الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التوجه الوطني في شعر: سعيد الصقلاوي ( 3 )

التوجه الوطني في شعر: سعيد الصقلاوي ( 3 )

(الرؤية – الأداة الفنية)

الأداة الفنية
ثقافته الشعرية:
قرأ الصقلاويُّ ديوان الشعر العربي، وحفظ منه لآليء الشعر الجاهليّ ودُرر ما أنتجته شعراء الإسلام على اختلاف أعْصُرهم وبلدانهم خاصةً البحتريَّ وأبا تمامٍ وأبا الطيب المتنبي وحفِظَ الكثيرَ من شعر العُذريّين، وراح يغترف من نبع الشعر الحديث في أعلى ما سطّره شوقي وحافظ ومطران، وأعجب بالشابي وحفظ شعره، وراقه شعراء المهجر فقرأ شعرهم وراح يحتذي منهم إيليا أبا ماضي، وجبران، وغيرهما وتأثر بموقفهم الوطني دفاعاً عن قضايا العروبة.
ولأن الشاعر ينتمي إلى بلد الفراهيديّ: الخليل بن أحمد، فلقد حفظ في صغره ذخيرةًً طيبةً من شعر العمانيّين الكبار أمثال “دهمش العريمي”، و”حافظ المسكريّ”، بل حفظ شعر بعض العمانيات من “المُخَُينيات” نسبةً إلى قبيلته.

لغة الشاعر:
مكَّن سعيدُُ الصقلاويُّ للغةٍ قريبةٍ، مُحَبَّبةٍ إلى أُذن المتلقيّ في جرسها، ودقة اختيار مُفْرَدَاتِها، تُعَبّرُ خِلال النَّصِّ – عن حسِّه الرُّومانسِي المُرهف، وإيثاره عُذوبةَ الكلمات امتداداً لثقافته التراثية بشعرنا العربيّ في أعلى نماذجه القديمة جاهليةٍ، وإسلاميةٍ وعباسيةٍ خاصّةً إضافة إلى ما ذكرْنا من حبه الرومانسيّين، وقرابته الفنية من شعراء المهجر، خاصةً في أدائه اللّغويّ.

المعجم الشعريّ:
يستخدم الصقلاوي الكلمات التي تتفْقُ والموقفَ الوطنيَّ ففي حديثه عن صمود الشعب الفلسطينيّ، يقول من قصيدته: (انتفاضة الصّمْت):
“صوُت الُوجود هاتفُ، مُدمْدِمُ
لـــنْ يسْأمـــواَ
دِماؤُهم لهيبُ كبرياءْ
جباهُهمْ منائرُ الإباءْ
نُفُوسهم مواكبُ الفِداءْ
مهما الجحيمَ وُسِِّدُوا
وشُرِّدوا ..”1
فالهاتف ههُنا يعلو، والصوت يدمدم، ويمتدّ بطول الهاء والألف – وهي حرف مدّ – ليُصْخِبَ آذانَ المتلقيّ. وهو من بعد يختار لأبطاله الكلمات التي تَْبعث – مع الصورة – الشعورَ بالقوة، والمضاءِ، فالثائرون والضحايا: (دماؤهم لهيب كبرياء) وتعبير الشاعر فيه جدَّةُُ وشدِّة تأثير، وهو يحشد لهدفه هذه المجموعة المُوحية من الألفاظ والتعابير: (دمدم، دماؤهم، لن يسأموا، لهيب كبرياء، منائر الإباء، والفداء، والجحيم.) كل أولئك يشيع جوَّاَ من الثورة ويؤكّد الصمود.
وفي شعره عن عُمان في مواقف التعبير عن الوطنية والانتماء يستخدم سعيد الصقلاوي من مفردات البيئة العمانيَّة (البحريَّة): السُفن، والمرساة، والرُّبان، والسَّنبوك”، والنَّوْخَذ والبُدْن .. إلى غيرها:
“أنا (البدنُ العمانيُّ) الذي ما فَتَّه خَوَرُ
برَغْم الرِّيحِ، والتَّيار، والإعصارْ”2
ويأبى الشاعر إلاَّ أنْ يُسبغ الطابع العُمانيَّ على قصيدته، ويمنحها مذاقاً عمانياَّ حين يورد بعض الكلمات الخاصَّة بالفنون الشعبيَّة العُمانَّية (كالشُوبان، واليامال) من ذلك:

