الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / المشغولات التناصية ـ القصة في عُمان أنموذجًا ـ ( 2 – 2 )

المشغولات التناصية ـ القصة في عُمان أنموذجًا ـ ( 2 – 2 )

التناص الأدبي و”الحكائي” والخلاصة

أولاً: التناص الديني:
درج الاديب والكاتب العربي على التأثر بالملتصقات الفكرية لديه ومن اكثر هذه الملتصقات تأثيراً النصوص الدينية، وفي القصة العمانية تناصات دينية لا تقل اهمية عن اية تناصات في الاعمال العربية الاخرى، ففي مجموعة على المعمري تظهر هذه القضية جلية متخذة من النص القرآني حيزاً كبيراً واسلوب التناص عند المعمري هدفه المساعدة في الانسياب اللغوي، فهو في غمرة التدفق البنائي للجمل يجد نفسه مضطراً احياناً الى استخدام الآية القرانية في موضع ما ويكمل بعدها جملته، وكأنه لم يأت بلغة او جملة خارجة عن اطاره اللغوي فيقول: “…اهتز نعم لانه بطبيعة الحال وفق قوانين التاريخ، ولانه بسهولة يمكن تغيير الجغرافيا عندها يمكن تغيير الروح بأمر الخالق وفق معادلة الطبيعة “قل الروح من امر ربي وما اوتيتم من العلم إلا قليلا …” صدق الله العظيم .
فالربط الموضوعي بين الاية الكريمة والبعد الفكري لدى الكاتب متطابقان بقوة فهو بين مجموعة من الظواهر الطبيعية التي تستحق الوقوف، فحضرة الافق الذي مثله بكلمة (حضرة) ذات الابعاد الصوفية والنفسية المريحة، وهامش الليل اي نهاياته والتي تقترب من الشفق زمانياً، كلها في اتفاق مع القدرة المتمثلة في الروح والتي هي من امر الله، لا بل من اعمق الظواهر الكونية وابعدها منالاً من فكرة الانسان حتى هذه اللحظة، والنتيجة التي ارادها الكاتب ولم يستطع التعبير عنها هي “وما اوتيم من العلم إلا قليلاً…”.
وفي قصة اخرى بعنوان “لعبة الماء متاهة الرمل” يقول “قلت له: الموت حق ” كل من عليها فان” في ذلك الزمن بدأ ضوء القمر يغسل البحر وبدأت روائح الماء تسابق الارواح في تقصيها للانس والطير…”والتناص هنا له وضيقة تثبيث الحقيقة، فهو يعلم بأن الموت حق وانه سيأتيه آجلاً ام عاجلاً، ودور هذه الاية لا تقل عن دور الثريا بين النجوم فيزيده قوة، وايحاءً، وثباتاً، ومجالاً لغوياً، فاختزل دورة الحياة بكلمات بسيطة لا تزيد عن عدد اصابع اليد الواحده هو قمة البلاغة والايحاء. فلا يشعر المروي له بأن هذا النص مقحم على النص الاصلي لولا وجود العلاقة التناصية اللازمة.
وعلى الجانب الآخر من التناص الديني يتوغل الكاتب في بدايات الاسلام ويحاول ان يستنهض بعض الوقائع من الخلال ايراد مدلولاتها ففي قصة” صباح مسقط … عائشة النخيل” يقول “صبراً آل ياسر”. وهذه العبارة تعني ما تعني حينما يذكر عمار بن ياسر تحت لضى الشمس تقهره بابرها ووخزات الرمال والصخرة القاسية راقدة فوق صدره، فهي لا تقل عن وضعه – اي الراوي-حينما يقول “… ويسقط نصفي الاعلى في الداخل والنصف الاخر مقيد بلحا في… اقاوم هذا القيد… اقاوم اسمع صوت احشائي تتمزق… اسمع صوت احشائي تتمزق ….”فالتعذيب الذي لاقاه محكوماً بظروف قهرية املتها حقيقة ظهور دين جديد قبله هذا الانسان ورفضه آخرون اما انت ايها الراوي فلماذا صدرك مثقل، وصوت احشائك تتمزق…؟؟” .
