الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لانترنت في يوبيلها

لانترنت في يوبيلها

”إجمالا، سهلت الانترنت التواصل واختصرت الوقت والجهد وساهمت في وفرة المعلومات وسرعة تبادلها، لتؤثر بذلك على الأعمال والتعليم والإعلام والثقافة عموما. ويختلف الناس حول وفرة المعلومات وسهولتها، وكيف انه اثر سلبا في التفكير البشري عموما ليعتاد “الكسل” طالما كل شيء متوفر على (غوغل) فيما يرى اخرون انه رغم السلبيات الا ان هذا التوفر الهائل للمعلومات يساعد البشرية على مواجهة تحديات الحياة على الأرض بكافة أشكالها وأنواعها.”
ـــــــــــــــــــــ
يحتفل العالم اليوم باليوبيل الفضي لانطلاق الانترنت في شكلها الحالي حين طرح فكرتها عالم الكمبيوتر البريطاني السير تيم بنرز- لي عام 1989، وان كان بدا استخدام الشبكة العنكبوتية العالمي (WWW) بعد ذلك بعامين ونصف في اغسطس عام 1991. ويصعب بالتأكيد على الجيل الجديد، ممن لا يزيد عمرهم عن 20 عاما، ان يتصور كيف كانت الدنيا قبل بدء استخدام الانترنت. لكن الأجيال السابقة مثلي ممن شهدوا العالمين: ما قبل وما بعد الانترنت، يمكنها الحديث عن تأثير الانترنت في العالم وعلى مختلف جوانب الحياة البشرية. ورغم ان الايجابي يفوق السلبي في ذلك التأثير، الا انه من المهم الاشارة بداية إلى ان الأحكام القيمية فيما يتعلق بالبشر وحياتهم امر نسبي تماما ويصعب الجزم فيه. وفي عجالة وبما تتسع له هذه المساحة، لنستعرض معا ما فعلته الانترنت بالعالم وبحياتنا.
بالنسبة لكثيرين، ارتبطت الانترنت بالاحتجاجات الشعبية في السنوات الأخيرة والتي ادت في كثير من الأحيان إلى اسقاط حكومات أو تغيير انظمة. ومع ان ذلك صحيح إلى حد ما، لكن هذا الاستخدام للانترنت ـ عبر مواقع التواصل الاجتماعي ـ لم يكن موجودا قبل عقد من الزمان. وربما لأن استخدام الانترنت قبل ذلك اقتصر إلى حد ما على الأعمال والتعليم والعلوم ناهيك عن ان انتشار الانترنت لم يكن كبيرا ولا تصل إلى ربع سكان العالم. لكنة الزيادة في انتشار الانترنت تضافر مع تطوير مواقع التواصل الاجتماعي ليؤدي إلى هذه الفورة التي نبهت الملايين إلى هذه الاداة الحديثة التي ربما ما كانوا يعرفون عنها شيئا من قبل. فهناك كثيرون في بلدان التغيير العربي كانوا يعتبرون الكمبيوتر حتى قبل ثلاث سنوات تطويرا للآلة الكاتبة والحاسبة اكثر منه وسيلة اتصال. فقبل عشر سنوات، كان الجيل الذي يستخدم الانترنت “انتقاليا” بشكل ما، اي سبق له التواصل بالرسائل وعبر الهواتف التقليدية قبل انتشار الموبايل والبحث في الكتب والأوراق.
وعلى ذكر الهواتف، يعد التطور الهائل في هواتف الموبايل وانتشار ما تسمى “الهواتف الذكية” على حساب الموبايل التقليدي عاملا آخر في انتشار الانترنت وتوسع استخداماتها في التواصل وغيره. ومع تقنية الواي فاي وشبكات بث المعلومات بأجيال متطورة (جي 4 الان) اصبح استخدام الانترنت لا يحتاج إلى كمبيوتر، اذ يقوم الهاتف الذكي الان بكل ما يقوم به الكمبيوتر. صحيح اننا ما زلنا نستخدم اجهزة الكمبيوتر