الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / استقلال محافظات السلطنة … بين التحديات والمصلحة الوطنية

استقلال محافظات السلطنة … بين التحديات والمصلحة الوطنية

محمد بن سعيد الفطيسي

” صحيح أن هذا التوجه سيحتاج الى رؤية تشريعية وجهد سياسي وإداري لن أدعي بأنه سهل أو واضح المعالم والنتائج المستقبلية بشكل تام ومؤكد، أو أن ذلك سيخلو من العقبات والتحديات والعوائق, في ظل الظروف والتحولات التي تفرضها متغيرات المرحلة الوطنية الراهنة, وخصوصا في جانبها السياسي والاجتماعي وكذلك بكل تأكيد في جانبها الاقتصادي,”
ـــــــــــــــ
لماذا نكرر الحديث بشكل دائم ومتواصل حول أهمية إعادة النظر في مسألة استقلال محافظات السلطنة ؟ ونعني بذلك: ان يكون للمحافظ الولاية والمركزية الكاملة على محافظته في الجانب المالي والإداري بناء على قانون ” الإدارة المحلية او ادارة المحافظات” وهو قانون نرجو أن يرى النور في أقرب وقت ممكن لما له من أهمية مستقبلية بالغة في العديد من الجوانب المحفزة للاقتصاد والتنمية الوطنية سنوضحها لاحقا في هذا الطرح, في ظل العديد من المتغيرات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الوطنية والإقليمية, حيث نجد من وجهة نظرنا في ظل الوضع السياسي الراهن عدم استغلال للعديد من النواحي الايجابية لما نطلق عليه باستقلال المحافظات وخصوصا في جانب التنافسية في القطاع العام, أي منافسة المحافظات بين بعضها البعض في جوانب تنموية مختلفة, وكذلك في جانب دقة التخطيط والإدارة المحلية والرقابة على المشاريع, وتوزيع حمل الرقابة والمسؤولية والضغط الجماهيري بعيدا عن المركز بقدر المستطاع, وجوانب أخرى ستتضح بشكل اكبر من خلال هذا الطرح الذي نؤكد على قصوره ألاستشرافي في الجانب التفصيلي.
مع الإبقاء بكل تأكيد على رقابة الدولة كنظام سياسي او ولاية عامة في مختلف تلك الجوانب, والتأكيد على ضرورة عدم التدخل في قرارات المحافظ إلا في أضيق الحدود, وهي حالات تفرضها الضرورة السياسية التي يجب توضيحها وتنظيمها وتقنينها والتأكيد عليها في ذات القانون سالف الذكر, وطبعا لن تكون تلك القرارات فردية شخصية او عشوائية غير مدروسة او تعسفية, بل قرارات سنوضح لاحقا كذلك أدوات واتجاهات بنائها وتنظيمها السياسي والإداري, ولماذا يجب أن يعطى المحافظ صلاحيات اكبر خلال المرحلة الوطنية القادمة؟
صحيح أن هذا التوجه سيحتاج الى رؤية تشريعية وجهد سياسي وإداري لن ادعي بأنه سهل أو واضح المعالم والنتائج المستقبلية بشكل تام ومؤكد, أو أن ذلك سيخلو من العقبات والتحديات والعوائق, في ظل الظروف والتحولات التي تفرضها متغيرات المرحلة الوطنية الراهنة, وخصوصا في جانبها السياسي والاجتماعي وكذلك بكل تأكيد في جانبها الاقتصادي, بداية بارتفاع وعي المجتمع والضغوط الجماهيرية حيال العديد من القضايا المحلية الداخلية, وكذلك في جانب تحول السلطنة الى دولة تسعى لتفكيك ما تبقى من المركزية الإدارية كونها من العوامل المؤثرة سلبا في التخطيط والتقدم التنموي في العصر الرقمي, ومرورا بتحديات الرقابة المالية والإدارية وتوزيع الأدوار السياسية وفق الصلاحيات ومعايير توزيع الثروات والموازنة الخاصة بكل محافظة, وليس انتهاء بكل النتائج والانعكاسات والتحديات المحتمل برزها نتيجة هذا التغيير الكبير والجذري في هياكل البناء السياسي والإداري للسلطنة.