وفي موقع اخر وعلى حافة الانهيار الذي لاقى الراوي في قصة “ذبابة الحانة… انا هنا” يبدأ التلاشي يأخذ مكانه من الراوي فيربط الراوي بين انهيار سد مأرب، وموته قبل ان يبنى، ورفع صاحب الخيمة اجرتها، ولا يأتي الكاتب بهذه المواقف لمجرد ذكرها بل يتعدى الفهم ذلك الى نهايات لا يرضاها ولم يستطع السكوت عنها “استعدي لسدرة المنتهى…قيل لي بأنك مصابة بقشرة الرأس مع انني ذات يوم ذكرت لك كيف كنا نستخدم مسحوق السدر”. ويأتي الكاتب هنا بلفظه السدر والسدرة ليوظفهما لغرض في نفسه فالسدرة في مفهومها الديني يرتبط برحلة الاسراء والمعراج ويعني نهاية الرحلة وهي اقرب المراتب الى الله عزوجل ولا يمكن ان يرقى الانسان الى اعلى من هذا المكان، ولذا ربط الكاتب بين ذلك المفهوم واسم السدر وهو نوع من النباتات الطبية التي تؤدي بالمرض الى النهاية والشفاء منه، ويرتحل الكاتب بهذه الاجواء ليصل الى المراد وهي النهايات الحتمية للانسان من خلال نص الاية الكريمة “يا ايتها النفس المطئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي “انتم السابقون…ونحن اللاحقون… رحلت هي … رحلت روحي…. وهي تحلق في السماء”. فالعلامة التناصية هنا تكاد تنحصر في العلاقة الزمانية فالنهايات المسكونة في الاشياء تعيش مع الكاتب في كل شيء فشبح الموت، يلاحقه حتى عظمة الرب تنكسر ويموت الصفاء، وتخرج الجثة اما على شكل عملات نقدية او في سلم موسيقي لمقطوعة قديمة تغنيها كل الشعوب بمختلف لغاتها، فالعلاقة الزمانية التي ربطت الاحداث الداخلية والخارجية للقصة تدل على الحالة النفسية التي يعيشها الكاتب، ومن هنا كان مضطراً لاستخدام التناصات القرآنية حيناً او الموروثات الاخرى حينا اخر.
وهنا نجد المعمري قد نجح نجاحاً مثالياً في توظيف النص الديني وجعله يتوحد مع النسق اللغوي والوجداني داخل النص الادبي وخارجه.
ثانياً: التناص الادبي:
والتناص التراثي من خلال منظورنا يتعدى مرحلة الاقتباس واماله النص على النص الى مراحل اكثر جوهرية وتقيداً تصل في حدها الاعلى الى المحاكاة
والادماج: ” ويمكن للقصة في تعقيدها ان تقارن بتنظيم عضوي قادر على ادماج العودة الى الخلف، والقفز الى الامام، ويمكن القول بصورة اكثر دقة، يسمح الادماج تحت اشكال متغيرة بتعويض التعقيد، فهو لا يسيطر عليه ظاهريا في وحدات مستوى من المستويات، وهو الذي يسمح بتوجيه فهم العناصر المنقطعة، والمتجاورة والمتجانسة، ولطالما ان المجتمعات متشابهة في نمائها ونتاجها لا بل “لا يوجد شعب لا في الماضي ولا في الحاضر، ولا في اي مكان من غير قصة”.
لذا ترحل الفكرة، من زمن الى زمن ومن مكان الى مكان، بأطار لغوي قد يكون متطابقاً او متشابهاً او محاكياً.
والقاص العماني وقع في هذا المألوف من التناص فاستخدم الموروث الادبي في ادبه ووظفه بفاعلية مقبولة (محمد البلوشي) يثور على الكائن البشري ويحتد الصراع لديه من خلال اقتباسه “حينما نتأمل الجنس البشري نشعر بأنه من المؤسف ان نوح استطاع اللحاق بسفينته… ولم يغرقه الطوفان”.لمارك توين.
