الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بعد تغير طبيعة وأدوات الحرب… هل تتغير طريقة التعاطي معها؟

بعد تغير طبيعة وأدوات الحرب… هل تتغير طريقة التعاطي معها؟

السيد عبد العليم

.. اللافت أن هذا القرن الجديد لم يأت بأشكال جديدة من الصراعات المسلحة والمحاربين فقط ، بل أتى بالأسلحة الأكثر فتكا والأكثر تدميرا وحصدا للأرواح. فقد صار هناك المتفجرات التي تتم صناعتها في المنازل والطائرات بدون طيار والحروب الالكترونية عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، كما صار الانتحاريون أكثر الأسلحة ازعاجا وأكثرها انتشارا وفتكا في صراعات عالم اليوم.

لعل القرن الـ20 كان أكثر القرون دموية في تاريخ البشرية، وإن كان القرن الـ21 يتجه ليتفوق عليه في ظل اتساع رقعة الحروب والتطور غير المسبوق في أنواع الأسلحة المستخدمة.
لقد قامت الحرب في البداية بسبب تصارع بني الإنسان على موارد الحياة، فكان القوي يقتل الضعيف. ثم صار القوي يستعبد الضعيف بدلا من قتله ليستفيد منه. ثم تطورت الحرب لتكون بين قبائل ثم بين مدن ثم بين امبراطوريات أو بين بلدان حتى كانت الحربان العالميتان الأخيرتان. ثم كان التطور الأحدث في الحروب المتمثل في وجود جماعات مسلحة تستخدم السلاح في مواجهة نظام الحكم في نفس البلد. ثم ظهرت جماعات متشددة تقوم بهجمات في بلدان متفرقة. ولعل الأحدث في ذلك أو بالأحرى الأشهر هو تنظيم «داعش» الذي أعلن الحرب على دول وعلى ديانات وعلى طوائف بل وعلى جماعات مثل حماس وحزب الله وغيرها ويزيد من قوة هذا التنظيم استيلاؤه مؤخرا على أجزاء شاسعة من العراق وسوريا وانتشاره في عدد آخر من البلدان بإعلان تنظيمات متشددة مثل تنظيم بيت المقدس في سيناء بمصر وبوكو حرام في نيجيريا وغيرها البيعة له. وبإعلانه مسئوليته عن هجمات دموية أودت بحياة العشرات لعل أحدثها هو هجمات باريس التي خلفت عددا كبيرا من القتلى والجرحى في سبع هجمات متزامنة خلال دقائق.
أي أن الحرب التقليدية المعروفة بمواجهة جيش نظامي لدولة ما، لجيش نظامي لدولة أخرى في صراع عسكري لم يعد قائما إلى حد كبير. بل صار الأمر في أغلب الصراعات هو تصارع أو قتال جماعة أو جماعات مسلحة من داخل الدولة يترتب عليه في كثير من الأحوال تدخل خارجي بدعم طرف ضد طرف آخر. بعبارة أخرى فإن الحروب لم تعد حكرا على الجيوش النظامية وحكوماتها بل دخل فيها طرف آخر غير نظامي وهو الجماعات المسلحة. بل إن الجماعات المسلحة بدأت تأخذ مكانة بعض الجيوش التقليدية في المنطقة العربية. فقد انهارت ثلاثة جيوش عربية دفعة واحدة وهي الجيش العراقي واليمني والليبي أمام الجماعات المسلحة. فقد باتت جماعات عصائب أهل الحق وقوات بدر وجيش السلام (المهدي سابقا) أقوى من الجيش العراقي النظامي وكذلك الحال بالنسبة لقوات البشمركة الكردية، وجماعة أنصار الله الحوثية في اليمن وحزب الله في لبنان.