فما هي الأهمية ومن ثم الفوائد المؤكد وكذلك المحتمل الحصول عليها في مختلف الجوانب الوطنية نتيجة استقلال محافظات السلطنة من الناحيتين الإدارية والمالية؟ فكما نعلم بان لكل محافظة من تلك المحافظات ميزات ومميزات جيوسياسية تختلف فيها عن بعضها البعض سواء كانت من الناحية الاقتصادية او السياحية او حتى السياسية نتيجة عوامل قربها او تأثرها بالمحيط السياسي الإقليمي في مختلف جوانبه, وهو أمر لا يصعب تشريحه والحصول على معلومات مؤكدة ودقيقه حوله من مختلف الجهات الرسمية ذات الاختصاص, والذي نضمن من خلاله أول مراحل الارتكاز والتخطيط باتجاه استقلال المحافظات, وكذلك بناء على عدد السكان وكثافتهم والموارد الاقتصادية الاستثنائية ومحفزات الاستثمار العابر للحدود الوطنية لكل محافظة, وغيرها من الجوانب التي تتفرد بها كل محافظة والتي نطلق عليها بالأوراق التنموية الرابحة للسلطنة.
ما سيوفر قدرا أكبر من التركيز الداخلي الناتج عن استقلال المحافظات من حيث إعطاء كل محافظة قدر أفضل من الاعتناء بها والتخطيط المركز لتنميتها والرؤية الميدانية الدقيقة لفهمها واستغلال مواردها الطبيعية بشكل علمي يضمن أعلى قدر ممكن من النتائج المضافة لها باعتبار كل محافظة من محافظات السلطنة منتج مستقل له مميزاته الخاصة, يضاف الى ذلك ان التخطيط الميداني الناتج عن تضييق فجوة عقبات وسلبيات التخطيط المركزي بقيام كل محافظة باعتماد خطة سنوية لتنميتها واستغلال مواردها وتنميتها الداخلية بفهم بلدي يزيد من وفرة الإنتاج والاستغلال لتلك الموارد المتاحة والمتوفرة لكل محافظة, مدعوم برؤية أبناء الولايات أنفسهم وحاجياتهم وبناء على الاستئناس بوجهات نظرهم وخبراتهم المحلية, وهو أمر سيشجع كذلك على التواصل الاجتماعي وتعزيز دور الثقة الوطنية وزيادة ثقافة إبداء الرأي الشعبي حيال المشاريع الوطنية التي تتداخل ودخل الفرد وحياته ومستقبل أبنائه في هذا الوطن العزيز.
كما ان استقلال المحافظات من الناحيتين الإدارية والمالية سيحقق العديد من الجوانب الايجابية القائمة والقادمة والتي يقع على رأسها تحقيق التكامل الاقتصادي نظر لإمكانية تقسيم المحافظات الى أقاليم اقتصادية متعددة على سبيل المثال, وتحفيز فكرة التنافسية ما بين المحافظات كما سبق وأشرنا, يضاف الى ذلك القدرة على فهم البيئة الاقتصادية والاستثمارية بشكل أفضل لكل محافظة من خلال العمل الميداني الشامل وبشكل دائم نظرا لتحجيم مساحة المركزية التي قد ترفع من مشقة مداومة العمل الميداني من خلال الاعتماد على المركز او العاصمة او مركز القرار الإداري في السلطنة, يضاف الى ذلك إمكانية إقامة العديد من المشروعات التي تتناسب مع مقومات كل محافظة, وكذلك تشجيع الاستثمار الداخلي سواء للأفراد او المؤسسات, وسيشجع على الابتكار وتنمية الأفكار وتبادلها مع مركز المحافظة نظر لقربه من أبناء الولايات, يضاف الى ذلك ارتفاع إمكانية الرقابة على المشاريع والمناقصات, وبكل تأكيد هناك جوانب أخرى وفوائد ومميزات أخرى لا يمكن أن يتسع لها مقال أو حتى دراسة ذاتية موجزة.
وهنا نطرح السؤال التالي في هذا السياق, وهو الشق الأخر من فهم ايجابيات وفوائد فكرة استقلال المحافظات في السلطنة, ولماذا يجب ان يعطى المحافظ صلاحيات اكبر خلال المرحلة الوطنية القادمة؟ ولماذا يجب ان تعزز الأدوار اللامركزية خلال هذه المرحلة وعلى رأسها تحميل المحافظات ومحافظيها وولاتها دور مستقل من الناحيتين الإدارية والمالية يعود على السلطنة بعائدات وموارد مالية واقتصادية تدعم الموازنة العامة للسلطنة وتخفف من الضغط على المركز وتقوم بتوزيع حمل العديد من القرارات وعلى رأسها القرارات الاقتصادية والاجتماعية؟
وبالعودة للملحق رقم 2 والخاص باختصاصات المحافظ بناء على المرسوم السلطاني رقم 114/2011م الخاص بالتقسيم الإداري للسلطنة وتنظيم عمل المحافظين نجد أنه قد اعتبر المحافظ ممثلا للسلطة التنفيذية في حدود محافظته, وهو ذلك الفرع من الحكومة المسئول عن تنفيذ السياسات والتوجهات العامة ووضع التوجهات ورسم الخطط الخاصة بجوانب العمل التنموي في مختلف جوانبه وغيرها من الاختصاصات المتعارف عليها لهذه السلطة, بينما ينظر للمحافظ في تعريفات أخرى بانه ممثل الحاكم في المحافظات.