الذي جعله والنقطة على حد سواء فالنقطة عند الفلاسفة اصل الاشياء ومنها تنطلق التكوينات البشرية واللغوية وغيرها، وكذلك قصة نوح وصعوده السفينة بساعة الطوفان هو بداية السلسلة البشرية فمن هناك انطلقت الكائنات بأنواعها، ويقول الكاتب على لسان النقطة “انا بدء البدء، … انا النواة … انا اول السطر، انا انتهاء الانتهاء انا بدء الكلام … انا انحناء الحروف انا استقامتها…. في البدء… بدء الكتاب… في بدئه كنت انا … كنت مداداً…لا كنت فكرة…بل كنت شيئاً آخر، لا تفقهونه انتم، …. اما انتم يانتاج انحناءاتي…انحناءات حروفي .. اما انتم…انتم لن تكونوا اي شيء ودوني لم تكونوا اي شيء..ودوني لن تكونوا اي شيء، انتم مواليد الصدفة…ابناء الاشتهاء اشتهائي حين ارغب الخروج خارج دائرتي…انا النقطة…
وينتهى الكاتب الى ان كل الاشياء تعود لاصلها حتى البحر يتكون من نقاط ولولا النقطة لما كان البحر، وكذلك الكائنات والهواء، وكل شيء ينتهي الى اللاشيء ونعود بتناصنا الى اسماعيل السالمي الذي توغل في صميم الموروث الشعري، وجعل من بعض الشعراء وقصائدهم منبراً بنى عليه قصصه ففي مجموعته جمعوه وناس اخرين” يظهر هذا الموروث جلياً وخاصة في قصة (عنترة). فعنوان القصة عنتره والمضمون هو مضمون معلقته بما فيها من قصة حب ووله ووجد، فالمسميات واحده والحاله واحدة لكن لغة الكتابة اختلفت قليلاً فالتناص تناص موضوعي يقول “كان عنترة واقفاً كشجرة سمر، .. يتلقى نسيم الليل بقامته الحالكة السواد اختلف لونه بلون الليل، …فلم تر غير اسنانه البيضاء تشع في ليل … زند مفتول وفخذ كفخذ الابل يطأ الارض بخفيه…حينما رأته عبلة…فاشتهت ان تنام وتستسلم له حيناً من الدهر”.
وتتابع احداث القصة وتحدث الرؤيا بين عنترة وعبله على احد الينابيع، وتأخذ الرؤيا بالتحول للغة الحب والوجد “بدأت يداها تجوبان بين اصابعه وهو كمجنون خائف…انتقلت الى ناحية من جسمه…لذا لها ان تشرب من شفتيه الممتلئتين… ويضيف الكاتب الى جمال هذه القصة طريقة السرد الروائي، والادوات الحديثة، فعبلة ذات الجمال الصارخ راكبة السيارة الفارهةـ، وعنتره ذلك العبد الاسود ذو اليدين الخشنتين، والاشداق المتورمة، التي تعني الرجولة والعطاء والوفاء، وكذلك يذكر الكاتب اسماء اخرى كشيبوب، ومضارب عبس وغيرها.
فاستلال مثل هذه القصة من التراث الادبي يعطي العمل قيمة كبيرة من الناحية التاريخية والادبية، كما انه اصبح بالامكان ان يحور الاديب الكثير من القصص والشعر والروايات، والاسماء ويجعلها ادوات طيعة بيديه يعجنها باسلوبه الخاص ويستخرج منها مادة جديدة تتناسب والعصر، كما ان الكاتب في هذا الامر خدم الادب العربي بأن احياه من جديد وجعله مادة مقروءة بروح ونكهة جديدة.
وكان للاسطورة حظ ايضا في قصص اسماعيل السالمي ففي قصة (حلم) “نعود للاسطورة فنرى طائرين يطاردنه هو ورفيقته ويقيم الكاتب تزاوج بين الشمس القاسية والطائرين والسكاكين التي تبعث في اجساد اهل القرية والاطفال الذين ياخذونهم في سيارة مكشوفة، ورغم قسوة الحلم وفظاعته الا ان الاشجار تورق وتثمر رطبا وتنتهي بذلك مرحلة في القصة. وننتقل الى مرحلة جديدة يمتلك فيها الكاتب وعياً اكثر حرجاً وعمقاً، ويبدو ان مرحلته الذاتية كانت ضرورية لكي يعدها الى العالم الحقيقي”(28).
كما ان الكاتب العماني كان يبحر في التناصيات ولم يتوقف عند النص الديني او الادبي بل تعداه الى غير ذلك، فاستخدم المثل كما يقول المعمري” لكن لا بد من التذكير ان الدهر حرفان “وانا كنت احسبه ثلاثة ايام”. وقد حور في المثل حيث ان نصه الاصلي الدهر يومان يوم لك ويوم عليك وتحريره كان جميلاً وينسجم مع الحركة اللغوية للاسلوب القصصي الذي اتبعه الكاتب.
