الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / البيدق الضحية .. الحرب الباردة على رقعة شطرنج
البيدق الضحية .. الحرب الباردة على رقعة شطرنج

البيدق الضحية .. الحرب الباردة على رقعة شطرنج

لا أحد يستطيع أن ينكر نظرة العداء الاستراتيجي التي ينظر بها كل من الاميركان والروس بعضهما البعض، منذ انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، مرورا بالحرب الباردة وماصاحبها من علاقات ثنائية متوترة بين البلدين عقب انهيار الاتحاد السوفيتي.
ومع اقتراب الأزمة الأوكرانية من دخول عامها الثاني واشتعال الصراع بين البلدين وظهور حلفاء جدد على خلفية الأزمة السورية وتباين الرؤى حولها كل حسب أجندته السياسية، والحرب ضد الارهاب وما الى ذلك، يبدو أننا عدنا مجددا إلى وضعية الحرب الباردة، طرفها الأول روسيا، وأميركا وحلفاؤها الغرب بالطرف الآخر.
تشبيه الوضع الحالي، خاصة منطقة الشرق الاوسط برقعة الشطرنج هو الاقرب لوصف مانشهده الآن، لاعبين جدد، علاقات وصداقات جديدة ، على ماتبدو أقرب الى تحالفات الماضي.
وبينما يتابع العالم ما يجري حوله من أحداث وانقسامات في الخارطة السياسية وصراع بيادقة القوى العظمى داخل رقعة الشطرنج ، يتسابق صناع السينما العالمية لتجسيد هذا الواقع على الشاشات الفضية.
من يتابع مسار هوليوود جيدا منذ النشأة ، يجدها كل بضعة أعوام تنبش في ذكريات صراعات الماضي وتطل علينا من نافذتها الفضية بفيلم جديد يحيي تلك الذكريات بين الرأسمالية الأميركية والشيوعية السوفيتية.
هذا الاهتمام بالحرب الباردة ليس بجديد على رائدة صناعة الافلام في العالم، فمنذ حقبة الستينات وحتى وقتنا هذا، انتجت هوليوود مئات الشرائط التى عالجت تلك الحرب، أقربها (Bridge of Spies) و (The Man from U.N.C.L.E).
من بين جواسيس الحرب ومقاتليها، تطل علينا هوليوود تلك المرة، بمعجزتها، أسطورة الشطرنج روبرت جيمس أو بوبي فيشر، بطل أشهر مباراة شطرنج في التاريخ كما وصفت آنذاك ، كونه تغلب على بطل العالم للشطرنج السوفييتي بوريس سباسكي، كما خلدها التاريخ لأنها لعبت خلال حقبة الحرب الباردة .
البيدق الضحية (Pawn Sacrifice) : هو فيلم إثارة وسيرة ذاتية أميركي، كتبه البريطاني ستيفين نايت، بينما قام باخراجه المتميز في اعماله دائما، الاميركي ادوارد زويك، الحاصل على الأوسكار في الانتاج، وصاحب (The Last Samurai) لتوم كروز، و(Blood Diamond) لدي كابريو، اللذان خلدا في ذاكرة هوليوود.
زويك يقرر تلك المرة أن ينقل معاركه من ميادين صحراء الساموراي العنيفة ومعارك الماس، ويقتحم ميدانا مختلفا وهادئا، الحرب فيه تحكمها قوة العقل والادراك وليس السيوف أو الدروع، لكن بفضل براعته يتمكن من جعل شريطه حافلا بكل مقومات الاثارة والتشويق. وذلك أيضا بفضل تضافر جهوده وتعليماته مع كاميرات برادفورد يونغ، وموسيقى جيمس نيوتن هوارد، التي تماشت مع أجواء تلك الحقبة.
تطعيم الشريط بمشاهد حقيقية وأحداث تاريخية ولقطات تسجيلية شملت استعراضا للقوة بين المعسكرين، من الأمور البارعة التي تضاف الى رصيد زويك.
شخصية بوبي فيشر يجسدها، الشاب الموهوب الذي فرض نفسه بقوة إلى جانب نجوم الصف الاول الهوليوديين الكبار، الاميركي توبي ماغواير، الذي عرفناه بدور (Spider Man)، حيث يقرر خلع عباءته الحمراء ذات خيوط العنكبوت المتينة، ويغوص داخل اعماق فيشر العبقري المجنون والمثقل باضطرابات نفسية منذ الصغر تحولت الى كوابيس وغطرسة في الكبر.
في النهاية، يكسب ماغوايرالرهان، ويثبت أنه ليس جديرا فقط بارتداء تلك البزة العنكبوتية ومحاربة قوى الشر وانقاذ الناس، حيث يجسد الشخصية باحترافية وبراعة، ويتمكن من اقناع محبي الشطرنج والأسطورة الاميركية فيشر، عبر اداء استثنائي استحق عليه اشادة من النقاد واستحسان الجماهير.
الجدير ذكره ” أن الممثل توبي ماغواير قد التقى خلال فترة التصوير، عائلة بوبي فيشر، كما أنه عمد الى دراسة الشطرنج، وخضع لدورات تدريب مكثف مع كبار نجوم اللعبة في اميركا”. كما جاء على المواقع الاخبارية المختصة بالفن السابع.
يجسد دور السوفيتي بطل العالم في الشطرنج بوريس سباسكي، الممثل ليف شريدر، الذي ساعد في نجاح الشريط بفضل تقمصه الشخصية بشكل جيد جدا، لدرجة انه اضطر الى حفظ حواراته كلها بالروسية، وأتقن طريقة حديثهم بأعصاب هادئة ، يشاركهما البطولة الممثل بيتر سارسغارد في دور الراهب مدرب فيشر، ومايكل ستهلبرغ ويقوم بدور المحامي، أيضا الممثلة ليلي رابي، وصوفي نيلسي.

