الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / أفول القوة ومحاولة استعادتها !

أفول القوة ومحاولة استعادتها !

د. فايز رشيد

أوكرانيا (2) ..خفايا السياسة والصراع والنفوذ الصهيوني

قاعة ملحقة بالبيت العربي، رجل سبعيني أبيض الشعر، حاد الملامح، لكنك تشعرُ من ثنايا وجهه بطيبة معدنه. لربما اثنا عشرعاماً لي في الاتحاد السوفييتي أهّلتني بعض الشيء لمعرفة محدثي ولو قليلاً، فيل نيكولايفيتش روماشنكو.. عضو مرشح لأكاديمية العلوم الأوكرانية، بروفيسور في علوم التاريخ، ونائب رئيس المجلس الأوروبي للسلام ــ فرع أوكرانيا. بعد التعارف، ومفاجأته باتقاني اللغة الروسية، وشرحي له عن هدف المقابلة ومشروع كتابي المنتظر، على أن يسبقه نشر بعض الحلقات المركّزة في إحدى الصحف العربية عن كافة مقابلاتي، وبحضور رئيس البيت العربي وثلَّة من الأصدقاء المنتسبين إليه، استأذنته في تسجيل الحوار ما بيننا.
لم أشأ أن يكون حواراً عادياً بالقدر الذي هو فيه إبداء وجهة نظر، واستفسار عن بعض ما جاء فيها، ذلك أنني سأقوم بمحاورة من يحمل الرأي المعاكس من الطرف الآخر. سألتُ البروفيسور فيل عن قصة الأحداث الأوكرانية منذ البداية، ولكن دون التطرق إلى التفاصيل الدقيقة، والتي لا تشكل أهمية سوى للمواطنين في أوكرانيا، أجاب: ما حدث مؤخراً هو استيلاء على السلطة (يقصد المظاهرات الجماهيرية المتواصلة، التي وضعت هدفاً لها: استقالة الرئيس السابق فيكتور يانكوفيتش ــ حليف روسيا ــ ورضوخه للطلب)، ما يجري ليس حرباً بين فريقين (يقصد الحرب الدائرة بين الأوكرانيين من أصل روسي في شرق أوكرانيا، وبين الفريق الأوكراييني الأصلي) بدليل أن الأوليجاركين (أصحاب رؤوس الأموال المالية) ليسوا مختلفين بل تجمعهم مصالح مشتركة، وهم متفقون. ما جرى هو استيلاء على السلطة الشرعية المنتخبة. هو خروج جماهيري واسع إلى الشارع، استغلّته الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، ودفعته باتجاه الهجوم على السلطة لايجاد اشكالات كبيرة لروسيا وللرئيس بوتين شخصياً!.
تساءل محدّثي: ماذا تقصد أميركا من وراء تسعير الخلاف الأوكراني ــ الأوكراني والضغط لاستقالة الرئيس الشرعي المنتخب والإتيان بنظام جديد موالٍ لها وللغرب؟
تريد: نصب الصواريخ الاستراتيجية الموجهة لأهداف محددة في روسيا، على الحدود الأوكرانية ــ الروسية.
ــ يهدفون إلى تقسيم الفيدرالية الروسية إلى 15 دولة.
ــ جعل أوكرانيا قاعدة غربية في مواجهة روسيا.
دعني أذكّرك ببتاريخ حلف الناتو وإشعاله للعديد من الحروب الأوروبية – الأوروبية. ماذا يريدون من بوتين، وقد حيّد شبه جزيرة القرم ! هم يسبونه في كل لحظة. بوتين يدافع عن وطنه، ألا يملك الحق في ذلك؟ بالتالي، ما يجري في أوكرانيا هو بتخطيط أمريكي وتعبير عن مصالح الولايات المتحدة. وعن سؤالي حول دور الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والأخرى التقدمية في توعية الشعب الأوكراني بهذا، أجاب محدّثي:
كل هذه الأحزاب تقوم بتحليل الواقع تحليلاً علمياً صحيحاً، لكنها عاجزة بالمعنى العملي عن الفعل في الشارع، لاعتبارات كثيرة أهمها: أنها تفتقد إلى إطار يجمعها، لذا فإن فعلها فردياً، هذه الآلية عاجزة عن مجابهة تحالف آخر قوي يتشكل من عديد من الأحزاب، معظمها ينتهج الخط القومي الشوفيني، العازف دوماً على الوتر القومي، وهذا غالباً ما يداعب عواطف الأوكرانيين، وهذه مسألة سهلة ذلك أولاً!.
ثانياً: ما يجري في أوكرانيا حالياً هو تحول الحكم إلى سلطة فاشية حقيقية. لقد أصدرت الحكومة الحالية قرارات واضحة :بمنع الترويج للبطولات السوفياتية في الحرب الوطنية العظمى ضد النازية والفاشية! (في الاتحاد السوفياتي يسمون الحرب العالمية الثانية والهجوم النازي على الاتحاد السوفياتي بـ (الحرب الوطنية العظمى). إنهم يهدفون إلى: ــ منع المحاضرات عن الشيوعية ولينين.، منع الحديث عن المظاهر الإيجابية إبّان الحقبة السوفييتية، ــ ومنع تدريس الحرب الوطنية العظمى ــ تقييد نشاطات الحزب الشيوعي الأوكراني ،واعتقال العديدين من قاداته وأعضائه، بمن فيهم الأمين العام للحزب سيمولينكو. باختصار يريدون تكميم أفواه كل معارض لسلطتهم، ومن يغني خارج سربهم. وحول سؤالي عن تصوره لمستقبل أوضاع أوكرانيا، أجاب فيل: لا يمكن لفريق أن ينتصر على الآخر، إنّ حل الاشكالات في أوكرانيا هو مسؤولية الأوكرانيين أنفسهم، لذا يتوجب على كلا الطرفين: وقف الأعمال العسكرية وقفاً تاماً، لأن أية خسائر تلحق بطرف أو بآخر، هي في النهاية خسارة للشعب الأوكراني!. إن أي حل للصراع يتوجب أن يأخذ بعين الاعتبار وحدة الأراضي الأوكرانية، بالمعنيين الجغرافي والسياسي. أراضي شرق أوكرانيا حيث يسكن المواطنون من أصل روسي هي أيضاً أراضٍ أوكرانية. من الممكن إعطاء نوع من الحكم الذاتي للمواطنين هناك، يتولى منظومة حقوق اقتصادية وسياسية! إن ما حصل في كييف ليست ثورة بل هو انقلاب على سلطة شرعية منتخبة. أيضاً، يتوجب أن يأخذ الحل بعين الاعتبار: إعطاء الديموقراطية للأوكرانيين ليكونوا مصدر السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية للشعب. كلّ هذه القضايا تتوّج بقانون جديد عادل للانتخابات. إن عدد السكان الأوكرانيين يبلغ ثمانية ملايين، هذا العدد لا يُستهان به ,وبخاصة إذا ما جرت حلول عادلة للصراعات البينية في أوكرانيا.
هنا اغتنمت الفرصة، وقاطعت محدثي بالسؤال: كم في تقديركم النسبة المئوية لكل طرف؟ فأجاب: لا تستغرب أن النسبة المئوية للطرف المنادي بعلاقات مميزة مع روسيا هي الغالبية النسبية، وفي تقديري تبلغ أكثر من 60% من السكان، لكن النفخ الأمريكي ــ الغربي للطرف المقابل، ضخّمه إلى الحد حيث يبدو وكأنه يمثل الأغلبية.
ولكن ما لمسته أن الغالبية العظمى ممن استفيتهم يريدون الطلاق مع روسيا، فكيف تنظر إلى هذه القضية؟ بالتأكيد من استفيتهم، قليلين. إذهب خارج كييف، في ضواحيها وحولها, ستجد نسبة كبيرة من الناس مؤيدين للعلاقات مع روسيا.. ثم لا تنسى مناطق شرق أوكرانيا! أنا أخذت بعين الاعتبار كل هذه العوامل عندما أجبت على سؤالك.
وكيف تنظر إلى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم؟.