وبعد أكثر من عقد من الزمن على وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، لاتزال الأفكار السائدة بشأن طبيعة التهديد وأسبابه وأفضل السبل لمواجهته غير واضحة. فقد فشلت الحرب الأميركية على الارهاب إثر تلك الجمات فشلا ذريعا. وتكبدت فيها الخزانة الأميركية تريليونات الدولارات وأكثر من 6 آلاف جندي قتيل في حروبها في العراق وأفغانستان.
واللافت أن هذا القرن الجديد لم يأت بأشكال جديدة من الصراعات المسلحة والمحاربين فقط، بل أتى بالأسلحة الأكثر فتكا والأكثر تدميرا وحصدا للأرواح. فقد صار هناك المتفجرات التي تتم صناعتها في المنازل والطائرات بدون طيار والحروب الالكترونية عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، كما صار الانتحاريون أكثر الأسلحة ازعاجا وأكثرها انتشارا وفتكا في صراعات عالم اليوم.
صحيح أن استخدام الانتحاريين ليس بالسلاح الجديد فقد استخدم من قبل على يد عدد من الطيارين العسكريين اليابانيين في الحرب العالمية الثانية. لكن في الفترة من 1982 حتى يونيو 2015، وقع 4620 هجوما انتحاريا حصد أرواح 45 ألف شخص.
كما أن هناك ذلك السلاح الذي يستخدم بشكل متزايد ومتكرر وذات التأثير الهائل وهو العبوات الناسفة وهي عبارة عن قنابل منزلية الصنع عادة ما يتم زرعها قرب موقع مروري مزدحم ويتم تفجيرها عن بعد بهاتف خلوي أو مفتاح باب. كما أن هناك الألغام الأرضية التقليدية التي تعد من الأسلحة الحربية الخاصة بترسانات الجيوش في كل مكان، والمسئولة في العراق وأفغانستان عن حصد أرواح أعداد كبيرة من الضحايا. فضلا عن ذلك، فان العبوات الناسفة التي في العادة ما تتم زرعها في الطريق بانتظار مرور مركبة أو رتل من الجنود لتنفجر فيهم عن طريق إشارات يتم التحكم فيها عن بعد، بات يتم ربطها على جسم الانتحاري وتصبح تلك القنابل التقليدية سلاحا مدمرا وفعالا كما حدث في هجمات باريس الأخيرة.
زد على ذلك أن هناك من الأسلحة الحديثة، الطائرات بدون طيار التي يتم توجيهها بجهاز التحكم عن بعد. والتي تم استخدامها في إطلاق قذائف استهدفت أغلب قادة تنظيم القاعدة وحركة طالبان وداعش الذين تم قتلهم حتى الآن. وعلى الرغم من أن المستخدم الوحيد لهذا السلاح حتى الآن هو الجيوش المتقدمة تقنيا في العالم وبصفة الخاصة الولايات المتحدة، إلا أن المسألة مجرد وقت حتى تشرع الجماعات المسلحة في استخدام الطائرات بدون طيار الحربية. كما أن توليفة من العبوات الناسفة والطائرات بدون طيار تمثل سلاحا جديدا قويا للإرهابيين.
ثم هناك ما يعرف بالحرب الالكترونية، حيث أغلب جيوش العالم الآن لديها أفراد ومنشآت مخصصة حصريا للدفاع عن البلد ضد الهجمات الالكترونية وللتجسس من أجل الهجوم الالكتروني على البلدان الأخرى. ومن المحزن ان الجماعات الارهابية قد تعلمت استخدام الانترنت في تنسيق وتمويل عملياتها فضلا عن تجنيد أفراد لها على مستوى العالم ونشر فكرها وبث بياناتها الدعائية عبر الشبكة العنكبوتية.
