الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التفاح البلدي المرصوص بعناية

التفاح البلدي المرصوص بعناية

وقفت باستحياء إلى جانب عربة الفاكهة، تتابع المارة بفضول ، ففي كل مرة تتهيأ فيها للنداء على بضاعتها، تختلج في فمها الكلمات فتتراجع، شاعرة أن الناس كل الناس يراقبونها، بيضاء قصيرة ، مورّدة الخدين، فستانها واسع جميل، قوس قزح من الألوان الغامقة، مزركش عند الكمين والرقبة والأطراف، وعلى رأسها منديل من القماش الأحمر، تتدلى منه خيوط خضراء وصفراء وزرقاء معقودة، تمتزج مع خصلات شعرها الأشقر المنساب كمياه (السبع سواقي) الفيومية الشهيرة.
إنها المرة الأولى التي تتحمل فيها مسئولية البيع، ففي العادة أمها التي تنادي وتبيع، وتكتفي هي بإبعاد الحشرات أو رص الفواكه في الصناديق المخصصة لكل صنف، وتكيل (الحاجات) التي يختارها الزبون، تضعها في أكياس القماش أو الورق، وتسلمها له، أمها هي التي تقبض النقود بالطبع، تسارع إلى دسها في (السوسته) الضيقة لمحفظتها، لتختفي هي الأخرى في فتحة النحر.
- أوزني يا بطه، سرحانه في ايه؟ إدي خالتك أم شلبي كيلو تفاح، وهكذا
اليوم تقف لوحدها على ناصية الشارع الترابي قرب الموقف، إنه مزدحم بالميكروباصات المتجهة من بلدتهم (سنهور) إلى الفيوم ومحطة مصر، أو بحيرة قارون وشلالات وادي الريّان، الحركة نشطة لا تكاد تتوقف، فالمصيف يجتذب مئات السياح والمصطافين في مثل هذه الفترة من السنة، المحلات عامرة بالزبائن العابرين والزوار، الحلاق يترنم فرحا بمقصه ومشطه، (عم جمعة) العطّار يفرط في كيل المدائح المعتادة لوصفاته، حماره المقيد خارج الدكان يهش الذباب بذيله ويلتهم العيدان الخضراء بنهم، تصدح الأغاني من تسجيلات قرني مزيكا خاصة أغنية عمرو دياب الأخيرة (ليلي نهاري) التي يعيدها عشرات المرات دون كلل، بينما محل الموبيليا الجديد الذي افتتحه المعلم سلامه، ويشتغل فيه أمهر أسطوات النجارة في (سنهور) بل في الفيوم كلها، يستقبل العرسان المقبلين على بناء عش الزوجية، راحت تراقبهم بعينين ناعستين ،سارحة بخيالها، رأت نفسها ست الحسن والجمال ، جالسة في الكوشة مع عريسها (اللقطه) ، الحارة كلها تشارك في فرحها ،عمرو دياب يغني على المسرح.. وأمها ترقص (لحد الصبح).
- بكام البطيخه دي يا حلوة؟
اقتلعها الصوت الناشف من أحلام اليقظة رغم محاولة صاحبه لجعله جذابا رقيقا، انتبهت إليه، كان شابا ذا قصة شعر قبيحة يشبه (النسناس)، إنه قطعا ليس من أهالي سنهور، فكرت في نفسها، أخذ يحدق إليها ويتفحصها طولًا وعرضًا، أكثر من البطيخ الذي يسأل عنه، حدسها أنبأها أنه جاء (معاكسًا)، لكنها لم ترد التسرع في الحكم، وفضّلت التأكد.. (فأكل العيش مر.. وقال ايه اللي رماك على المر.. إلا إلي أمر منه).
- الكيلو ب150 قرش.
- بس كده ، ده حتى شويه.
قالها ساخرًا .. انتبهت لمأربه .. فقطبت حاجبيها واستعدت للأسوأ.
- عاوزها ولا لأ خلصني؟
- حيلك ، حيلك إنت حمقي كده ليه يا جميل، ما الطيب أحسن.