وعلى طرف اخر استخدم الكاتب الاغنية فيقول نفس الكاتب “فوق النخل فوق …تصارع انغام موسيقى الكمثري”. حيث ان هذا المقطع لناظم الغزالي المغني العربي المعروف.
ثالثاً: التناص الحكائي:
وتلتزم القصة العمانية بتناص الحكاية بمعناها الشمولي سواء كانت الخرافة او الاسطورة، او السحر، او غيرها، “فتناص الحكاية في القصة القصيرة تنسج الحكاية كيانها من مصادر كثيرة، ابرزها الاساطير والخرافات والمكونات الميثولوجية، وعلى الرغم من ان الحكاية تعود في جذورها الى طفولة المجتمع البشري اي المراحل الاولى لتكون وعيه، الا انها غالباً ما تنطوي على شبكة دلالية خاصة تشي بهدف يكتسب احيانا سمة الحكمة، وان هذه الدلالة الناتجة عن بنية الحكاية تتسع احياناً لتكون منظومة شاملة تؤمن بمختلف القضايا التي كانت تشغل مركزاً اساسياً من اهتمامات المجتمع الانساني آنذاك، ولما انتقلت الحكاية الى مرحلة جديدة، وغادرت حقلها الشفاهي، واصبحت اكثر طواعية لأن توصف تستقر ثوابتها ومتغيراتها، وان تلمس مكوناتها وطرائق التعبير فيها، اضحت عنصراً فاعلاً من عناصر الفن القصصي بنوعية المعروفين والمهيمنين وهما الرواية والقصة القصيرة”(31).
والخرافة في الادب العماني لم تأت عبثاً او بطريقة الصدفة فكثير من ابناء عمان وغيرهم يؤمنون بهذه الخرافات نظراً للبعد الميثولوجي لهذه الخرافات حتى اصبحت عادات وتقاليد لا تعيب ولا تخرج عن طور المألوف، ففي مجموعة (صادق عبدواني) الذي اطلق عليها عنوان (الدجالة) تظهر الخرافة واضحة حيث يقول في قصة ملكة القش “ولو ان قارئة الفنجان كما يشاهد في الاسلام قد نهته الى تلك الصدمة المؤلمة التي كانت في انتظاره لربما التزم بنصيحتها، حتى لو لم يكن من المعتقدين بقارئي الخطوط، فهم ليس في نظره الا جماعة تتسلى بمشاعر الناس او تدخل وسيلة تسلية في نفوسهم ليتجنبوا ملل الحياة، وهم مساوون في نظره بالعمود اليومي الذي تنشره الجرائد اليومية تحت عنوان (حظك هذا اليوم).
فالفتح بالفنجان من العادات الخرافية التي يؤمن بها الجمع الساذج من الناس وعادة ما يكون فاتح الفنجان من ذوي الخبرة باختراع القصص والاوهام لدى الطرف الاخر، وعادة ما يكون الطرف الاخر من المرضي سواء، جسدياً او نفسياً الامر الذي يجعله يقبل اي كلام، وخاصة انه تلاعب بالوجدان والاحاسيس والمشاعر الانسانية.
وفي قصة الدجالة نلحظ تلك القرية التي تسمى (البديعة) لها سمة تميزها عن باقي القرى التي تتسمى بهذا الاسم، فالبديعة هذه تحكمها دجالة ويؤكد الكاتب بقوله “والله تتزعمها الدجالة”. ويحاول الكاتب ان يضعنا في موضع المحكم عن بعد، فعرض قضية (العمة شتوفة) او المعلمة كما يناديها اهل القرية، واذا ذكر لنا الكاتب قرية البديعة على سبيل المثال هناك قرى كثيرة تسيطر عليها مثل هذه الخرافات، وياتي الشباب او الجيل المثقف والمطلع على حقائق الامور، ليحاول مقاومة هذه الخرافات الا انه يجد نفسه يعيش في دواماتها ويصبح في حالة ذهول بين التكذيب والتصديق، فالحجاب والسحر عادة موروثة تعامل بها الناس قبل الميلاد ونص عليها القران نصاً، واكدت عليها كل الموروثات الشعبية، وما زالت نسبة كبيرة من الشعوب تتعامل مع هذه العادة.