وبحسب العديد من الفلسفات التشريعية والمرئيات الخاصة بنظام المحافظات نجد أنها تقوم على قواعد سياسية وإدارية أساسية يمكن من خلالها حقيقة الدور الذي يجب ان يلعبه المحافظ ومن أبرزها كما سبق وأشرنا لبعضها: التخفيف من الأعباء والمسؤوليات التي تقع على عاتق السلطة المركزية فيما تضطلع به من توجهات وسياسات تنموية تشمل سائر أرجاء السلطنة, وتحقيق التكافل والتنسيق في ادارة المشاريع الداخلية سواء كانت مشاريع صغيرة او متوسطة او كبيرة, وسواء كانت لأفراد او مؤسسات او مشاريع استثمارية داخلية او خارجية, وهو ما سيساهم بدوره في إنجاح خطط وبرامج التنمية في كافة مجالاتها نظرا لتضييق فجوة المركزية ودقة العمل الميداني وغيرها من النواحي التي ستوفر الوقت والجهد والمال في أداء العمل الوطني.
وهو أمر سيساهم كذلك بدوره من خلال توزيع ذلك الحمل من القرارات والرقابة والعمل الميداني والتخطيط اللامركزي والاتصال الجماهيري في التقليل من الأدوار التي تقوم على الشكلية السياسية او الإدارية باتجاه السياسات التفاعلية والأدوار التنفيذية للمحافظ والولاة في مختلف ولايات السلطنة, وسيساهم في تفعيل العديد من الأدوار التنموية للمحافظين على ارض الواقع العملي, كما سيولد ذلك دور يفترض ان يلعبه المحافظ وهو سلطة تتفرع من قوة النظام السياسي في الدولة بما يضمن صناعة استقلالية في تنفيذ الخطط التنموية بشكل يضمن خصوصية ومميزات وقدرات كل محافظة بشكل منفصل.
كما أن إعطاء كل محافظة ميزانية مالية معينة بشكل سنوي سيوفر كذلك قدرة أكبر على صناعة مخططات تفاعلية أفضل بكثير من المخططات النابعة من المركز لأسباب كثيرة تم التطرق إليها سلفا, كما سيضمن التوزيع السليم للثروات بحسب الحاجة لكل ولاية من المشاريع التنموية, وسيقنن المصروفات الخاصة بالمشاريع الداخلية, كما ان ذلك سيصنع تنافسية في الأدوار والأعمال بين كل محافظة من محافظات السلطنة, بحيث سيبرز بشكل أكبر الدور الحقيقي والفعال سواء الإداري أو الفكري لكل محافظ, ما سيولد بدوره تشاركية اكبر وعمل أفضل وتخطيط أكثر دقة ووضوح في العمل الحكومي وسيرفع من مستوى الثقة الرسمية وسيعزز رقابة المجتمع على تلك المشاريع, كما سيعزز بدوره كذلك إمكانية التفاعل الشعبي مع التنمية الداخلية وصناعة القرار الوطني في جانبه التنموي.
أخيرا ما الأدوات والاتجاهات التي يفترض من خلالها بناء وتنظيم عمل المحافظات والمحافظين؟
وهذا الأمر كما سبق وأشرنا سيحتاج الى جهد تشريعي وأدوات رقابية سواء من الناحيتين الإدارية او المالية او على مستوى صناعة القرار أو التنسيق مع الجهات الرسمية ذات الاختصاصات المتداخلة, بما يجعل من الضروري إعادة النظر في ادوار المحافظ وكذلك الولاة بناء على المرسوم السلطاني رقم 114/2011م الخاص بالتقسيم الإداري للسلطنة وتنظيم عمل المحافظين, كما سيتطلب ضرورة وضع لائحة تنفيذية يوضح بها كل الأدوار الداخلية والأعمال الرقابية وأدوات العمل السياسي والإداري وكذلك التقسيم المالي لكل محافظة والعائدات والميزانية الخاصة بها وصلاحية منح العديد من التفاويض الداخلية للمحافظ بصفته أصبح مسؤولا بشكل كامل عن المحافظة وإن كان ذلك بكل تأكيد كما سبق وأشرنا تحت رقابة المركز.

إلى الأعلى