“أناَّتُُ مبحوحه
تتحَّجرُ في حلقي
تتسلل في نغمات اليامال”3

مَلامحُ تركيبَّية:
لا تقف شعرية الجمال اللَّغوي في قصيدة الصقلاوي عند حُسن انتقاء الكلمات المفردة ذات الوقع المؤثِّر، بل تَتَعدَّاهُ إلى نقاءِ العبارة، وإلى قوَّة التراكيب، وتنوّع الأساليب ولعل ذلك ما يُطلق عليه بعض النُقاد: (القوة الشعريَّة للنَّحو)4
ومن هندسة التركيب عند الشاعر استخدامه الواعي للتقديم والتأخير، من ذلكَ: تقديمُه شِبْه الجُمْلةِ من الجارّ والمجرور احتفاءً بالأمكنة العربيَّة المتنِّوعة التي تستمد منها (غرناطة) معشوقته العربيِّة القديمة رَوْعَتَها، ومكانتها:
من حنطة “الشام” وَجْهُها، ومنْ “صنعاءْ”
ومنْ صفاء “طنجةٍ” عيونُها الحــوراءْ
ومن ميــاه “دِجْلة” عُروقُها ضِيــاءْ
ومن “ظَفــار” طِيبُها يُعَطِّر الأرْجـاءْ
ومن حُقول “تُُونـسٍ” بسماتُها الغِنــاءْ5
وقديماً رأى الإمام عبد القاهر “التقديم والتأخير:” كثير الفوائد، جمّ المحاسن، واسع التَّصرُّف، بعيد الغاية”، وعزا”سبب أنْ راقك ولطف عندَك أنْ قُدِّم فيه شيءُُ وحُوِّلَ اللّفظُ من مكانٍ إلى مكان”.6
وحيث كرَّر (هناك) التي استهلَّ بها معزوفته (غرناطة)، تعظيماً لقدر مدينته الجميلة، بعيدة الشأن، عالية المكانة:
هُناك في غرناطةٍ في موسم النمــاءْ
حيثُ الزهورُ الفاتناتُ تسكُب الأشـذاءْ
والنّخــلُ كالقِيان في محافل الغنــاءْ
وحيث كرَّرها الشاعر في آخر أبيات القصيدة:
هناك يا حبيبتي يا فرحةَ الرجـاءْ
تُْزْهرُ الأحْلامُ، واُلمنى بلا انتهاءْ7
تأكيداً على عُلوّ شأوها، وبُعد منزلتها ومكانتها التاريخية العريقة من نفسه، ليُعيد إلى ذاكرة المتلقِّي وَجْه جمال مدينته الأندلُسيًَة المعشوقة، أما تكراره أداة النداء (يا)، مع توالي النداءَ، فنراه تعبيراً عن صدق العاطفة، وقوة التوجه الوجدانيّ لدى شاعرٍ رومانسيِّ كبير.
ويْستبدلُ النقادُ المحدثون مُصطلح: “الخروج على مقتضي الظاهر” بمصطلح بلاغيّ جديد هو “الانحراف”، أو “الاِنحرافات” مُما تُخالفُ فيه لغُة الشعر نهج الكلام العاديّ، يلقانا من ذلك عند الشاعر أحياناً ما يعرفه علماء المعاني والنحو (بالحذف) وهو مََّما يلُطف في التَّعبير، ويُطلق للمتلقّي عنان الفهم والتفكير، وقد بدت من حول المحذوف قرائنه التي تدُل عليه من السّياق والعبارات الأخرى في النصّ، وحيثُ يكونُ (الذّكرُ) ضرباً من التكرار أو الترداد المُمِلّ، فإنّ (الحذف) يكون أَوْلى. من ذلك أبياته من قصيدته يتوجه بها إلى أم الطفل الفلسطينيِّ الشهيد (باسل):
ريحُ تزلزل كل سدّ معضِـلِ

