الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فرنسا و الإسلام : ألف عام من سوء التفاهم

فرنسا و الإسلام : ألف عام من سوء التفاهم

د.أحمد القديدي

” إنني أزعم أن الأقدار الإلهية ميزتني دون إرادتي عن أي من الزملاء بمنزلة المندمج الكامل في العلاقات الفرنسية الإسلامية فأنا عشت تبعات وأزمات هذه العلاقات الفرنسية الإسلامية في لحمي ودمي منذ أن كنت طالبا باحثا في جامعة السوربون في السبعينيات حيث اخترت موضوع رسالة دكتوراة الدولة بهذا العنوان (ظاهرة الإسلام السياسي الطارئة وكيف عالجها الإعلام الفرنسي)..”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
129 ضحية بريئة ليلة الجمعة 13/11 في باريس ينتمون الى 22 جنسية من بينهم 10 مسلمين وهذه الأرقام وحدها تؤكد أن باريس كانت ولاتزال عاصمة التنوع وتعايش الأديان والأعراق وحمالة رسالة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أثمرته الثورة الفرنسية وتبنت بنوده منظمة الأمم المتحدة وتؤكد الإحصاءات أيضا أن العنف الأعمى الذي ضربها والذي نندد به هو عنف لا غاية محددة له ولا يعاقب مذنبا ولا ينتقم من مجرم بل إنه من صنف الأعمال التي يقوم بها أصحابها وهم يجهلون أهدافها ..اللهم إلا إذا كانت تحركهم أياد لا نراها من وراء حجب لها غايات ومشاريع جهنمية قد ندركها بعد عقود من الزمن فالتاريخ الذي يتشكل أمامنا اليوم هو تاريخ اللحظة الآنية نعيشه ونتفاعل معه بردود فعل عاطفية غريزية سوف تترك المجال بعد انقضائها للمؤرخين يستقصون أسراره ويكشفون خفاياه. لكن هذا لا يعني أن جيلنا الذي يعاني أزمات الواقع الراهن المرير ليس له دور أو رسالة. فالأمانة تقتضي أن نستخلص بعض العبر مما حدث ويحدث لأن التاريخ كما عنون ابن خلدون (مقدمته) هو كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر.
إنني أزعم أن الأقدار الإلهية ميزتني دون إرادتي عن أي من الزملاء بمنزلة المندمج الكامل في العلاقات الفرنسية الإسلامية فأنا عشت تبعات وأزمات هذه العلاقات الفرنسية الإسلامية في لحمي ودمي منذ أن كنت طالبا باحثا في جامعة السوربون في السبعينيات حيث اخترت موضوع رسالة دكتوراه الدولة بهذا العنوان (ظاهرة الإسلام السياسي الطارئة وكيف عالجها الإعلام الفرنسي) إلى منفاي الفرنسي في الثمانينيات هروبا من القمع والظلم في تونس إلى اللجوء السياسي الذي منحته لي الدولة الفرنسية في بداية التسعينيات لتعطيني أنا وزوجتي وأولادي وثيقة سفر اللاجئ السياسي (لأني كنت مطلوبا في أنتربول وبلا جواز وبلا جنسية وبلا وطن) وهذه الوثيقة مكتوب عليها في صفحتها الأولى: (تتعهد دولة فرنسا بحماية المضطهدين والملاحقين ضحايا مقاومة الاستبداد والدفاع عن الحرية في أوطانهم الأصلية) أي إنني شخصيا مدين لفرنسا ودستورها بحمايتي وفي الحقيقة حماية القيم والمبادئ التي تأسست عليها الدولة الفرنسية بعلمانيتها التي تعني في الأصل إحترام كل الأديان والعقائد وحيادية الدولة عن كل انتماء ديني أو طائفي أو عرقي.