ويأتي الدكتور محمد وابن شيخ القرية لينخرط في هذا المجتمع ويصبح احد افراده الذين يؤمنون (بالمعلمة شتوفه):
“يا اخواني حالة اختي مختلفة، تماماً، فهي ليست مصابة بمرض معين، انها حال اكتئاب نفسي فقط، ومشكلتها انها مقتنعة تماماً بعلاج (العمة شتوفه) انها لم تتجاوب في العلاج مع انني طبيب نفساني في الطب الحديث قاعدة علمية وصلة قوية بين نوع المرض والحالة النفسية للمريض”. ويقع الكاتب في حيرة من امره كيف يقاوم (العمة شتوفه) وهي محط ايمان الاطباء في قريته الى درجة ان اهل القرية لا يفرطون بالمعلمة ولا بالطبيب ويقولون “يا اخي، الدكتور طيب ويفهم، ونحن نحبه ونثق في علاجه، والحمد لله هو يعطينا علاجاً ناجحاً من العيادة، وكل مرضانا يشكرون العيادة، وخلي المعلمة ذخراً للمستقبل”.
وعلى طرف اخر يأتي بعض الكتاب لتوطين بعض القيم اكثر فأكثر يتوجهون اليها اما باسلوب السخرية او النقد الفاضح المباشر، فمثلا يتجه سعود المظفر الى قضية رعاية الايتام بحدة متناهية، ففي قصة “شرهان العلي” وشرهان العلي هو الوصي على اولاد اخيه بعد موته “طبعاً انه الوصي على اولاد اخيه بعد موت ابوهم حيث ترك لهم اموالاً كثيرة ولكن ما اسمعه عنه غير طيب.
- ماذا سمعت …؟
- قال عمر وهو يسند ظهره الى كرسيه ويشعل سيجاره.
- لم يكن على مستوى العمومة… لقد استولى على كل شيء…لديه الآن ثلاث عمارات وخمس شركات وما زال اولاد اخيه وامهم يسكنون في سرداب في بيتهم القديم الذي تركه لهم ابوهم بدون كهرباء ولا ماء”.
فرعاية اليتيم من اصول الانسان العربي ومن ثوابته القيمية التي يسعى للمحافظة عليها قال تعالى “واتوا اليتامى اموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا اموالهم الى اموالكم انه كان حوباً كبيراً” صدق الله العظيم.
فكأن هذه القصة تتناص مع الآية الكريمة السابقة من حيث مضمونها وفلسفتها فاليتيم واجب الرعاية له من قبل المجتمع عامة فكيف عندما يكون قريبه ووصي على ماله…؟ فعند اي تقصير بحق هؤلاء يتعرض الى النقد واللوم الاذعين. سواء من قبل رجال الدين اوا لعامة، فالخطاب في الاية الكريمة موجه الى (شرهان العلي) وامثالها وعدم الامتثال لامر الاية يقع في اثم كبير.
رابعاً: التناص الموضوعي:
وتبقى الفكرة والموضوع من الظواهر المشتركة بين كل الاجيال وكل الفنانين والمبدعين فلا يمكن ان نعد قضية الحب حكراً على عمر بن ابي ربيعة، ولا يمكن ان تكون قضية الهجاء من اختصاص جرير او الفرزدق فكل الشعراء يتناولون الموضوعات نفسها مع الانزياح قليلاً عن المفهوم من شخص الى شخص، وكذلك في القصة. فالموضعات هي وليدة الجمع العام من المبدعين، ولكن يبقى السؤال كيف تحدث الشاعر عن صفاء السماء، او سكون الليل وكيف تحدث القاص او الرواي عن البحر او صهيل الخيل او جمال المرأة وغيرها من القضايا الانسانية القديمة الجديدة…؟
وفي القصة العمانية كما في باقي الاداب مادة موضوعية كافية للدراسة سواء على مستوى المرأة، او الفقر، او البحر او غير ذلك، وهنا سأركز على قضية البحر كمادة تناصية يختلف في تناولها الانسان العماني عن غيره بعض الشيء وليس في كل المواقف.
قال لشاعر قديماً:
انا البحر في احشائه الدر كامنٌ فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
فالشاعر كان يرى من البحر مادة مفتخرة يسقطها على نفسه لا بل يتمنى ان يكون هذا البحر، وهذا الصفاء والنقاء والاتساع، كونه مصدر الخير على مستوى الغذاء والاريحية الوجدانية كما هو واضح من البيت السابق، وغيرها من الاشعار الكثيرة والتي اخذت حيزاً كبيراً في الدواوين قديمها وحديثها.