وشْمُُ على زَند الرجـولةِ يعْتلـي
وَطـن تفَّجر شوقُه للمُقْبــل

نهـرُ يـُروِّي قفْرَ قلْب مُمْحــل
طـوفانُ نارٍ في دماءِ العُـزََّلِ

هَـدْىُ يُشعشع في الضَّمير اُلمْهمِلِ8

بعد بيتيه اللذين يقول فيهما:
لا تفجعي، أو تصْرُخي وتُوَلْوِلي
دمُ (باسلٍ) فَجْرُ الكَرامةِ ينجلي
وسنًا يُمَزِّقُ كَدْس ليْلٍ مُعْولِ
وحياةُ شعْبٍ في الهوانِ مُكبَّلِ9
فقد حذف المسند إليه، وكان مذكوراً في البيتين السابقين، وهو (دم باسل) إذ القصيدة في رثاء باسل، وذكر المسند لأهميته، ولكي ينصرف الذهن إلى الشهيد، إكباراً لقيمة الشهادة التي يركز على أهميتها الشاعر.

ملامح أسلوبية:
أرَّقت الشاعرَ رؤيتهُ، حين تاقت نفسه إلى البعث الحضاريّ لأُمَّتنا العربية، وحين تمثَّلت بناظريه ووجدانه أزمةُ الإنسانِ العربيِّ، وحين أهمَّتْه قضيَّة تخلُفه عن ركْب الحضارة العالميِّ، فانعكست رُؤيتُه على عناصر فنّه ألماً وأملاً يعبر عنهما بأساليب متنوّعة ووسائل فنيّة: لغوية، وبلاغيّة، وإيقاعية، وتصويرَّية، وكان طبيعياً أن تلقانا أساليب الاستفهام – وهي تلقانا بكثرة – كان طبيعياً أن يسأل ويكرر السؤال وقد أدهشه الواقع ومعاناته: لماذا؟ وإلى متى؟
وكان طبيعياً وقد استبد به الغضب أن يستخدم أساليب الأمر، والنهي، والتعجُّب، فضلاً عن النداء ..
إنَّ الرؤية الوطنيَّة الواقعيَّة هي التي شَّكلتْ أساليبَه الفنيَّةَ لكي تعكس صدق مشاعرِه، وطبيعةَ موقفه في كل ما عبر عنه في قصائده ودواوينه. من ذلك قصيدتُه (أنين):
“من يحملُ سيف صلاح الدينِ، ويحملُ قلْب الفاروقِ العاَرفْْ؟
مَــنْ يحمل عزمَ عليّ أو حزْم الصدَّيق المقدامِ الناصفْ؟
مَـنْ يمِلك وثبةَ طارقٍ أو سعْد، من يُطلِقُ رشَّاشًا قاصفٍْ؟
هل يُمكـنُ خالدُ أنْ يأتِي، أو عمروُ يَرمِي صَارُوخاً ناسِفْ؟
هل يُمكن تُشرقُ أقْمارُُ في ليل محبََّتنا
أتُـرَى يَهْمِــي غيــثُُ وَاكِِـف؟”10
ومن الظواهر الأُسْلوبية في شعر الصقلاوي استخدامه الأَمْرَ والنَّهْيَ وهذا اللّون الأُسْلوبيَّ يحفر في ذِهن المُتَلقِّي ووِجْدانِه، من ذلك استهلاُله قصيدةَ (باسِل) في خِطابٍ لِوالِدةَ الطِّفْلِ الشَّهِيد:
سِيْلي على وَهَج التأجُّج، أشْعلي صمْتَ الزَّمان الأخْرَسِ المُتَعِِّطلِ
في كُلِّ عِِرْقٍٍ خاملَ، أوْ مِفْصلِ يا دمعةَ الشَّرَف الجريحَ المُثْقَلَِ
لا تفجعي، أًوْ تصْرُخي وَتُولْوِلي دَمُ (باسلٍٍ) فََجْرُ الكَرامَةِ ينجلي11
ومرتْ بنا أمْثلةُ خِصْبَةُ من النداء، وما يُؤَثِّرُه توالي النّداءِ في قلب المُتَلَقّي وشعوره، كذلك مر بنا خِطاب الأمير الأُمويّ الأندلسي: عبد الرحمن الداخل:
يا راحـلاً مــن عُمْقنا لعُمْقِنا هلاَّ سأَلْتَ اليَومَ عـن أخبارِنا؟
وعَنْ شُموخِ الشَّمْسِ في جِباهِنا وعَنْ نشيدِ الماءِ فـي تُرابِنا؟12
ومنها:
يا راحلاً لقـد كَبــتْ خُيولُنـا تَخشَّبتْ فــي غِمْدِها سُيوفُنا

