من لا يملكها إلى امتلاكها؟! في حراك دولي محمومٍ وغير مفهوم.. بل هو حراك يدخل العقلاء في دائرة الجنون، ويدخل الخائفين على مصيرهم، وعلى كوكبهم من البشر الواعين، في دوائر الرعب المستمر؟!
ونجد تطبيقات ومعالجات لأزمات وأوضاع في كثير من أنحاء العالم، هي من صنو التطبيقات المجافية للمعقول والمقبول، والمفضية في حالات إلى عكس ما ينشده القائلون بها، أو القائمون عليها.. حيث يعالجون مشكلة بما يفضي إلى مزيد من الضحايا والأزمات والمشكلات. ففي المعالجة المتبعة للوضع السياسي ـ العسكري ـ الذي ينعكس مأساويًّا على الشعب في سوريا ـ وهذا هو مربط الفرس من قولنا هذا الذي يبدو استطرادًا ـ نجد أن التوجهات تتم نحو حلول، تنطوي على استمرار أزمات وصراعات وحروب، تفجِّر بدورها أزمات وصراعات وحروبًا.. حيث تعمل السياسات، والبرامج الموضوعة لتنفيذها، على جعل الخطَّين المتوازيين يلتقيان، ليواجها خطًّا أو خطوطًا متوازية أخرى، عليها أن تتقاتل في، فضاء بلد وعلى أرضه وبشعبه، إلى مدى غير منظور، بعد أن دمرته الحروب والصراعات من كل لون، وانتقل بالمعالجات السياسية المسرطنَة، أو بالتحالفات المتخمة بالعداء بعضها لبعض، من حرب داخلية “سياسية انقلبت إلى فتنة مذهبية بصورة ما” إلى حرب دولية بالحضور المباشر وغير المباشر، وبالوكالة.. ويُراد لها أن تستمر كذلك.
فكما بدا في قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٢٥٤ يجب أن أن تلتقي في المحصلة، خطوط متوازية، بهدف استمرار الحرب مشتعلة بين خطوط متوازية أخرى. ففي سوريا ثلاثة أعمدة متوازية كبيرة الآن، ترتفع شاقوليًّا في فضاء الصراع: النظام، والمعارضات المسماة معتدلة، وداعش وأخواتها. وكل من هذه الأعمدة، بمكوناتها وعناصرها وجزئياتها وتطلعاتها، لا يلتقي مع الآخر الموازي، لا في الجذر، ولا في العمق، ولا في الاتجاه.. وحتى حين يعلن طرفٌ “عمود” عن الاستعداد لذلك “التلاقي”، فهو إنما يمارس تكتيكًا سياسيًّا، فيُخفي ما يُبطِن، ويعلن ما يرفض، كي يكون بمنجاة مما يُسمى “تحميلًا للمسؤولية”، أو عُرضة “لعقوبات دولية”.. ولكنه في حقيقة موقفه، لا يقبل الطرف “العمود” الآخر الموازي له، أو المتوازي معه، بل يريد أن يجتثه، أو أن ينفيَه من الوجود. والأطراف المعنية بالسياسة الدولية، التي استقر رأيها وأجمعت على تنفيذ القرار ٢٢٥٤ ذي المرجعية الأولى جنيف ١، والمرجعية الثانية فيينا ١و٢، تريد أن تجعل عمودين متوازيين من الأعمدة الثلاثة “أي النظام والمعارضات المسماة معتدلة”، عمودًا واحدًا موازيًا لعمود آخر يوازيه، ولا يمكن أن يلتقي معه، هو “داعش وأخواتها”، بل يُراد لهما أن يستمرا في حرب تجدد حروبًا، وتستقطب قوى، ودولًا، وأشخاصًا إليها، وتتحول إلى فتَنٍ ومحارق، تحرق ما تبقى من سوريا الوطن والشعب والدولة، وتكرج كرات نارها في بلدان العرب والمسلمين على الخصوص، ليكونوا وقودًا لها، وأدوات بيد من يريد لهم مصير الأدوات.
وكأن المطلوب، وفق قرار مجلس الأمن الدولي ٢٢٥٤ أن تتفق المعارضات والنظام على الدخول في جبهة واحدة، مدعومة دوليًّا، لمحاربة داعش والنصرة وغيرهما مما يصنف منظمات إرهابية، للحاجة الماسة إلى جيوش على الأرض لا يوفرها من يريد للحرب أن تستمر، وأن تحقق له مصالح ومآرب واستراتيجيات ونفوذا وهيمنة. إلخ… أي تجييش ضد الإرهاب، وضد من يريدون استهدافه أو استنزافه باسم الإرهاب.. وتحويل سوريا، وما تبقى فيها من عمرانها، ومن تبقى من شعبها.. إلى بوتقة يتم فيه الحريق حتى الصهر والانصهار.
ويا ويل شعب وبلد يشعل فيهما أعداؤهما النار بأيدي بنيهما، وأيدي الحاقدين عليهما وعلى بنيهما. ولك الله يا وطن الإنسان الذي كان، سوريا: أرض الثقافة، والحضارة، والأبجدية الأولى.. وطن كل إنسان ثقافيًّا.. لك الله يا وطني العزيز.

إلى الأعلى