وفي القصة العمانية نجد الصورة البحرية مغايرة للصورة القديمة من حيث النظرة او حتى المنفعة فالمأساة تطغى على الفرح، والحقد على الطيبة، والقتل على البراءة، ففي قصة الام يقول القاص “انها مأساة حقيقية ان يتحكم هذا البحر اللعين في مصائر اسرنا، وأبي لم يكن إلا آخر ضحية من ضحاياه، بعث الى البحر الممتد أمامه الى مالا نهاية نظراته الصارمة الحاقدة، ولو كانت هذه النظريات موجهة الى انسان عدو مثله لاذ بالفرار حتماً، لكن ابداً استمر البحر في هدوئه تقبل نظراته بلا مبالاة، تحداه بابتسامة باردة، سرت بريح باردة لتؤكد برودة اعصابه”
هذه الصورة التي انقلبت من الاديب القديم الى الاديب الحديث لسبب موضوعي املته ظروف الحياة، فالموج لا يرحم، والعاصفة قتلت الكثيرين من صيادي الاسماك سواء كانوا كهولاً او اطفالا، فالفرق واضح فالاديب حالياً يتعامل مع البحر وكأنه وسيلة نقل كالسيارة والطائرة وغيرها فاذا كانت مفيدة ونافعة حيناً فهي المدمرة والقاتلة في احيان اخرى.
ويقول الكاتب في موقع آخر:
“الرمال بيضاء نقية، تولى البحر غسلها بأمواجه العاتية قبل عشرة ايام، ولكنه قذر مقزز، فقد قذف مع امواجه العاتية، كل القاذورات التي جمعها في بطن جوفه خلال اعوام، انه يزهق الارواح البريئة ويبتلع الاجساد التي كافحت لتعيش وبدون رحمة ليشبع غريزة الجوع الابدية ثم يقذف بالقاذورات ليوسخ جمال الطبيعية على الارض، انه يتحدى الارض وسكانها، … سأدافع عن كرامتي، وسأتحداه، والقنه درساً لن ينساه. .
فصفة الجشع والانقضاض على فريسته-اي الانسان-من ابشع الصفات التي الصقها الكاتب بالبحر وكذلك محاولته سلب الكرامة من الانسان وغيرها من الصفات التي لم يؤمن بها الشاعر قديماً.
وفي موقع اخر يقول الكاتب “…البحر من ورائكم والعدو من امامكم فليس لديكم علبة ثقاب لانه البحر والاشياء الخفية”(40).
فهذا النص يتناص مع مقولة طارق بن زياد حينما صرخ بالجند “العدو من امامكم والبحر من ورائكم” فالعبارة فيها معنى التهديد والوعيد وعدم الثبات يعني الموت المحتم، فالبحر يقابله الموت وكلاهما يعني الفناء.
اما الظواهر الطبيعية الاخرى فقد وردت هنا وهناك فيقول علي المعمري “هذا انا المطر يا بني فوق الطين بأمر الهي اخرج من الندى نماءً، واخصب الارض فيكبر الضرع ويشبعني فرحاً….” .
فالصورة تتلاشى مع معطيات المطر في قصيدة السياب “مطر…مطر..مطر.. فالتأكيد على المطر دليل على النظرة الخيرة لهذه المادة الحياتية اللازمة. سواء عند القاص المعمري او عند بدر شاكر السياب، وكذلك استخدامهم لمادة الليل والنهار، والشتاء والصيف وغيرهما من الظواهر الطبيعية.
ومن هنا اذا كانت النصوص العمانية من قصة ورواية وشعر وغيرها ملتزمة في الحس العماني الجمعي، فانها في الوقت ذاته لا تنفصل عن الموروث ولا بأي حال من الاحوال، فاعتمد الكاتب العماني على الارضية الادبية العربية في لغته ومعناه، والتزم بالاسلوبية الحديثة من خلال مفرداته وطريقة سبك الجملة وتواصلها مع كل ما هو حديث.
وعندما حاولت دراسة القصة العمانية ظهرت امامي ملامحي التناص واضحة وجلية وبناء عليه اخذت هذا الجانب انطلاقاً من قول(مارك انجينو) “ان المسألة ليست في ماذا نعني بالتناص، ولكن ” لأي شيء يصلح” او يستعمل وهذا بدوره مرتبط بلحظة تاريخية”. وهنا يصلح التناص لان يكون منهجياً لدراسة القصة العمانية لما فيها من اعتماد على الماضي الادبي او الديني او الموروث بشكل عام اما فكرة او لغة او نصاً، وبينا فيما سبق بعض هذه الجوانب آملين ان نكون قد قدمنا للقصة العمانية بعض العرفان.

