السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / مسرحية (العيد) .. حقائق في زمن الخراب

مسرحية (العيد) .. حقائق في زمن الخراب

بعد أن يقوم الأب (الإرهابي) بتفجير نفسه .. لم يتبق للأم (جميلة) وابنها الوحيد (عياد) الا طلب النجاة من الله والحياة .. لأنهم استقبلوا عيدهم هذا العام باليتم وبالخسارات من كل صوب .. فلا مأوى لهم سوى التشرد والضياع في البراري او القبول بخيارات واقع مزر وفاسد بأناسه الخارجين عن الحياة الحقة .. وعن الدين والقانون والمتمثلين هنا بباقي شخصيات المسرحية ممن انتقاهم المؤلف بوصفهم نماذج من البشر اليوم .. لاهم لهم سوى تحقيق مآرب غرائزية كامنة في حيوانيتهم البشعة وهم يوجهون سهامهم الضالة نحو فريستهم (جميلة) الارملة ووحيدها (عياد) .
مسرحية (العيد) من تاليف ( بدر الحمداني) واخراج (محمد المعمري) وانتاج (فرقة الرستاق المسرحية) وهي اخر عروض مهرجان المسرح العماني السادس 6-15 / 12/ 2015 في المركز الثقافي (نزوى) سلطنة عمان .. كانت طافحة بثوب الجرأة الدرامية تلك التي تجاوزت الخطوط الحمر وللمرة الثانية في المسرح العربي في ادانتها للشذوذ الجنسي، بعد ان كانت الاولى لمسرحية (طقوس الاشارات والتحولات) للراحل سعد الله ونوس .. فضلا عن تناولها مواقف جريئة اخرى اتسقت ونسيج المتن الحكائي لخطاب العرض كركيزة محورية لشواذ أخر من نماذج الحياة الخربة .. ممن تدعي شيء وتضمر شيئا مغايرا .. شعارات التستر والوجاهة والمصالح التحزبية المعلولة ..
لقد جمع المخرج بين المنهج الملحمي البريختي والمنهج الواقعي المرتبط بستانسلافسكي .. فقد افاد من الاول بتأسيسه فضاء العرض سينوغرافيا، ومن الثاني التقمص الادائي لشخصيات المسرحية ، ولم تربك هذه الثنائية من العرض شيئا، بل على العكس تماما لانها ارتقت به نحو تحقيق عاملين دراميين اساسيين هما : الترقب والتوقع .. فاقتناص الموضوع وحكايته اسهمت في تفعيل عامل الترقب ومتابعة الاحداث بإثارة تامة، وهذا يقود حتما للقبض على العامل الثاني باعطاء فسحة تاملية يتوقع فيها المتلقي ما هو لاحق من الاحداث .. وبذا يكون المخرج قد هيمن على الاواصر الساخنة بالعاطفة وجذب المتلقين نحو اهداف العرض برمته حتى النهاية .
اعتمدت بيئة العرض منظريا على السهل الممتنع في تأثيث فضائها المستند فقط على ثلاثة جذوع النخل مقطوعة الرأس وهي متحركة من قبل الممثلين انفسهم من مكان الى اخر بحسب الحاجة والموقف الدرامي المراد التعبير عنه مكانيا وزمانيا والانتقال من البيت الى الشارع ومن ثم الى المسجد والى المقبرة وهكذا دواليك .. بحركة كتلوية بسيطة ومعبرة دلاليا لامكان للغموض او الايهام فيها ، لانها نبعت اصلا من منطقة كسر الايهام في فرضيتها النصية والاخراجية .
تبدت (العيد) وكانها دراما نفسية تعصر شخصياتها كالليمونة للحصول على شراب عذابها ومرارة قسوة الايام عليها .. فبرغم الحوارية الطويلة بين الام وولدها في مشاهد عديدة ، الا ان المخرج عمد الى تكوين عناصر جذب جمالية ، ثابتة منها ومتحركة بغية التوثب الايقاعي للعرض الذي هيمن على مشاعر التلقي وفكره طيلة زمن العرض .. وبرغم عدم توفر القناعة لنا في الفارق العمري مابين الام جميلة التي جسدتها الفنانة المتالقة ( نهاد الحديدي ) وولدها عياد الذي جسده الفنان الواعد ( عبد الله الفارسي ) الا ان الاداء المتميز والمبهر قد ابعد الفارق العمري لان الاحساس الصادق افضى بنا نحو القناعة مباشرة .. وهكذا اخلصوا جميع الممثلين لشخصياتهم ادائيا وقد حلقوا بنا في جماليات مدهشة ومثيرة امثال الفنانين ( يوسف البلوشي و زاهر السلامي وعلي المعمري ووهشام الحرامي ويوسف الخروصي وحاتم الحرامي ومرشد اليعربي وبسمة البلوشي ) لانهم وجدوا لهم الفرز الادائي لكل شخصية من شخصياتهم واسبغوا عليها حرصهم الشديد على شكل الشخصية وجوهرها النفسي .. فضلا عن تنوعهم الادائي ما بين المغلق والمفتوح بحسب الحاجة الدرامية له في هذا الموقف او ذاك وانسجاما مع ايقاع العرض المنضبط .