اللافت هو أن هذه الأسلحة الأربعة سالفة الذكر تشترك في أنها لم تعد حكرا على الجيوش النظامية وحكوماتها. في الماضي كانت أهم وأكثر أسلحة فتكا تحت سيطرة القوات المسلحة النظامية وحكومات الدول. لكن ربما لم يعد هذا موجودا الآن. وذلك أنه صار بإمكان أي شخص تقريبا شراء طائرة بدون طيار من على الانترنت. كما يمكنه الحصول على تعليمات بشأن صناعة متفجرات في المنزل عبر الانترنت أيضا. ومن ثم فيمكن للإرهابيين الوصول الى ذلك. بل إن لدى الجماعات الإرهابية القدرة على الوصول إلى الأشخاص الراغبين في تنفيذ عمليات انتحارية وهو الأمر غير المتاح للجيوش النظامية.
فضلا عن ذلك، فإن هناك أسلحة كيماوية موجودة أو موجود بقاياها في سوريا والعراق وليبيا، وهناك خبراء عراقيون من النظام السابق في صفوف داعش، ويمكن أن يتطوع بعضهم في انتاج هذه الأسلحة، ولن يتورع التنظيم عن استخدامها لإضافة مزيد من التوحش على سياسته.
كما أن هناك الابتكار من قبل المقهورين والمغلوبين على أمرهم في مواجهة آلة البطش والقتل النظامية كما يظهر ذلك جليا في الحالة الفلسطينية. فاسرائيل لديها واحد من أقوى الجيوش وأحدث الأسلحة والتقنيات العسكرية، لكنها برغم ذلك وقفت عاجزة أمام العمليات الاستشهادية من قبل الفلسطينيين. والآن تقف عاجزة امام عمليات الطعن بالسكين او الدهس بالمركبات التي يقوم بها الفلسطينيون كوسيلة للمقاومة. بل ان حجر المقاوم الفلسطيني لدبابات ومجنزرات ورصاص الاحتلال أوجعها بشكل دفع بقوات الاحتلال الى استصدار قانون لتجريم ومعاقبة الأطفال والشباب الفلسطيني الذي يرميهم بالحجارة!
أي إن الحروب لم تعد مهمة الحكومات فقط ، بل دخل فيها أفراد وجماعات أخرى. وبناء عليه فعلى الدول في عالم اليوم إعادة التفكير في الحرب والمقاتلين والأسلحة والاستخبارات والتجسس. بمعنى آخر فإن قواعد الحرب قد تغيرت ومن ثم فانها تحتاج الى تغيير في التفكير وآلية التعاطي معها.
فلم يعد العدو من بعيد او من خارج حدود الدولة بل صار قريبا من داخلها. وبات المطلوب إعادة النظر في صفقات الأسلحة التقليدية التي يتم شراؤها بالمليارات ربما بلا فائدة وقد لا يتم استخدامها على الاطلاق. وان كانت تلك الصفقات تساعد في تحقيق ثروات طائلة من خلال المدفوعات التي تتم على شكل عمولات لصناع القرار والوسطاء ومرتبي الصفقات. فقد صار من السهل اختراق منظومة المعلومات وتعطيل أجهزة حساسة في البلد عن طريق القراصنة عبر الانترنت. وصارت المنشآت التي تمثل عصب الحياة للدول مثل محطات المياه والكهرباء والغاز ومحطات الطاقة النووية وغيرها، معروفة أماكنها وواضحة. وحال تم استهداف مثل تلك المنشآت فإن ذلك سيؤدي إلى شل ذلك البلد. أي تكون خسرت الحرب قبل ان تبدأ. ومن هنا تكون الحاجة للتفكير في الحروب الحديثة وكيفية التعاطي معها ليس بالشكل التقليدي. بل بما يواكب التحديات الحربية الحديثة، ريثما تتحقق أحلام وآمال الشاعر جميل صدقي الزهاوي: ■
سيهذب المستقبل الإنسانا حتى يَكون أبرَّ مِمّا كانا

حتى يبدل من خصومته رضا ومن القساوة رأفةً وحنانا.
حتى يوالي غيره في أَرضه حتى يرى كل الورى إخوانا.
حتى يَكون الناس أَجمعهم يداً تجنى الثناء وتزرع الإحسانا.

حتى يكون البعض مسعد بعضهم وَجميعهم لجميعهم أَعوانا.

إلى الأعلى