خلاصة
على الرغم من الخلافات التي رافقت مسيرة التناص بدءاً من الترجمات، ونقلها الى مسيرة النقد العربي، وقناعة بعض النقاد او عدم قناعة بعضهم، والبعد الزمني الذي طال قليلاً حتى ترسخت في النقد العربي هذه النظرية، فإن معظم النقاد اخذوا بناصية هذه النظرية واصبح لها مساحة واسعة في نقدهم، الامر الذي جعل هذه النظرية ملحوظة في مسيرة النقد العربي، وعندما لجأ الباحث لتطبيق هذه النظرية على القصة العمانية المعاصرة جاء ذلك من منطلقات اهمها، تمثل واشغال القصة العمانية لتناصات متنوعة وكثيرة، نظراً لارتباطها وتواصلها مع التكوينات الموروثة في البيئة العمانية خاصة والعربية عامة، ولذا كان لهذه الدراسة المحدودة بالنصوص والدالة بالنتائج التي وصل اليها الباحث , والتي من اهمها قيمة القصة العمانية وتقدمها بحيث اصبحت تنافس الاعمال الادبية في العالم العربي.


المصادر والمراجع

(1) القرآن الكريم.
(2) (المسريحي، سعيد مصلح): البدايات، الدور الاجتماعي والقصور الفني، بحث مقدم في ندوة القصة المنتدى الادبي،1991م، ص164.
(3) (مظفر، سعود): مقابلة صحيفة الشرق الاوسط (مذيلة المجموعة واشرقت الشمس)
(4) (الزعبي، احمد): الشاعر الغاضب، دار الكندي اربد.ط1 , 1995م.
(5) (اصطيف، عبدالنبي): خيط التراث في نسيخ الشعر العربي، مدخل تناحي، مجلة فصول صيف 96.
(6) (روجيه فايول): نمو علم الادب والاتجاهات النقد المعاصر، تر :البقاعي.
(7) (الغذامي، عبدالله): الخطيئة والتكفير من النيوية الى التشريحية، النادي الادبي، جدة، ط1 1985م.
(8) (السعدني، مصطفى): المدخل اللغوي في النص النقدي الشعري، قراءات بنيوية، نشاط المعارف الاسكندرية.
(9) (كرستيفيا، جوليا): في اصول الخطاب النقدي الجديد، ترجمة احمد المديني، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1987م.
(10) (لاينز، جون): اللغة المعنى السياق، ترعباس صادق عبدالوهاب، دار الشؤون الثقافة بغداد 1989م.
(11) (دوبيازي، بيرمارك): نظرية التناص، تر، حوشي عبد الرحيم مجلة علاقات السعودية.
(12) (عيدـ رجاء): النص والتناص، مجلة علاقات السعودية، ج18 مج5، 1995م.
(13) (المغيض، تركي): التناص في معارضات البارودي، ابحاث اليرموك، مج9، عدد2،1991م.
(14) (المعمري، علي): مجموعة ايام الرعود عش رجباً، قصة ضباب تتدانى, عمان,1992م.
(15) (بارت، رولان): مدخل الى التحليل البنيوي للقصص، تر: منذر عياش، مركز الانماء الحضاري.
(16) (البلوشي، محمد بن علي): مجموعة مريم، عمان, ط 1 , 1992م.
(17) (السالمي، اسماعيل): جمعوه وناس آخرين, عمان, ط1 , 1993م.
(18) (رمضان، بطاويس محمد): مقدمة (جمعوه وناس آخرين),عمان, ط1, 1993م.
(19) (عبدالله ابراهيم): المتخيل السردي، المركز الثقافي العربي، بيروت.
(20) (عبدوان، صادق بن حسن): مجموعة الدجاله، ملكة القش، مطابع العقيدة، عمان
(21) (المعمري، علي): سفينة الخريف الخلاسية، دار الجرير، بيروت، ط1، 1995م.
(22) (انجينو، مارك): في اصول الخطاب بالنقدي الجدي، تر: احمد المديني، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1987م.

د. حسين منصور العمري جامعة جدارا إربد ـ الأردن

إلى الأعلى