الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الدراسات المقارنة: مثالب العصبيات

الدراسات المقارنة: مثالب العصبيات

أ.د. محمد الدعمي

إن أكثر ما فاجأني قد تجسد في إصدار أحد تلاميذي فيما سمي بـ»معهد التاريخ والتراث العربي» كتيباً طريفاً، يحاول أن يبرهن المؤلف فيه عكس ما تباهت به العرب وتفاخرت به العجم، من الفرس والترك، وحتى الصينيين زعم بأن مؤلفي (ألف ليلة وليلة) المجهولين لم يكونوا سوى يهود «متآمرين» رغبوا في إفساد المجتمعات الإسلامية من خلال تأليف وجمع ونشر حكايات هذا الكتاب لبثها عبر مجتمعاتنا المسلمة، جهداً تخريبياً.
عطفاً على ما طورته من جدل في الجزء الأول من هذه المقالة، لابد أن ألاحظ بأن أخطر مطبات وهفوات الدراسات المقارنة تتجسد في نحوها منحى تاريخياً، بمعنى سقوطها التلقائي في هوة العصبيات والتحاملات الأثنية والطائفية المتنوعة التي يصعب سبر أغوارها. ولكن، من المؤسف بحق أن تقود القيادات الجامعية العربية هذا النوع من الدراسات الى هذه الهوة عمداً، وذلك عن طريق توظيفها لخدمة مفاهيم الدولة القومية السائدة عبر العالم العربي، ناهيك عن محاولة مغازلة الأنظمة الحاكمة، عبر تفعيلها للبرهنة على تفوق العرب وسبقهم، مقارنة بسواهم من الأمم الأخرى، في الريادة بكل شيء تقريباً.
هذا توظيف متعسف للدراسات المقارنة، كنا قد اعتدناه في أقسام اللغة العربية بالجامعات العراقية، من بين سواها من الجامعات العربية، إذ بذلت جهود مضنية لتطويع الأدب لمفهوم تفوق العرب، وإن في العصر الوسيط فقط! ولكن على الرغم من أني رجل عربي، ومن اقحاح العرب، لا أرى في هذا النوع من التوظيف الشوفيني فائدة علمية أو ثقافية حقة ترتجى، خاصة بعدما جرى في الجامعات العراقية على سنوات الحرب العراقية الإيرانية، من منع لتداول أعمال أدبية كبيرة أو أسماء شعرية مهمة، فقط لأنها ذات أصول فارسية، كما حدث عندما دار الجدل (بكلية الآداب ببغداد) حول استخدام لفظ «أستاذ»؛ بوصفه لفظاً مستعاراً في العربية من الفارسية، زيادة على منع التعامل مع أعمال أدبية كبرى من نوع (رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا) و(كليلة ودمنة) لأن الأولى امتدحت الفرس، بينما لم يحمل ابن المقفع «شهادة الجنسية العربية»، ناهيك عن عدم تشجيع دراسة شعر «بشار بن برد» لأن هذا المسكين كان يحمل نفساً «شعوبياً»!
إلا أن واحداً من أكثر الأعمال الأدبية النفيسة عالمياً، (ألف ليلة وليلة)، بقي دائماً مثاراً لجدل التأصيل: فعلى الرغم من جهود أستاذي المفكر البارز، الدكتور محسن الموسوي، في رصد ودراسة هذا الموضوع، منتهياً الى خلاصة مفادها «مجهولية المؤلف» ومجهولية التأليف بقي العرب والفرس، الهنود والصينيون يتنافسون على تأصيل جذور هذه الجوهرة من الأدب الشعبي في ثقافاتهم. إلا أن التفاخر بإطلاق هذه الأمة أو تلك كتاب (الليالي العربية)، كما يفضل الغربيون تسميته لم يدم طويلاً، نظراً لما وصم به هذا العمل الثقافي الكبير من «خلاعة» و»بذاءة»، بل و»تهتك» و»فساد»، أحياناً. هنا تجسدت الانتهازية الثقافية، عندما راح أكاديميو بغداد وطهران، القاهرة ودمشق، من بين سواهم يذبون عن ثقافاتهم الإسلامية العربية تهم إنتاج وإشاعة هذا العمل القصصي الأصيل. بل إن أكثر ما فاجأني قد تجسد في إصدار أحد تلاميذي فيما سمي بـ»معهد التاريخ والتراث العربي» كتيباً طريفاً، يحاول أن يبرهن المؤلف فيه عكس ما تباهت به العرب وتفاخرت به العجم، من الفرس والترك، وحتى الصينيين زعم بأن مؤلفي (ألف ليلة وليلة) المجهولين لم يكونوا سوى يهود «متآمرين» رغبوا في إفساد المجتمعات الإسلامية من خلال تأليف وجمع ونشر حكايات هذا الكتاب لبثها عبر مجتمعاتنا المسلمة، جهداً تخريبياً.
ولكن على الرغم من أن تلميذي المحترم أعلاه، السيد جمال البدري، قصد إبعاد «شبهة» تأليف (ألف ليلة وليلة) عن العرب، إلا أنه وقع ببحثه أعلاه في شرك الشوفينية الذي وقع فيه العشرات من جهابذة القيادات الجامعية العربية وباصرار، للأسف.
إن المنهج الأساسي في حقل الدراسات الأدبية واللغوية المقارنة يعتمد أخذ الباحث عملين أو عدد من الأعمال التي تبدو له متوازية فكرياً أو لغوياً، على سبيل دراستها بدقة لوضع اليد على مكامن التشابه وعلى مكامن الاختلاف. وعندما يستجمع الباحث كافة نقاط الاختلاف والتطابق، يمكن له أن يقارن بدقة، بعد أن يلوذ بخبرات أحد الإحصائيين لتشكيل جداول مقارنة إحصائية تقارن بين المتوازيات وبين المختلفات على سبيل استخلاص نسب رقمية نهائية، بعيداً عن الوقوع في متاهة الأصول والتأصيل فقط.
وللمرء أن يتكيء على وسادته الآن، مطمئناً بأن الثقافة الآدمية إنما هي مزيج من عشرات وربما مئات وآلاف الروافد التي تصب في نهر واحد: من الصين الى مصر، ومن المغرب الى عُمان.

إلى الأعلى