ومنها أيضاً:
يا أرضَنا، ويا انتخِـاء مجْدِنــا يا غَضَبَ الرعوِد فــي إبائنا
متى .. متى .. يصير في إمكاننا سحْقُ المُحالِ، وامتطاءُ عَزْمنا؟
وهكذا تتعانق البنى الأسلوبية من نداء واستفهام إلى غيرها من عناصر الفن، لتصنع التشكيل الجماليَّ الذي يحفُر في قلب القارئ وفكره.

الصورة الشعرية:
كان للطبيعة الرائعة في عمان، خاصة البحر، وما تزخر به البيئة البحرية من عطاء وسحر، كما كان للطبيعة التي عاشها الشاعر وبهرته خارج بلاده، وفي البلدان العربية والأوربية التي زارها، وَأَلمَّ بها، أو عاش فيها، فأخصَبْت خياَلُه الشِّعْرِيَّ بِاْلجَيَّدِ منَ الصُّوَر، كما أَثْرَتْ خِبْرَتَهُ بالحياةِ والإِنسانِ. والصُورَةُ الفَنيةُ بأنواعِها ودَرجاتِها هي مما يشحَذُ ذِهنَ المُتَلقّي، ويُطْلقُ ملكاتِ القارئ وقُدراتِه الخياليَّةَ والوِجْدَانَّيةَ بحيثُ تكْتِملُ لَذَّتُهُ الفَنِّيِّةُ، ويتمُّ التأثيرُ الرُّوحِيُّ والمعنويُّ .. إنها لونُُ من أوجُه المعادلة الفنية (الموضوعية) في العمل الأدبي تتكامل فيه (الصورة) مع عناصر اللغة والأسلوب، ومع الموسيقا والإيقاع في نقل الفكر والشعور، والتعبير عن التجربة الشعرية، بل هي “جوهر التعبير الجمالي”.13
“فبواسطة الصورة يُشِّكلُ الشاعر أحاسيسَه وأفكارَه وخواطرَهُ، في شكل فنيّ محسوس، وبواسطتها يصور رؤيته الخاصة للوجود وللعلاقات الفنية بين عناصره”.14
وفي شعر سعيد الصقلاوي يلقانا المعادل التصويري الجيد للواقع المر الذي يحياه العرب، ويعانيه مع بني وطنه، وقد تفاقمت أزمتهم بالاحتلال الإسرائيلي المتكرر، وازدادت معاناة جيله (الغاضب) نفسيةً ووجدانيةً نتيجةَ الفُرقةِ، والقهرِ الأجنبيِّ، فراحَ يُصَوِّرُ هذا الواقعَ باللَّيلِ والظلام، وأعرب عن أمله وآمال أمته في انبلاج فجر الحرية والكرامة، وخلال بانوراما الصور من كنايات واستعارات، يتوجه بخطابه وندائه مستدعياً أمجاد الماضي – إلى البطل عبد الرحمن الداخل بالنداء والاستفهام:
