السبت 19 أغسطس 2017 م - ٢٦ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / نقطة حبر: فرصة للمراجعة

نقطة حبر: فرصة للمراجعة

**
تدلل المؤشرات والنتائج المالية في أغلب القطاعات الاقتصادية على مواصلة تحقيقها لمستويات جيدة من الأداء خلال الأشهر الماضية من العام الجاري من حيث معدلات النمو في الأرباح والاعمال في الوقت الذي واصلت فيه الحكومة تنفيذ برامجها ومشاريعها الاستراتيجية الأساسية في قطاعات حيوية مثل الطرق والموانئ والمطارات والسياحة والصناعة وغيرها من المشاريع التي تعقد عليها آمال كبيرة لتعزيز إسهاماتها في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد خلال المرحلة القادمة فيما إذا وجدت البيئة المحفزة والقوانين المشجعة التي تضمن نجاحها وتطورها واستدامتها.
إن عناصر القوة في اقتصادنا الوطني عديدة وهي بما يتوفر بها من خصائص وميزات متفردة فقد باتت تمتلك الكثير من عناصر النجاح والمنافسة التي لم يستغل ويستثمر الجزء الأهم منها خاصة مع وجود بنى أساسية متكاملة في قطاعات استراتيجية يمكنها أن تشكل علامة فارقة في مسيرة اقتصادنا الوطني على المدى المتوسط والبعيد هذا إذا ما تم توظيفها التوظيف الصحيح وذللت من أجلها كل الصعوبات التي تأخذ بها لتحقيق أقصى درجة من الأداء والنتائج التي ينشدها ويرجوها الجميع.
السنوات الماضية من مسيرة البناء في وطننا المعطاء كانت كفيلة بوضع أسس ولبنات قوية وسليمة تضمن لها القدرة على التفاعل مع كل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بطبيعة المتغير وحجم المشكلة وإيجاد الحلول والبدائل التي تقلل من آثارها قدر الإمكان وهذا ما تعاملت به الحكومة مع مشكلة تراجع أسعار النفط خلال الفترة الماضية عندما اتخذت العديد من الإجراءات الاحترازية التي تحافظ على معدلات متوازنة من حيث الحد من حجم الانفاق والإيرادات وهو بطبيعة الحال أمر طبيعي تلجأ اليه الكثير من دول العالم في وقت الأزمات بغرض احداث التوازن المطلوب في أداء مختلف القطاعات وهذه الاجراءات هي ليست من ضعف بقدر ما هو أمر احترازي يتطلب التعامل معه بموضوعية وحرفية وبما لا يؤثر على البرامج الاجتماعية والتنموية للدولة تحسبا لأي ظرف فالحالة التي يمر بها الاقتصاد العالمي والظروف الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة هي جوانب أيضا تستلزم وضعها في الاعتبار لما قد يترتب عليها من نتائج سلبية على الاقتصاد الوطني غير محسوبة ومتوقعة.
إن التراجع الذي شهدته أسعار النفط وعدم معرفة ما سيؤول إليه وضع هذه السلعة في المستقبل في ظل ما تتعرض له من ضغوط سياسية هو ما يدعو الحكومة لدراسة البدائل والحلول التي بمقدورها التقليل في برامج الإنفاق وتقليل حجم العجز في الموازنة عن طريق طرح السندات والصكوك واستثمار البدائل المتاحة دون الحاجة للسحب من الاحتياطيات المالية للدولة أو الاقتراض من الخارج أو المساس بالمشاريع الأساسية ولذلك استطاعت الحكومة ومع هذه الإجراءات أن توفر ملايين الريالات في موازنة 2014 خاصة في بند المصروفات بالنسبة للكثير من بنود الإنفاق الاستهلاكية غير الأساسية للوحدات والشركات الحكومية.
ما آلت اليه أسعار النفط هي فرصة لأن تعيد الحكومة ترتيب الأوراق ودراسة مستفيضة لبند المصروفات وجدولة سريعة للمشاريع وتكلفتها المرتفعة وغيرها من البنود التي طالما أرهقت مالية الدولة وشلت حركتها بمصروفات ثقيلة استنزفت مبالغ مالية كبيرة لا داعي لها كما أنها فرصة لمراجعة القوانين والتشريعات الاستثمارية وقوانين مثل قانون الضرائب والتعدين وغيرها وتعظيم العائد من هذه القطاعات على مالية الدولة لكن من المهم ايضا عند اتخاذ قرارات تقشفية أهمية الوضع في الاعتبار انعكاس ذلك على السوق والشركات والمؤسسات الخاصة المتعاملة معها فهناك بعض القرارات يتطلب أن تدرس بعناية قبل اتخاذها بحيث لا تؤثر هذه القرارات على أداء هذه الشركات والعاملين بها.
الحالة التي تكتنف البعض نتيجة انخفاض أسعار النفط والآثار المتوقعة منها على الجانب الاقتصادي والاجتماعي هو أمر وارد وطبيعي في دولة ما زالت تعتمد بنسبة 80 بالمائة من وارداتها على النفط لكن ربما أنه من غير المنطقي تصوير وتسويق الواقع بحالة التشويه والمبالغة وإطلاق شعارات لا تستند عن معرفة وقراءة واعية بالواقع الاقتصادي الذي يتطلب منا أن نكون دقيقين في تناولنا للمواضيع بما لا يؤثر على اداء قطاعاتنا الاقتصادية والاستثمارية إذ أنه من الأهمية في هكذا مرحلة ان نكون داعمين ومساندين وموجهين لا أن نكون محبطين وناقمين.
يدرك الجميع أن الانخفاض الكبير الذي شهدته أسعار النفط خلال العام الجاري له تبعات اقتصادية واجتماعية لكن في المقابل يجب ان نمتلك الثقة ايضا في قدرة الدولة لتجاوز هذه المرحلة الحرجة فهي لديها من الخيارات والبدائل ما يمكنها من الحد من هذه الأزمات ولها في ذلك من التجارب ما مكنها في فترة من الفترات من التكيف مع طبيعة الظروف وبالتالي فإنه من الأهمية أن تتبنى الدولة في المرحلة القادمة مشاريع حيوية وانتاجية لها القدرة على التوظيف والتصدير وتلبية احتياجات السوق المحلي وهذا يتطلب تعزيز مستوى الشراكة مع مؤسسات القطاع الخاص وتسخير كل الإمكانيات التي من شأنها دعم هذه الشراكة عن طريق تسهيل الاجراءات ودعم المشاريع وتجاوز العديد من التعقيدات للوصول لأعلى درجة من التكامل والتجانس فيما بين الحكومة والقطاع الخاص.

مصطفى المعمري

إلى الأعلى