- نهار أبوك مش فايت .
مالت بجسدها فخلعت فردة الشبشب ورفعته عاليا في حركة سريعة.
- حتمشي من هنا ولا لأ، يا ناقص التربايه .. يا قليل الأدب.
ابتعد الشاب المذهول جريًا ، وقد آثر السلامة ، مقتنعا أن صنارته (ما غمزتش) وأن (مش كل طير بيتاكل لحمه) ، أما هي فكانت معتادة على مثل هذه الحركات من الشباب (الأغراب) ، (أما أولاد حتتنا.. فكلهم جدعان، وعمرهم ما بصوليش بنظره كده ولا كده).. بضاعتها رصّت بدقة في صناديق خشب مصفوفة.. على عربة عتيقة بعجلتين خلّفها لهم والدها المرحوم، كان يسرح عليها فيما مضى.. ويكسب منها لقمة العيش ، تعلمت من أمها كيف ترتب وترص كل صنف من الفاكهة على حدة.. التفاح.. العنب.. التين.. المشمش.. الخوخ.. وأخيرا البطيخ الأخضر.. وفي الشتاء يحل موسم البرتقال أبو صره والمسكر.. ويوسف أفندي.. كانت سعيدة بالطريقة التي رصّت بها حبات التفاح البلدي الأحمر.. حبة حبة بعناية وحب واهتمام.
- إزيك يا بت يا عطيات؟ أمال أمك فين ؟ موش شايفاها يعني!
- داخت امبارح .. فقمنا خدناها.. لمستشفى الحميّات وحجزوها هناك.
- ربنا يحفظهالكو ويرجعهالكو بالسلامه .
- تعيشي يا خالتي.
ابتاعت المرأة منها عناقيد عنب، وبطيخه صغيرة.. ثم ناولتها النقود وانصرفت.. لوهلة لم تدرك كيف تتصرف، فقد نست إحضار المحفظة ، غير أنها قررت أخيرا تقليد أمها فيما كانت تفعله، فدست المبلغ في (عبها).
ارتفع أذان الظهر شجيّا عذباً من جامع أبو المعاطي المجاور للموقف بصوت الشيخ حسان المنياوي فسارع قرني مزيكا إلى إسكات صوت تسجيلاته احتراما للنداء.. رتلٌ من الميكروباصات المشحونة والمكتظة بالمصطافين مرّ في طريقه إلى بحيرة قارون مخلفا سحابة كبيرة من الغبار الأبيض الذي حجب الرؤية لثوان.. ثناثرت ذرات دقيقة جدا على رؤوس المارة وملابسهم، بذل الصول دسوقي الذي وصل لتوه إلى الموقع، جهودا كبيرة لتنظيم الحركة في الموقف.. ظل العرق (يصلّ) من صدغيه ويبلل ظهره ورقبته وقميصه، تمنت أن تنقضي الساعات بسرعة، كي تعود بالمكسب إلى إخوتها الصغار.. إنها قلقة عليهم .. رغم ثقتها بالجارة الطيبة أم عبده في اعتنائها بهم ، أمها أوصتها بهم ، ستزورها هذا المساء للاطمئنان على صحتها، يستبد بها القلق والمخاوف.. وتتقاذفها الوساوس، ماذا لو (جرلها حاجه بعد الشر.. استغفر الله العظيم.. دهية تلعنك يا إبليس.. أمي حترجعلنا بالسلامه إن شاء الله .. وأحسن من الأول كمان .. هو إحنا لينا بركه غيرها).