“يا راحلاً مِـــنْ عُمقِنا لعُمْقِنا هلاَّ سأَلْتَ اليومَ عـن أخبارِنا
وعَنْ شُموخِ الشمسِ في جباهِنا مُشَّــردُون فـــي بيوتنـا
محاصَرُون فـي انتظارِ فجـْرِنا فهل يسيلُ الضوءُ مِنْ أَهْدابِنا؟”15
إنها ثنائية النور والظلام في شعر الصقلاوي، تلك التي يرسم خلالَها لوحاتهِ. وفي قصيدة “مكابرون”:
“وحين أعصِبُ الجُفُونَ، أحبسُ الكلامْ
أَستَوْطنُ الغياب، أرتَدي الفصام
أَفتحُ للصباح بابَ غُرفتي
شُباَّكها .. وزوجتي
تنسِجُ من خُيوطِه مَعاطفاً لِصبْيَتي
أُوقد من أصابعي مدائنَ الوئامْ
وأُطعم الأَيَّامَ صبرَ والديَّ، توقَ إخوتي
وأشجُبُ الظلامْ
أُطِلُّ في عَيْنِ النَّهارِ مُثْقَلاً بلا شِفاه”16
ويكمن وجْه الجمال في هذه القصيدة أنها تنحرِفُ بالقارئ إلى مساراتٍ من التكشُّف الشعريِّ للواقِع المُعاصر، تُصوِّرُه في تعبيرية عالية: “أحبس الكلام”، و”أستوطن الغياب”، و”أرتدي الفصام”، كُلُّ أُولئكَ يخْلُق مُعادِلاً لرغبةٍ قَويَّةٍٍ في الخَلاص والاِنعتاق، تُساعُد عليه تلقائيَّةُ العِبارةِ وتَوالي الصُّوَر: “تنسج من خيوطه – الصباح – معاطفاً ..”، “أوقد من أصابعي مدائن”.. إنها قتامة الواقع، وحلم الشاعر باستشراف مستقبل أكثرَ نوراً يُرضي أسرته ومجتمعه الكبير.
“الخليج”:
وتبقى قصيدته: “الخليج” نغماً متميزاً بين المعزوفات الرفيعة للشعراء في حب الوطن، بما حَملتْ من دَفْقٍ عاطِفيِّ، وصِدقٍ فَنيّ، وبما مكَّن فيه الشاعِرُ لنجاحِه منْ رَوْعَةِ التراكيب، وجِدَّة العباراتِ في بناها ومعناها، وبما وفر لمعزوفته النونية من بكارة الصور وجمال الألوان والأصوات.
ومن بانوراما الصور المؤثرة: “أسرجت حبَّكِ .. مِشْعلاً”، “وآياتَ مَجْدِكِ أشْرَقتْ” ..، “ولقد كتْبتُك ألفَ حَرفٍ صارخٍ”، و”غَطَّى الزمانُ طُموحَنا بجناحِهِ”، و”الواهبون تَسْربَلُوا هِمَّاتِهِمِ ..”، و”مدَّ الأصالةِ في دماهُمّ مُزْهِرُ.”، و”غَرسُوه فَوق رُمُوشِهم.” والاستعارة الأخرى:
“وَمِنَ الوَفا ألاَّ يُكَفَّنَ أمسُنا” .. ومن الكنايات القوية:

َذوَّبْتُ حُبَّكِ في الشَّغافِ وفي دَميِ
أَزلاً بِه يُسْتَعْذبُ الخَفَقَـان
وَزَرَعْتُه بَــيْنَ الخلايـا نخلـةً
شَمَمُ العُروبَةِ هامُها الفينانُ
أما “زُرْقَةُ البحر” و”بياض الأشرعة”، و”بروق العزم”، و”وهج السير الطيبة تلمع ويتضوَّعُ نشرها” خلال تاريخ حضاري مزدهر، فكل أولئك مما ينشر جمال اللون، وتأَرُّج العطر، مع روعة الدفق الشعري فكرًا وَوِجدانًا:
خِصْبُ تَدفَّق من عُيون عطائهم
متهلل فيه الرجا النشوانُ
صوتُ الحياةِ مُؤذنُُ في نَبْضِنا
فعبـادةُُ أنْ تَسمَـعَ الآذانُ
وأما دقة الفكر، وجمال التقسيم فقد مرت بنا في قوله:
الواهبون المُبدِعون ضميرُهم اللهُ والأوطـانُ والإنســانُ
والمُبحرونَ إلى مرافئ فخرِهم لا الريح تَثْنِيهم ولا الطُوفانُ
وَطني الحبيبُ سَواحلاً وَخمائلا وَمواكباً قــد عَّزها الرَّحْمَنُ17

“شاعر لوَّنَ كلماتِه بزرقةِ البحر الجميلةِ الهادئةِ واحتفظَ لنفسه بهذا اللونِ الجميلِ، واتَّخَذهُ شِعارًا له في قصائده، فجاء شعرُه كأمواجِ البحر عاصفةً عاتيةً ثائرةً أحياناً، وهادئة منسابةً مطمئنَةً أحياناً أخرى، زاخرة بما يزخر به البحر من مفاجآت.”18
وفي ديوان: “أجنحة النهار” أيضاً نلتقي مع هذا الحُبِّ الكبيرِ لعُمانَ، والوطنِ العرَبيّ، وسحر الخليج، تلقانا الآهاتُ المنبعثةُ من نفس الشاعر الملتهبة تتمثل في توقه إلى تحقيق الآمال العربية، وتحس بالحزن والألم يعتصر قلب الشاعر، وهو يلفُحك بنارِه لِما يُحسُّ بهِ من واقعٍ مُؤلمٍ مرير تعيشه أمته، فيعرب عن محنته متمنياً أن يندحر الواقعُ الجاثمُ على صدرِه، ذلك الذي يُنْكرُه خِلال هذا الاستفهامِ البلاغيّ، تغشاهُ قوَّةُ التصوير، خلال الرمز الشعري، في قصيدته “توجس”، ومنها:
“متى الأشواك في الطرقات تنتحِرُ
ويورق فوقها الرَّيْحانُ، والكَيْذَاء، والزهر”19
وتتجلَّى قوة التصوير في قصائد الصقلاوي عن فلسطين، وقد سكنت أمكنتُها ومُدُنها وقُراها وشعبُها العربيُّ في عقل الشاعر وقلبه، من ذلك قصيدته: “صرخة طفل” حيث يتماهى مع فلسطين أرضاً وكياناً، وجرحاً، وقضية”، خلال تشبيهاته التي تؤثر بتلقائيتها:
“أنـا عربـــي
أنا طفل، فلسطيني
فؤادي خفقهُ (حيفا)
وعيْني كُحْلُها (يافا)
دمائي ماء (جلزونِ)
وضلعـي فرع زيتون
وأنفاســي شـذا خُـوْخٍ (بسلواد) وليمـون
وَلَحْمي من عجينِ الصخرِ في (حَلْحُولَ) والطينِ”20