القرم منطقة روسية في الأساس ألحقها خروتشوف بأوكرانيا! كما تعرف، إبان الاتحاد السوفييتي لم يكن هناك فارق أن تكون القرم مع روسيا أو أوكرانيا فالأراضي كلها هي أراضي سوفييتية. بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وقيام الجمهوريات المستقلة، لم تطالب روسيا بمنطقة القرم، في تقديري لو ظلّت العلاقة بين أوكرانيا وروسيا (في إطار تجمّع مع بعض الجمهوريات الأخرى) وتوطّدت, لما قام بوتين بإصدار قرار الضم! ولكن خذ اللوحة التالية: في أوكرانيا سلطة شبه معادية لروسيا، وتنسج علاقات قوية مع الغرب، وتطمح لدخول السوق الأوروبية المشتركة وحلف الناتو. الأخير يريد نصب صواريخ استراتيجية موجّهة لروسيا في أوكرانيا! شبه جزيرة القرم مجال حيوي مهم جداً للأمن الروسي، وبخاصة أنه تم نصب صواريخ لحلف الناتو في بولندا. بوتين قيّم الظرف، وقام بالضم بعد اجتماع عقده مع مستشاريه السياسيين والعسكريين، شارك فيه كذلك قادة الجيش بكل قطاعاته. مجلس الدوما (النواب) أّيّد رأيه وفوّضه في اتخاذ كافة الخطوات للدفاع عن استقلال روسيا وأمنها. أنت لو كنت محل بوتين، ألا تسترجع حقاً لك، بات يشكل تهديداً أمنياً استراتيجياً لدولتك؟.
* وماذا عن دور “إسرائيل” والصهيونية ونفوذهما في أوكرانيا؟
ــ إسرائيل لا تستطيع التدخل علناً في أوكرانيا، كما أنها لا تجرأ على التأييد الواضح للأحزاب القومية الشوفينية عندنا. هي تدّعي أن اليهود ذاقوا الويلات على أيدي الفاشية والنازية، والفاشيون الجدد في أوكرانيا باتوا جزءاً مهماً من السلطة، وهم أيضاً يرفعون الشعارات النازية في مظاهراتهم ومكاتب أحزابهم، بالتالي فإن النفوذ الإسرائيلي يدخل أوكرانيا متسللاً من الباب الخلفي. أوكرانيا تشكل مجالاً حيوياً استراتيجياً لحركة إسرائيل، في محاولة إحكام قبضتها على الجماعات الموالية لها في أوروبا. إسرائيل تعتبر أوكرانيا، “إسرائيل الثانية”، هم يتغلغلون خفية في مجالات الحياة الأوكرانية, وبخاصة السيطرة على عصبي الحياة: المال والإعلام، هذه خطة صهيونية معروفة منذ إنشاء الحركة الصهيونية، تطورت بعد إنشاء “إسرائيل” . أيضا فإن الميليارديرات الأوكرانيين اليهود وأصدقاؤهم يسيطرون على الاقتصاد الأوكراني، ويتدخلون بحيز كبير في سياسات أوكرانيا الدولية. على الصعيد العسكري فإن “إسرائيل” ترسل خبراء عسكريين ومستشارين للجيش الأوكراني. تقوم أيضاً بتدريب عسكريين من أوكرانيا في تل أبيب.
دعني ألخّص لك النفوذ الصهيوني في أوكرانيا، لو أخذنا مقارنة بين نواب الكنيست من أصل أوكراني، فهم لا يتجاوزون أصابع اليدين، وبين اليهود في المناصب الأوكرانية (فهم الكثرة)، أما بالأرقام فإن:الرئيس, ورئيس البرلمان، ومسؤول الإعلام في الحكومة هم يهود، كما أن 63% من أعضاء مجلس النواب حالياً من اليهود. 54 % من الوزراء وذوو المناصب في المؤسسات التابعة لها من اليهود. أنا نشرت هذه الأرقام سابقاً في جريدة الحزب الشيوعي.
* ألا تخشى على حياتك، سألته. ــ ” من يخاف الله يحميه”، هذا مثل أوكراني، لكن الحرص واجب. ذكّرني بأنه مضطر للمغادرة بسبب ارتباط له تم تحديده مسبقاً. حاورته ساعتين ونصف الساعة.
قبل ذهابه سلّم لمدير البيت العربي, ميدالية تقدير أهديت إليه من فوروم السلام الأوروبي – فرع أوكرانيا، التُقطت لنا الصور التذكارية، عانقته بحرارة، شكرته على اللقاء وخرج، شعرت أنه من الجيل السوفييتي القديم.

د. فايز رشيد

إلى الأعلى