……………………………..

احداث

واقفا وراء نافذة منزله في بروكلين بمدينة نيويورك الاميركية، ينظر الى سيارة بالخارج خُيل له أنها تراقبهم، تبدأ أحداث الشريط من طفولة بوبي فيشر، الذي يسكن مع شقيقته ووالدته الالمانية المطلقة، التى تتبنى الفكر الشيوعي المُطارد أصحابه آنذاك.
شغف لعب الشطرنج يبدأ مع فيشر منذ مرحلة مبكرة من طفولته وينمو معه ليمارس اللعبة ليل ـ نهار، محققا خلاله عددا من الانتصارات ضد لاعبين يسبقونه سناً ويفوقونه خبرة.
ومع مرور أحداث الشريط، يعمقنا المخرج داخل حياة فيشرالمراهق الذي يسعى وراء الروس كونهم الافضل في اللعبة، لنكنتشف أنه برغم من تقدمه في استراتيجيات وأصول اللعبة، التى تعلمها بنفسه بدون معلم، الا ان هذا التقدم يصاحب معه نمو لحساسية مفرطة إزاء الجلبة والأصوات التي تفقده القدرة على التركيز، حتى إن كانت همسا.
كما أنه يعبر عن امتعاضه من حياة التسكع واللامبالاة الاشبه بـ(البوهيمية)، التي تعيشها والدته، ومصاحبتها للرجال الشيوعيين واليهود واصطحابهم الى المنزل.
……………………………..

الغزو الروسي

عام 1962، بداية مرحلة فارقة في حياة فيشرالشاب، عندما يشارك في بطولة بلغاريا المؤهلة للعب مع الكبار. وفيها يكتشف طريقة مراوغة الروس حين ينافسون بعضهم البعض، بحيث يكتفون بالتعادل مما يؤهلهم للحفاظ على أكبر عدد منهم داخل البطولة. حينها يفضحهم أمام وسائل الاعلام ويهدد بالانسحاب، وهو مايلهم محام طموح الى التعهد بخدمة فيشر وتمثيله، كما أنه يجلب له مدربا قد هزم بطل العالم الحالي بوريس سباسكي، ليرافقه خلال رحلة بطولته المحلية التي ينتزعها ببساطة، وعينه على اللقب الدولي وهزيمة سباسكي.
وخلال أيام يقرر الروس، ارسال لاعبيهم في زيارة للولايات المتحدة، قالوا انها للتعارف فقط وليثبتوا زيف اتهامات فيشر.
يتمكن فيشر في اولى مبارياته ضد الروس، من الحاق هزيمة نكراء بهم، وهي التى بدورها تقلب موازين الامور، فكيف يتمكن هذا الاميركي من هزيمتنا في رياضتنا الوطنية ؟، يعيد الروس حساباتهم ويقرروا الدفع بسباسكي، حينها يستردوا كرامتهم.
ــ هناك معلومة اقتبستها من أحد المقالات بالانترنت تفيد بأن (لعبة الشطرنج تبناها اللاعبون الروس بقدراتهم الذهنية المذهلة، بعد انتشارها في العالم عقب اكتساب قيمتها الحالية في أسبانيا في القرن الخامس عشر، وقد مثل الشطرنج فخراً للاتحاد السوفيتي، وكان اللاعب يعامل بصفته سفير درجة أولى لبلده، بل يعامل كجنرال في جيش يحقق انتصارات على رقعة الشطرنج ويضع الاتحاد السوفيتي في قمة الدهاء الفكري العالمي خلال فترة الحرب الباردة).
فيشر يكره التعادل أو الهزيمة منذ صغره، فيقرر الانتقام من عدوه السوفيتي اللدود ويصبح الفوز عليه كابوسه الذي يؤرقه، لكن حالته النفسية وازدياد حالة البارانويا أو جنون العظمة لديه، ورهابه الدائم بأن ثمة مخبرين تابعين للاستخبارت السوفيتية أو الموساد أو حتى المخابرات الاميركية، يتصنتون عليه وعلى مكالماته، هي من تعرقله، وهو مايجعله يشكو في لحظات هزيمته وضعفه من اقامته في فندق متدني، بينما يرتاد غريمه السوفيتي أفخم الفنادق ويركب سيارته الليموزين.
حالته المثيرة للجدل تتصاعد، لدرجة أنه يقرر الهروب من المطار قبيل انطلاق رحلته الى آيسلندا لمواجهة غريمه السوفيتي بعد وصولهما الى نهائيات بطولة العالم للشطرنج، وذلك بسبب كاميرات الصحفيين!.