الموسيقا:
الموسيقا والإيقاع هما أوضح عناصر التشكيل الجمالي في الشعر، وللشعر موسيقا تثير الإعجاب لدى سماعها في اللغة من اللغات، وإن لم نكن على علم بتلك اللغة. فالموسيقا جوهر هذا الفنّ القوليّ الجميل في كل لغة من اللغات حتى يتخلق شعراً، كما أن الإيحاء هو عَصبُ المُوسيقا .. “فالقصيدةُ بنيةُُ إيقاعَّيةُُُ خاصَّةُُُ ترتبط بالحالةِ الشُعورِيَّةِ لمُبْدِعها، فتعكِسُها في شَكْلٍ جماليِّ جديد مُنَسَّقٍ تنسيقاً خاصَّا” في تعبيره عن هذه الحالة، وعن التجربة الشعرية التي عاشها المبدع.21
وقد أفلح سعيد الصقلاوي في اختيارِ أصواتهِ، ودَوالِّه، وتركيب عباراته وجُمَلِه، والتنسيق بينها في معماريَّةٍ يرعى فيها مع الإيقاع، الانسجامات الصوتيَّةَ، بحيث تُحْدِثُ – بتكامل عناصر الفن الشعري فيها – تأثيرَها في وَعْيِ القارئ وشعوره.
ونراه يستخدم أوزان الشعر العربي، وينظِمُ قَصائدَه موزونةً مُقفاةً، خلال تناوُلٍ أُسلوبيِّ جديد يعكس روحه وثقافته، وخصوصيَّةَ الموقف واللحظة التي أنشد فيها قصيدته.
ولذلك نجد النسبةَ الأكبرَ من شعره من الموزون المقفى، أما شعرهُ التفعيليّ (أو الحُرُّ)، فإنه لا تزيد قصائده فيه عن الربع، وإن ظلت قوافيه خلال شعره الحر تعكس روحه العربية في مراعاة التماثل والالتزام، وجمال التوقيع.
وبين شعرائنا العرب المحدثين وشعراء عمان المعاصرين يلقانا سعيد الصقلاوي يقف موقفاً وسطاً في موسيقا شعره، فهو مجدد في تقليده، وملتزم في تجديده كأنما يرعى الخبرة الفنية الطويلة لقارئه، ولا يشتط في بِنَى شعره الحُرّ، إكباراً لقيمٍ جَمالِيةً أثيرةٍ، يُريد أنْ يكُونَ خِلالَها – حتى وهو يُجَدِّدُ – الحَفيدَ الوَفيَّ لتراثِ جَدَّه العُمانيِّ: الخليلِ بن أحمد الصقلاوي وأبحر الشِّعر:
أنشد الشاعر في عشرة أبحر، هي: الرجز، والكامل، والوافر، والمتدارك، والرمل، والمتقارب، وهذه الستة من الأبحر الصافية، كما أنشد في البسيط، والسريع والخفيف، والمديد، وهي من (الأبحر المزدوجة التفعيلة).
ومن بين ما ذكرنا نرى الرجز، والكامل، والوافر، والمتدارك والرمل يشّكل الكَمَّ الأكبرَ من شعره، وجميعها من البحور الصافية ذات التفعيلة الواحدة. بينما يستأثر الرجز والكامل بالقدر الأكبر من قصائد دواوينه.
ومنذ ديوانه الأول يلقانا استخدام الشاعر وزن الرجز مجزوءًاً في قصيدته: (الفدائي):
هذا هو الحُرَّ الأَبي هذا ابن شعبِ العربِ
أقسم أن يعـود رغـم خصمه المغتصب
فالقدس لابُـدَّ وأَنْ تعود رغــم الغَيْهَبِ
والشمس لابد لها الإشراقُ رغم السحب22
وفي (نشيد الماء)، آخر ما صدر من دواوينه نقف من (الرجز) التام عند قصيدة الصقلاوي: (أيها المشدود في عروقنا):
أَشعَلْتَ فــي دمائِنا التَمرُّدا والحُـبَّ وَالأْحلامَ والتَّجَدُّدَا
نَسْجتَ مــن نَهارِنا قصائدا نَثْرت فــي ظَلامنا التَّوَقُّدا
يا أيُّها المشدودُ فـي عُروقِنا وأيُّها المُمْتَدُّ في مدَى الْمدَى
جسَّمتَ حُلْمَ أُمَّــةٍ عِشْقَتها تَوحُّـدًا، فاْنتحَــرَتْ تَبدُّدَا23
بينا يلقانا وزن (الكامل التام في) قصيدته: (الخليج) بديوانه (أجنحة النهار) خلال عزف وطني رائع:
أنت العصور جميعُها فـي خاطِري وأنا عشيقُكِ، والهَوى إدمــانُ
صُغْتُ المعاني من سنائك فَرْقدًا والمبــدعون مطامـحُُ وبيانُ
وَشَدَوْتُ فـي الأيَّامِ لحْنَكِ مُفرداً طَارتْ بـه الآفـاقُ واْلأَكوانُ24