العرض وجه نقدا واضحا للاجندات الخارجية او الداخلية من تلك التي تتوهم انها تتسيد مشهدنا اليومي والحياتي، تلك التي تتخذ من الواجهة الدينية او اليافطة الشعارية المسيسة وسيلة للتنفذ والتسلط الاعمى والغارق بالترهيب والتجهيل والدم .. في حين ان المنطق العلمي يقول، ان مثل هذه المؤسسات انما هي اصلا جاءت في خدمة البشر واسعادهم وتحقيق العدالة الاجتماعية المنتظرة .. لا انها تمأسست من اجل خدمة الموت فقط ، وتسفيه الحياة بالتطرف وصناعة الفتوى الخارجة عن الحياة .. تلك الفتاوى التي لا تنتمي الا لنفسها فقط ، وبغطاء ( راسبوتيني ) مزركش شكلا ومتناقض مع اصله وسلوكياته المسكوت عنها دائما . (نسبة الى الراهب الروسي المحتال غريغوري راسبوتين 1898- 1916 ) .
لقد افترض العرض المكان والاشياء والحكاية والانتقالات .. لكنه لم يفترض الزمان ابدا .. لان الزمان هنا كان الحقيقة الوحيدة النابعة فيه وفينا كمتلقين يحيط بنا هذا الخراب المغلون بالفضائح والمفخخ بالدسائس والعفن .. اسقاطات اخراجية لماحة بثها العرض وهو يسدد كراته نحو البؤر المخزونة في الذاكرة الجمعية – الآنية والتاريخية – من ذواتنا .. ليوقظ فينا – عله – بشائر ثورة جديدة تقتضيها ايامنا المترملة دوما ( الآن ) بالوجع والخوف من المجهول .
كان خطاب الكوميديا السوداء مهيمنا في الكثير من محطات العرض ، الى جانب كوميديا الابتسامة ، لا الضحك .. لانها مرارة الافتراض الجمالية المنسلة من الحياة الى فضاء الركح .. عبر تحولات ضوئية ولونية حملت مسوغات تنوعها وكشفها المكاني ، فهي لم تكن تحولات زخرفية عاجزة عن رصد اهدافها التقنية الموحية دلالة و رمزا دراميا كتلك التي نجدها في اغلب العروض المسرحية الشبابية اليوم . فلم تكن سينوغرافيا الفنان ( خالد الضوياني ) الا لماحة وراصدة ، ولم تكن ايضا المؤثرات الصوتية للفنان ( محمد باكوري ) الا في مكانها الذي ينبغي ان تسمع فيه ، وكذا الحال مع ازياء الفنان ( خميس مسلط ) الا المعبرة فنيا عن الشخصية وواقعيتها المقنعة .. لانهم جميعهم وبقيادة اخراجية من قبل ( محمد خميس المعمري ) قد اكدوا لنا فعلا اختلاف استعدادهم وتحضيراتهم لايام العيد المختلف هذا .. فياله من اختلاف مر وفاجع .. ايقظ الفكر .. ونكأ الجراح .. ولما يزل خرابنا يمتد ويتناسل .. فهل ثمة ضوء في الأفق ؟ ..
لقد المح العرض الى مفاهيمية درامية لصفة (الشهيد) خاصة به .. فمن هو الشهيد الحق هنا ؟ .. هل هو الاب الذي فجر نفسه ليقتل الابرياء من البشر ؟ ام انه الابن (عياد) الذي يفجر نفسه ليقتل نماذج القذارة والخراب في حياتنا ؟ .. لينبعث الينا صوت فيروز في النهاية مغنية بكل الفرح والغبطة ( ليلة عيد ليلة عيد الليلة ليلة عيد .. صوت اولاد ثياب جداد وبكره الحب جديد ) .. تفاؤل اخراجي درامي ربما ؟ .. او هو انتصار الشهادة الحقة تلك التي ضحت فانتصرت بالوعد الالهي ؟ انها ثنائية القبض على الجمال والابداع في المسرح العماني اليوم والتي كانت فعلا مسك ختام هذا المهرجان / الفرح .

د. محمد حسين حبيب

إلى الأعلى