……………………………..

مباراة القرن

في يوليو 1972، يستحوذ الحدث على عناوين الصحف الرئيسية العالمية، ونشرات الاخبار بالتلفزيون، انها مباراة القرن المنتظرة بين الغريمين الاميركي والروسي، فالبنسبة للأول كما يقول الخبير الاقتصادي كينيث شاول والمختص باستراتيجيات لعبة الشطرنج في مقال مترجم (كانت المباراة بمثابة إتمام لعقدين من الزمن من مطاردة اللقب، بدءاً من أيامه كطفل معجزة. وبعد حياة من الفقر النسبي رغم كونه نجما، أما بالنسبة لروسيا، لم تكن المباراة متعلقة بالفوز بالجائزة التي كانت تقدر بحوالي 250 الف دولار أميركي؛ بل كانت تدور حول الفوز بالقلوب والعقول. فكان عالم الشطرنج لفترة طويلة ساحة المعركة المثالية لإثبات تفوق النظام السوفييتي)
خمس جولات يحسمها التعادل لكل منهما، صاحبهما غياب فيشر في الجولة الثانية نتيجة انزعاجه من أصوات الجمهور والكاميرات حوله، ما يدفعه ليشترط استبعاد الجمهور ويتم اللعب في قاعة منعزلة، وهو ماوافق عليه غريمه.
يتمكن فيشر في الجولة السادسة والاخيرة من حسم نتيجة المبارة لصالحه، ويسحق سباسكي، بخطوات مبتكرة وتكنيك غير معروف استدعى تحية الاخير لتلك العبقرية (تكنيكه دخل كتب فن اللعبة ودرس فيما بعد للاعبين). ليعلن فوز بوب فيشر ببطولة العالم كأول بطل شطرنج أميركي في التاريخ.
يعرض الشريط في دقائقه الاخير، مجموعة لقطات تسجيلية للأسطورة، حول تدهورحالته العقلية وتعرضه للسجن، وأفكاره السوداوية التي أدت الى اختفائه عن الانظار. في عام 1980 تم القبض عليه بتهمة التشرد، وفي عام 1992، خرج من عزلته وخاض مباراة شطرنج هزم فيها سباسكي للمرّة الثانية في يوغسلافيا، ولكونها مخالفة للنظام الاميركي، أصدروا مذكرة لاعتقاله مجددا. وفي عام 2005، تم منحه حق اللجوء في آيسلندا التي توفي فيها عام 2008.
فيلم جدير بالاهتمام ويستحق المشاهدة، يحكي قصة كفاح وتضحية فيشر بحياته وملذاته من اجل عشقه للشطرنج، وتحقيق ذاته في المرتبة الاولى والانتصار على أعدائه الروس في الثانية، تلك اللعبة التى قدمت له المجد والجنون معا.
تستوقفني عدد من تصريحات فيشر التي قرأتها في أحد المقالات عن قصة حياته والتي يقول في احداها (انظروا لما قدمته لأميركا، لم يسبق لأحد منفرداً أن يُسهم في تعزيز صورة أميركا أمام العالم كما فعلت أنا، أنا مؤمن بذلك تماماً. ففي عام 1972 عندما أحرزتُ بطولة العالم للشطرنج كانت الولايات المتحدة، كما تعلمون، تقدم صورة بكونها بلد كرة القدم، وبلد البيسبول، لكن لا أحد يفكر بالولايات المتحدة بصفتها بلد الفكر، ولقد بدلت كل ذلك منفرداً، أليس كذلك؟ يبدو أنني كنت مفيداً لبلدي في ذلك الوقت، لأنها حينذاك كانت تخوض الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي)

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى