الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العدوان التركي وأحلام الغزاة

العدوان التركي وأحلام الغزاة

كاظم الموسوي

حاولت الإدارة الأميركية أن تنأى بنفسها إعلاميا عن التغلغل التركي في الأراضي العراقية إلا أن السفارة الأميركية في بغداد أصدرت بيانا وضحت جانبا، ذكرت عن اتصالات نائب الرئيس الأميركي جو بايدن الهاتفية مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بعد رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، مبينة أن «الجانبين تناولا انتشار القوات التركية التي تم مؤخرا في شمال العراق دون الحصول على موافقة مسبقة من الحكومة العراقية».
تغلغلت قوات عسكرية تركية مؤللة داخل الأراضي العراقية وعسكرت في معسكرات عراقية تابعة لمحافظة نينوى دون علم أو موافقة أو تنسيق مع الحكومة العراقية المركزية. واختلف حول تاريخ وعدد وطبيعة القوة وتباينت الأعداد والتصريحات حولها من الجهات الرسمية التركية، خصوصا من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومته احمد داوود أوغلو ومسؤوليها العسكريين. مفهوم أن هذا التغلغل العسكري وبهذه المواصفات، يعني في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، عدوانا على بلد جار وغزوا وتدخلا سافرا في شؤونه وانتهاكا واضحا لاستقلاله وإساءة صريحة للعلاقات الدولية وحسن الجوار ايضا. وطالبت الحكومة العراقية رسميا تركيا بالانسحاب الفوري واحترام السيادة الوطنية والقانون الدولي. تركيا ادعت بأنها ستسحب قواتها مشفوعة بتبريرات مخادعة تنم عن أهداف ومقاصد أخرى، فضحتها عمليا مناوراتها في عملية التغلغل وخدعة الانسحاب. وحاولت بشتى الأساليب تبرير او التضليل حول عمليتها العسكرية وصفقاتها مع الجهات التي زعمت الاتفاق معها فيها. وهي تحاول ان تكشف في عملها هذا استفزازا وتجاهلا، فضلا عن غزو يعبر عن احلام لا محل لها في ظل تطورات المنطقة السياسية والصراعات المحتدمة فيها ويفضح مشاركة تركيا وقيادتها الحالية في تأزيمها وتأجيج النيران فيها. كما أن مثل هذا العدوان العسكري يبين أن تركيا تعمل عن صناعة مشاكل وحروب وصدامات لأهداف عديدة، أبرزها محاولتها تغطية أزماتها الداخلية وأخطائها المتفاقمة جراءها وفشلها في رسم سياسات خارجية طبيعية وإصرارها على ترتيب توترات ونزاعات متعددة العناوين وحدودية وخارجية تربك التعاون والسلم والأمن الإقليمي والدولي. وإذا كانت مستغلة عضويتها في حلف شمال الأطلسي وأحلامها المتوارثة والمستجدة فإنها بأعمالها هذه تجر حلفاءها معها في اتون صراعات وحروب ودمار وخراب لن يفيدها استراتيجيا ولا يعزز الثقة بسياساتها التي وصفت من قبل أصدقائها وحلفائها بأنها متهورة ومتغطرسة.

