الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : التفاوض التركي ـ الإسرائيلي حول غزة .. لمن نسي

شراع : التفاوض التركي ـ الإسرائيلي حول غزة .. لمن نسي

خميس التوبي

من المفارقات العجيبة أن تهرول حكومة العدالة والتنمية لتعميق التحالف مع كيان الاحتلال الصهيوني، والاحتماء بمظلة مشروع الاحتلال الصهيوني في المنطقة في تسارع دراماتيكي لافت، ونكوص واضح عن كل ما أعلنته، وملأت به العالم ضجيجًا، وخاطبت به العاطفة العربية الجياشة بأنها تقف مع قطاع غزة وستقطع سلاسل الحصار الصهيوني عن القطاع. فقد اتجهت حكومة العدالة والتنمية إلى تسوية ملف اعتداء البحرية الصهيونية على سفينة الحرية التركية في المياه الدولية، والرضوخ للشروط الصهيونية وخاصة شرط عدم رفع الحصار عن قطاع غزة، حيث تشير معطيات التفاوض إلى تنازل الرئيس التركي عن شرط رفع الحصار مقابل قبول “الحليف والصديق” الصهيوني منح أنقرة موطئ قدم في إدارة قطاع غزة، وبالتالي عودة المياه إلى مجاريها الطبيعية كما كانت.
اليوم ونحن توافينا وكالات الأنباء والقنوات الفضائية على شريطها العاجل عن الانعطافة التركية باتجاه كيان الاحتلال الصهيوني وتسريع حلحلة ما قيل إنها ملفات عالقة ومانعة من إعلان التحالف بين أنقرة وتل أبيب، وبقائه في السر، لابد لنا أن نقدح زناد الذاكرة الجمعية العربية وخصوصًا ذاكرة ذوي العواطف الجياشة الذين انخدعوا باللغة العنترية على منبر جامعة الدول العربية أمام مجلس وزراء الخارجية العرب في دورته الـ136 حيث حينها هدد إردوغان بقطع العلاقات الدبلوماسية مع كيان الاحتلال الصهيوني إذا لم يرفع الحصار الجائر عن قطاع غزة، ويعتذر عن عدوانه (العدوان الإرهابي الصهيوني في نهاية عام 2008 وبداية 2009) ويعوض أسر الشهداء، مختتمًا كلمته بقوله: تعالوا لنرفع علم فلسطين إلى السماء ليكون رمزًا للعدالة والسلام في الشرق الأوسط”. ووسط إعجاب وزراء الخارجية العرب واحمرار أيديهم نتيجة التصفيق الحار، لم يكتفِ الشارع العربي (آنذاك) بالتغني بمواقف أردوغان، بل تعدى إعجابه إلى المقارنة بين الزي المحتشم لزوجة أردوغان وبين زي سوزان مبارك.
وفي سياق العنتريات ذاتها ولمن يملكون ذاكرة سمك، هدد أردوغان بتسيير سفن لكسر الحصار بمرافقة الأسطول البحري التركي، كما أعلن عن عزمه زيارة غزة لكسر الحصار على متن بارجة حربية تركية. وفي مهرجان شعبي في مدينة كونيا وسط الأناضول قال إن “مصير القدس مرتبط بمصير اسطنبول.. وإن مصير غزة مرتبط بمصير أنقرة”، متعهدًا “بعدم تخلي تركيا عن الفلسطينيين وحقوقهم، حتى ولو تخلى العالم عنهم”. أيضًا وفي منتدى دافوس انسحب أردوغان بعد جلسة نقاش ساخنة مع رئيس دولة الاحتلال الإسرائيلي شيمون بيريز آنذاك.
واليوم تعود علاقات التحالف التركي ـ الإسرائيلي إلى سابق عهدها ونشاطها، وتدور محركاتها بأقصى سرعتها بنفط تنظيم “داعش” الإرهابي الذي يسرقه من سوريا والعراق، ولايزال قطاع غزة يرزح تحت الحصار الجائر، ويلتحف سكانه السماء الملبدة بالطائرات الحربية والاستطلاعية الصهيونية، وبدخان الغارات الإرهابية الصهيونية وغبارها، في حين تنهش أنياب الجوع والفقر والمرض والبرد القارس أجساد الأطفال والنساء وكبار السن والشباب. أما الضفة الغربية ومعها غزة، فتشهدان يوميا إعدامات ميدانية بحق الشباب الفلسطيني المنتفض ضد النازية الإسرائيلية، في حين تحولت القدس المحتلة وأقصاها الشريف إلى ثكنات عسكرية ومستعمرات صهيونية.
وما يثير الانتباه ويحمل في طياته ردًّا على كل المدافعين عن السياسات الأردوغانية في المنطقة، هو أنه في الوقت الذي تدفع فيه تركيا بقيادة حكومة حزب العدالة والتنمية بقواتها ودباباتها في العراق واحتلال أجزاء من أراضيه ، وفي الوقت الذي تدعم فيه التنظيمات الإرهابية داخل جارتها سوريا وتعمل على زعزعة استقرارها وإسقاط حكومتها رغم المواقف السورية المخلصة، بذريعة حماية الشعب السوري ومساعدته حتى تحقيق تطلعاته، تستلقي في حضن كيان الاحتلال الصهيوني الذي أباد ولايزال يبيد الشعب الفلسطيني، وينهب أرضه ويدنس المقدسات الإسلامية وفي مقدمتها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. فهذا التناقض الغريب والمفارقة العجيبة يطرحان السؤال المنطقي وهو: من أحق بالحماية والمساعدة، الشعب السوري والشعب العراقي أم الشعب الفلسطيني؟ ومن يجب معاداته وإسقاطه وتدميره، الدولة السورية الشرعية وحكومتها الشرعية المنتخبة من شعبها؟ أم الكيان الصهيوني المغتصب المدان والمجرَّم شرعًا وقانونًا؟
وبعيدًا عن العواطف والبروباجندا والاستعراضات الكلامية، فإن الانعطافة التركية الأردوغانية السريعة تأتي في ظل تطورات متلاحقة ومحاولة التعويض وتحقيق أهداف أخرى. فأنقرة تحاول أن تضع يدها على قطاع غزة لتعويض خسارتها في سوريا بقوة التدخل العسكري الروسي وموقف القيادة الروسية بعد إسقاط تركيا مقاتلة السوخوي على الأراضي السورية، وخسارتها في العراق بقوة الموقف الرسمي والشعبي، ودعوة مجلس جامعة الدول العربية في اجتماعه الأخير تركيا إلى سحب قواتها من العراق “فورًا”. كما تأتي هذه الخطوة التركية في ظل أنباء عن قيام حكومة حزب العدالة والتنمية بدور لإخراج حركة حماس من محور المقاومة وتخليها عن المقاومة، وتدجينها للاعتراف بكيان الاحتلال الصهيوني مقابل قيام دولة فلسطينية مستقلة على قطاع غزة بقيادة حماس، وكذلك محاولة أنقرة إحراج العرب الذين طالبوها بسحب قواتها من العراق أنها أنجزت وحدها ما عجزت عنه جامعتهم. على أن النفوذ التركي الإردوغاني في الجغرافيا الملاصقة للجغرافيا المصرية بإدارة غزة، مثير للشك على الأقل بالنسبة لمصر التي بينها وبين تركيا ـ أردوغان ما صنع الحداد، وبالتالي ستنظر القاهرة إلى هذا التدخل على أنه يحمل أجندات ضد الدولة المصرية، فهل ستقبل بهذا الوضع الجديد؟ كما أن كيان الاحتلال الصهيوني الذي يتربص بمصر الدوائر ليس بريئًا بل ربما سيوظف هذا الوضع في إثارة المزيد من العداء.

إلى الأعلى