حتى الآن (وانا اكتب هذا المقال على كمبيوتر الان) لكن التطورات التكنولوجية المتسارعة قد تجعل جهاز الكمبيوتر المكتبي التقليدي اثرا بعد حين. ولا شك ان العامل الاقتصادي يلعب دورا ايضا في الابتكار لخلق انماط استهلاك جديدة تسوق منتجات التكنولوجيا دون اعطاء البشرية فرصة للتشبع الاستهلاكي. ولكل هذه التطورات، من مواقع التواصل الاجتماعي إلى الانترنت على الهواتف الذكية، تبعات على حياة البشر من مختلف جوانبها.
لكن قبل ان نعرض للتغيرات التي احدثها انتشار الانترنت وادوات استخدامها في العقدين الاخيرين، لننظر سريعا على التغيير الذي احدثته في حياة البشر. اجمالا، سهلت الانترنت التواصل واختصرت الوقت والجهد وساهمت في وفرة المعلومات وسرعة تبادلها، لتؤثر بذلك على الأعمال والتعليم والاعلام والثقافة عموما. ويختلف الناس حول وفرة المعلومات وسهولتها، وكيف انه اثر سلبا في التفكير البشري عموما ليعتاد “الكسل” طالما كل شيء متوفر على (غوغل) فيما يرى اخرون انه رغم السلبيات الا ان هذا التوفر الهائل للمعلومات يساعد البشرية على مواجهة تحديات الحياة على الارض بكافة اشكالها وانواعها. ويرى اصحاب وجهة النظر الاخيرة ان العلم يستفيد وان كان الفكر والفلسفة لا يستفيد فعليه ان “يتكيف ويطور من نفسه”. وينقلنا هذا إلى ما يتعلق بأثر آخر مهم لوفرة المعلومات وسهولة تداولها ـ خاصة مع زيادة دور مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت ـ الا وهو “التضليل المعلوماتي”. فما اسهل ان “يفبرك” شخص ما خبرا أو معلومة لتنتشر بسرعة البرق حول العالم وربما لا تنفي ولا تستبعد قبل ان تكون فرقت بين اصدقاء وخلفت عداوات وساهمت في تحالفات بلا اساس، بل وربما ادت إلى تبعات قانونية وسياسية معقدة.
وإن كان هذا اثرا مباشرا لوفرة المعلومات وسهولة تداولها دون تدقيق أو تمحيص، فإن انماط الاستهلاك التكنولوجية الجديدة اصبحت تخلخل كثيرا من المسلمات التي اعتادتها البشرية لفترات طويلة في تاريخها الحديث والمعاصر. مثال بسيط وخطير في الوقت نفسه على ذلك: اللغة. فاستخدام الهواتف الذكية للتواصل بالرسائل السريعة بين الشباب، وبعد ذلك مواقع التواصل الاجتماعي جعلت الناطقين بالعربية يبتكرون لغة بالأحرف والأرقام اللاتينية يكتبون بها كلامهم باللهجة العامية. وغابت الفصحى، وحتى لغة الإعلام المبسطة، عن التواصل بالكتابة بين البشر. ثم ان الكتابة ذاتها تتعرض لضغط شديد. فلمن انتقلوا من الكتابة بالقلم على الورق إلى الكمبيوتر لم يعد تحسين الخط امرا مطلوبا بالمرة. بل ان حلول الكمبيوتر اللوحي والهاتف الذكي محل الكمبيوتر المكتبي والمحمول بدأ يجعل الكتابة تتكيف مع اداتها، لا تخضع تلك الأداة لمتطلباتها. فالرسالة أو التغريدة على تويتر لا تزيد عن عدد من الحروف، ومن ثم عليك اختصار تعبيراتك وعرض الأمر بأبسط واقصر ما يمكن من كلمات. ومن لا يتكيف يفقد القدرة على التواصل ـ على الاقل عبر الانترنت. هذا بالطبع غيض من فيض عن الانترنت وتأثيره، والآن لنحتفل بها في يوبيلها.

إلى الأعلى