تصريحات المسؤولين الرسميين في تركيا حول العدوان وطبيعته تخدع شعبها وتكذب عليه وعلى الرأي العام الإقليمي والدولي وتصب في خدمة مصالح لن تكون في صالحها أو جيرانها. فقد أكدوا أن قواتهم المنتهكة للقوانين والأعراف والعلاقات، وفق ما قاله رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، كانت قد تغلغلت على أساس اتفاق واستشارات وأن المعسكر الذي دخلته تأسس «لغرض تدريب المتطوعين المحليين ضد الإرهاب». وهو أمر يثير أسئلة كثيرة ويكشف نفاقا سياسيا وتخادما استعماريا. والدليل عليه ما اعتبره رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، عدوانا، وصرح بأن «كل الخيارات متاحة» أمام بلاده بما في ذلك اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي ما لم تسحب أنقرة قواتها من الموصل. وحسب وكالات الانباء ورغم تناقض التصريحات فان ما جاء في الاخبار المنشورة (ايلول/ سبتمبر وبعده) ما يشير الى ان تركيا قد ادخلت نحو 1200 جندي من قواتها مزودين بالدبابات والمدفعية و3 مروحيات في منطقة بعشيقة (أكثر من مائة كيلو متر بعيدة عن الحدود التركية العراقية) مؤخرا بذريعة أن الهدف هو «تدريب مجموعات تابعة لسياسيين عراقيين بينهم محافظ الموصل السابق، وبزعم التصدي لتنظيم داعش»(!)، في الوقت الذي تؤكد تصريحات رئيس الحكومة والخارجية العراقية أن «وجود القوات التركية ليس محل ترحيب ويجب أن تنسحب». وفي محاولة للتمويه، أقدمت تركيا على تحريك بعض وحداتها من منطقة بعشيقة باتجاه منطقة امرلي في إشارة الى بدء انسحاب هذه القوات، لكن الرئيس اردوغان ورئيس الحكومة اوغلو ينفيان ذلك ويزعمان أنه لا خطط للانسحاب من الأراضي العراقية. فكيف يستقيم هذا مع التحركات وللتنقلات وعلى من تضحك قيادة انقرة؟!.
الحكومة العراقية مارست سياسة ودبلوماسية متواصلة لتوضيح ما حصل والتأكيد على حق العراق الصريح بالاجراءات التي يقوم بها تدريجيا والتي تتناسب وما يقابلها من الجانب التركي، وسط غضب شعبي واسع وتحذيرات من التصدي لها بقوة السلاح. فأعلنت رسميا مطالبتها بالانسحاب الفوري، وكذبت الادعاءات الرسمية التركية وأكدت على حقها في تقديم رسائل شكوى قانونية وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وجامعة الحكومات العربية، واستخدمت علاقاتها الدبلوماسية واتفاقيتها مع الولايات المتحدة الأميركية وغيرها في معالجتها لهذا العدوان السافر. مؤكدة أن تركيا انتهكت سيادة ووحدة وسلامة أراضي العراق وطالبت المنظمات الدولية والإقليمية،حسب مواثيقها، بإصدار أوامر لتركيا بسحب قواتها، والتأكد بكل الوسائل المتاحة على انسحاب تلك القوات على الفور ودون شروط إلى حدود البلدين المعترف بها دوليا. ودعا العراق، مجلس الأمن الدولي إلى أن يطالب تركيا بعدم تكرار مثل هذا الانتهاك مرة أخرى كونه مخالفا لميثاق الأمم المتحدة ومضرا بالعلاقات الدولية ويعرض الأمن الإقليمي والدولي لإخطار جسيمة.
حاولت الإدارة الأميركية أن تنأى بنفسها إعلاميا عن التغلغل التركي في الأراضي العراقية إلا أن السفارة الأميركية في بغداد أصدرت بيانا وضحت جانبا، ذكرت عن اتصالات نائب الرئيس الأميركي جو بايدن الهاتفية مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بعد رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، مبينة أن «الجانبين تناولا انتشار القوات التركية التي تم مؤخرا في شمال العراق دون الحصول على موافقة مسبقة من الحكومة العراقية». مشيرة إلى أن «الجانبين أكدا على أن وجود أية قوات أجنبية في العراق يمكن أن يتحقق فقط من خلال التنسيق مع الحكومة العراقية وبعد موافقتها». وأكد نائب الرئيس الأميركي، بحسب البيان، «التزام الولايات المتحدة مجددا بحفظ سيادة العراق وسلامة أراضيه»، داعيا تركيا إلى «القيام بالأمر ذاته عن طريق سحب أية قوات عسكرية لها موجودة على الأراضي العراقية من دون موافقة الحكومة العراقية». وشدد بايدن على ضرورة استمرار الحوار بين العراق وتركيا للتوصل إلى حل أي مشكلة عالقة بروح من التعاون المشترك. (من نص البيان وفق نشره)!
فهل تسمع القيادة التركية ذلك؟. اتفاق عام على أنه عدوان وغزو غير مقبول ولا ينفع معه الخداع والتضليل ولن يكون مساحة أخرى لأحلام الغزاة بعد كل ما حصل وجرى في العراق والمنطقة!.

إلى الأعلى