في زاوية ظليلة أمام الكشك الذي يبيع فيه يوسف الدهشوري عصائره المثلجة من القصب والمانجا والتمر هندي، ركن الأسطى رابح السواق الذي بدى مهمومًا نوعًا ما، ميكروباصه العتيق بعد أن صعدت إليه عائلة سياح من أبناء البلد العائدين من المصيف في انتظار اكتمال الركاب للتوجه إلى القاهرة .. واحد فقط من أفرادها لفت نظر عطيّات ، كان سمينا أسمر اللون ، يرتدي زيّا غريبا ، جلبابا ذا نقوش وتفاصيل خياطة تشاهدها لأول مرة.. تختلف عن الجلابيه البلدي ، ذات عنق مستدير يحيط بها شريط رفيع يختلف لونه عن لون الجلباب، ويتدلى منها في الجهة الأمامية على الصدر شيء ما.. أمعنت النظر فإذا بها حزمة قصيرة من خيوط ملفوفة، والأغرب تلك الطاقية المطرزة ذات الزخارف الجميلة التي يضعها الرجل على رأسه.. تشبه تاجا من الخيوط ذات الأشكال المتناسقة البديعة، للوهلة الأولى ولسمرته المفرطة ظنته (بلدياتنا) من الصعيد الجواني، عادت فاستبعدت هذا الاحتمال بعد أن أمعنت النظر في رفقته وتفاصيل زيه، ظلت حائرة في تفسير لغز وجوده معهم، تنقل بصرها بينه وبين عائلته وبضاعتها والميكروباصات المتوقفة أو العابرة من الموقف بشرود بال.. إلى أن غادرها الأسطى رابح بميكروباصه الذي ينفث أدخنة من سموم وهموم.
المظلة القماشية البالية التي ثبتت على عمودين مرتكزين على الأرض لتحمي العربة لم تعد الآن تغطي البضاعة كلها، فقد تكشفت صناديق الفاكهة من الأجناب وصارت عرضة لأشعة الشمس المباشرة.
- الحقي يا عطيّات .. الشمس حامية يا بت.. والبضاعة حتبوز.
تذكرت مقولة أمها في مثل هذا الظرف، سيكون عليها أن تختار بين تغيير وضعية صناديق التفاح والخوخ المعرضة للشمس بحملها من مكانها ورصها من جديد أو تحريك العمودين والمظلة التي تعلوهما إلى وضعية تغطي الفاكهة كلها مرة أخرى، وعليها أن تسرع في القيام بالأمر قبل أن تفسد الشمس مصدر رزقها ورزق أمها وإخوتها الخمسة، لم تتردد فاختارت الحل الثاني الأسهل، أمسكت بالعمود الأيسر بكلتا يديها فرفعته، ثم جذبته إلى الأمام قليلا بشكل مائل وشدت المظلة فغطت بها الصناديق المكشوفة في تلك الجهة ، ثم ركزت العمود في الأرض.. شعرت بطعم الإنجاز حلوًا لذيذًا في قلبها، فابتسمت، وبقي عليها الآن تكرار الشيء ذاته مع العمود الآخر، كما كانت أمها تصنع، التوازن أهم ما في المسالة.. أعطت ظهرها للطريق، وخيط من العرق البارد، يسيل على خدها، أحكمت قبضتها على العمود . بيد مرتجفة، اقشعر بدنها، حبست أنفاسها، أزعجتها ذبابة أخذت تحوم فتحط على أنفها وعينيها، فنفثت عليها زفيرا ساخنا، بلعت ريقها وهي ترفع العمود بحذر شديد، ولما تمكنت؛ بدأت في جذبه بميلان خفيف حتى ساوت العمودين تقريبا فأضحت المظلة مشدودة ،غطى العرق وجهها، وفي اللحظة التي همّت فيها بتثبيت العمود وركزه في الأرض، اندفع (موتوسيكل) ضخم جامح يقوده شاب طائش بسرعة جنونية، كاد أن يدهس (دكر البط) المقيد إلى قفص الفراخ التي تبيعها الست شلبيه، ويصدم المصلين الذين خرجوا لتوهم من الجامع، وحمار (عم جمعه) العطار، والطابور المزدحم أمام (طابونة العيش، وحصان الحاج مصطفى العربجي الذي يجر الحنطور، وجاموسه (عشار) تصادف مرورها متأخرة إلى الغيط.. وعندما انزاحت عاصفة الغبار والغضب واللعنات، كانت حبات التفاح البلدي الذي رص بعناية ، قد تناثر بين الحصى والتراب.

سمير العريمي

إلى الأعلى