هذه هي الروح التي حافظ عليها الرئيس شارل ديجول حين حرر بلاده من الاحتلال النازي الألماني وحين انخرط فيما سماه هو (اتجاه التاريخ) فساعد على تفكيك أمبراطورية الاستعمار الفرنسي واستقلال شعوبنا العربية المسلمة منذ الخمسينيات. وحين ترأس الجمهورية سنة 1958 سن سياسة تعرف بالسياسة العربية لفرنسا وهي عبارة عن دبلوماسية مستقلة عن المواقف الأميركية وعن عقيدة حلف الناتو تحت شعار (سيادة فرنسا) فكان (ديجول) لا يتسامح مع إسرائيل حين تتبع نهج الغطرسة والظلم. ويتذكر أبناء جيلي ذلك القرار الشهم بحظر بيع السلاح لاسرائيل بعد أن نعت (الجنرال ديجول) شعب إسرائيل بعد حرب الأيام الستة قائلا “أنه شعب يشعر بأنه نخبة الشعوب ويسمح لنفسه أن يتكبر وأن يتجبر!” وثارت ثائرة إسرائيل واعتبرت (ديجول) معاديا للسامية. وجاء وريث (ديجول) الرئيس شيراك وعارض غزو الأميركان للعراق في 2003 واستمرت السياسة العربية لفرنسا. ثم جاء الاشتراكيون وبعدهم الرئيس ساركوزي الذي أعاد فرنسا لحلف الناتو واستعمل تقريبا نفس منطق اليمين المتطرف ولكن في الأثناء غابت الدبلوماسية الفرنسية عن قضية فلسطين ومات أبوعمار في باريس وسكتت الحكومة الفرنسية عن استبداد بعض الحكام العرب وتدخلت في ليبيا وصار ما صار من هزات وزلازل وتجمدت قضية الاحتلال الصهيوني للقدس ولفلسطين بل أصبحت هي المحرك الأصلي لغضب المسلمين ويأسهم من الحلول السلمية. وصدقت وزيرة خارجية السويد (مارجوت والستروم) حين صرحت الأسبوع الماضي بأن “عملية باريس تؤكد قنوط الشعوب المسلمة من حل عادل لقضية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين” وصدق رئيس حكومة فرنسا الأسبق (دومينيك دو فيلبان) حين قال بعد الاعتداء بأنه” ليس من الحكمة أن تتزعم فرنسا حربا صليبية جديدة”. كما صدق مارك تريفديش الرئيس السابق لمحكمة القطب القضائي الفرنسي ضد الإرهاب حين قال إن “الحروب التي شنها حلف الناتو على أفغانستان والعراق ضاعفت من أعداد بؤر الإرهاب في العالم من 5 إلى 29.” و صدق أيضا الأكاديمي الفرنسي أكبر المتخصصين في التاريخ العربي الفرنسي (جون بيار فيليو) حين أكد في كتابه الصادر منذ أسابيع بعنوان (العرب وفرنسا: مصيرهم مصيرنا) “بأن المغامرة الاستعمارية والتبشيرية الفرنسية منذ إعلان البابا (يوربان الثاني) عن بداية الحروب الصليبية سنة1095 م من كاتدرائية (كريرمون فيران) بفرنسا الى حملة نابليون على مصر و الشام سنة 1798 إلى احتلال الجزائر واستعمار تونس والمغرب وسوريا ولبنان، هذه المغامرة ربطت مصيرنا بمصير العرب إلى الأبد بل إننا نحن الذين دفعناهم للتمترس وراء الإسلام لحماية هويتهم من الذوبان فينا..”
إنني استعرض هنا بعض ما يقوله الفرنسيون أنفسهم عن أزمة العلاقات العربية الفرنسية التي انتقلت منذ الجمعة 13 نوفمبر إلى أزمة غير مأمونة العواقب بين فرنسا وبين مسلميها (وعددهم 5 ملايين فرنسي مسلم) والسبب هو أن ردود الفعل السياسية المتسرعة أصبحت تهندس حسب أجندات الانتخابات البلدية والجهوية القادمة في فرنسا والتسابق غير النزيه بين الأحزاب بالمزايدات في سن القوانين المضيقة على حياة المواطنين الفرنسيين من المسلمين وهو ما ينذر بعهد مقبل من تنامي العنصرية وصعود اليمين المتعصب للسلطة وبالتالي إلغاء الحكمة والتعقل لدى الجميع.
ونحمد الله على وجود رجال رشداء لدى الفرنسيين جميعا ليجنبوا هذا المجتمع الديمقراطي مزالق الانقسام والظلم والوحشية.

إلى الأعلى