وفي البيت الأول نستشعر طابع أحمد شوقي حيث يقول:
أنتِ الجمالُ بديعُه وغريبُه اللهُ صاغكِ، والزَّمانُ رَوَاكِ25

وإن كان سعيد ليختم بيته بقولةٍ أثيرة: (والهوى إدمان)، بعد هذه البنية العاطفية: (وأنا عشيقك). ومالنا لا نقف من شعر سعيد الصقلاوي الموزون المقفى عند قصيدته الوطنية الأخرى: (هو لو عماني) وهي في وزن (البسيط)، مزدوج التفعيلة:
نسجْتُ من لَونِها شِعْري وذَاكِرَتي وصُغتُ من نورِها التاريخَ والنَّشَبا26

هوامش :

1. أجنحة النهار 14، 15.
2. أجنحة النهار، وأنظر: أنت لي قدر 67.
3. ترنيمة الأمل 119، وأنظر: أجنحة النهار 74. واليامال: نوع من غناء البحَّارة والشوبان من الفنون الشعبية العُمانيَّة.
4. كوين – بناء لغة الشعر – ترجمة أحمد درويش ص209.
5. نشيد الماء 111 – 113.
6. عبد القاهر الجرجاني – دلائل الإعجاز (ط. الأولى – بيروت 1988) ص83.
7. نشيد الماء 113.
8. أجنحة النهار 32، 33.
9. أجنحة النهار 32.
10. أنت لي قدر 113، 114.
11. نشيد الماء 31، 32.
12. نشيد الماء 104، 108، 109.
13. أنظر: د. محمد حسن عبد الله – اللغة الفنية، تعريب وتقديم (القاهرة – مكتبة الدراسات الأدبية – عدد 94 – دار المعارف) ص45، ود. محمد غنيمي هلال – النقد الأدبي الحديث (ط. أولى – بيروت 1982م) ص442.
14. د. علي عشري زايد – عن بناء القصيدة العربية الحديثة (ط. الرابعة – القاهرة 1995م) ص73.
15. نشيد الماء 104 – 106.
16. نشيد الماء 83 – 84.
17. أجنحة النهار 79 – 85.
18. عطا محمد أبو حبين – شعراء الجبل الغاضب 368.
19. أجنحة النهار من 5 – 7، وانظر: عطا محمد أبو جبين – شعراء الجبل الغاضب – ص 371 – 372، والكيذاء: شجر يكثر في عمان، له زهر رائحته طيبة.
20. أجنحة النهار 19 – 20.
21. أنظر: عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية (ط. الثالثة – القاهرة – دار الفكر العربي، د.ت، ص64).
22. ترنيمة الأمل 19 – 21.
23. نشيد الماء 25 – 27.
24. أجنحة النهار 80 – 81.
25. الشوقيات 2/178 من قصيدة (زحلة).
26. أجنحة النهار 119. والهولو: من فنون البحر في عمان.

د. عبدالفتاح الشطي

إلى الأعلى