الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عام نتمنى أن يكون جديداً.. عامكم سعيد

عام نتمنى أن يكون جديداً.. عامكم سعيد

علي عقلة عرسان

نهاية عام وبداية عام، لكن الزمن سَيّال لا يعرف الانقطاع، كرُّ الليل والنهار، بين ضَحَى وسَجَى.. لا فواصل في الزمن، ولا يمكن أن تكون، إنه مثل تيارات الهواء في الأرض والفضاء، ومثل جريان الماء في عروق من الأرض، وتموجاته في المحيطات والبحار.. ويتراءى لك مثل سماوات طباقاً خلقها بديع السماوات والأرض، سبحانه، « فارجع البصر، هل ترى من فُطور»؟!

غداَ نهاية عامٍ ميلاديّ، وبعد غدٍ بداية عام ميلاديّ آخر.
يوم غدٍ يؤرخ لعام مضى، حفل بفيضانات الدم، ومساحات دمار العمران، وبوحشية البشر، وباقتتال شرس، الارتهان فيه لغير الذات والعقل والدين، والضمير، والصالح العام..
وهو مسكون بتآمر وتواطؤ وقصور مذهل للحكمة، والرؤية، والمسؤولية بأبعادها، وأصنافها، وبتطورات سياسية وعسكرية غير محكومة بقيم وقانون، وبفتنة مذهبية، « سنية شيعية»، وأخرى طائفية، وثالة عرقية، وبما هو على شاكلة ذلك من فتن، ومسكونة بالخداع السياسي المعهود، وبصراعات إقليمية ودولية، تجري في بلدان عربية على الخصوص، من أجل إضعافها واستتباعها والسيطرة عليها.
وعلى رأس ما حفل به عام ٢٠١٥ الميلادي: مآسٍ لا حصر لها لسوريين وعراقيين ويمنيين وليبيين وفلسطينيين، في وطن العرب، ولمنسيين مسلمين وغير مسلمين، في آسيا وإفريقية، منهم الروهنغا في ميانمار، وأكثر أولئك هم من أبناء الأمتين العربية والإسلامية.
ومن تلك المآسي: موت الآلاف تحت ردم البيوت التي دُمِّرت وتدمَّر على رؤوس ساكنيها، وتهجير الناس من بيوتهم، ومناطقهم وبلدانهم، ليعيشوا تحت البرد، والمطر، والثلج، في مناخ خوف وجوع، في مخيمات النزوح واللجوء، وفي كهوف ومغاور..
وغرق أبرياء في مياه البحار، وهم يهربون من موت إلى موت، يحدوهم الأمل بنجاة وعيش آمن، في بلدان غير بلدانهم، بعد أن انقطع كل أمل لهم في أوطانهم.
ومن يصل منهم إلى شاطئ بلد، ناجياً من الغرق، يقطع مسافات الهول، ليصل إلى معسكر ذل، يقيمه إنسان لإنسان..
مع استثناءات بسيطة، تستحق الذكر، منها ما لاقاه الذين رحَّبت بهم كندا، أفضل ترحيب، بحس إنساني وأسلوب حضاري، ومنهم أيضاً فصيل كبير ممن آوتهم ألمانيا، بجهود السيدة ميركل.
ومن فصول البؤس التي لا تُنسى، في عامنا الراحل، عام ٢٠١٥، الحرائق لاحقت الروهنغا المسلمين في ميانمار، والتشرد، والحصار، والتضييق عليهم في السكن، والخبز، والماء، والدواء..
وحتى التحكم في علاقاتهم الاجتماعية البَيْنيّة مثل الزواج..
وذلك ينطبق على أقليات مسلمة أخرى في آسيا وإفريقية، لا تصل إلينا أخبار مآسيهم.
أما الفصل المأساوي المتجدد عاماً بعد عام، للشعب الفلسطيني، فهو في هذا العام الذي يلفظ أنفاسه، ذو خصوصية من حيث الخطر، والتهديد، والوعيد.
فإضافة إلى الحصار، والقتل، والسجن، والاعتقال، ونهب الأرض، والتهويد، والتهديد، وكل ذلك وغيره مما يلاقيه الشعب الفلسطيني، من المحتل الصهيوني لوطنه الأصلي فلسطين، يتعرَّض الفلسطينيون لممارسات أبشع وأخطر وأفظع، في ظل التفتت العربي، والضعف القتَّال، وهمجية الاقتتال، ومفرزات ونتائج ما يُسمى « الربيع العربي» على الأمة بأكملها..
وفي ظلال الأطماع الدولية، والتواطؤ المكشوف مع الصهيونية وكيانها الإرهابي العنصري «إسرائيل»، ذلك التواطوء الذي تتسابق على إظهاره دول كبرى، ودول أخرى تابعة لها، تأتمر بأمرها، وتسير خلفها بعماء، ومنها دول عربية للأسف الشديد..
هناك اليوم، إضافة إلى كل ما كان واستمر، توعّد صهيوني للفلسطينيين بالطرد من كل فلسطين، ليحصل اليهود على ما يسمونه « إسرائيل الكبرى» التي يقول متطرفوها وإرهابيوها المعلنون، في حملة افتراء وكذب جديدة « «إن زعماءهم باعوها للعرب؟!»، فاعجب من أباطيل هي العجب، بعد أسطورة الوعد الإلهي، وأكاذيب المحرقة، وأرض بلا شعب لشعب بلا أرض؟!..
وهناك مسلسل الإبادة المنظمة البطيئ، الذي تنفذه دولة العنصرية والإرهاب « إسرائيل»، تحت سمع العالم وبصره، منذ عقود من الزمن.
وهي تطلق على الفلسطينيين اليوم، بقوة وشدة، حملة جديدة في مسار الطرد والإبادة، حيث ترسل أتباع كاهانا حي، وباروخ جولد شتاين، قاتل المصلين الفلسطينيين وهم سُجَّد في مسجد خليل الرحمن في مدينة الخليل، وكلاب شارون، ممن يُسمون « شباب التلال»، ترسلهم في هذه المهمة، مهمة القتل والطرد، إلى الضفة الغربية والجليل، محميين بشرطة، وجيش، وساسة، وحاخامات..
ويقوم أولئك المجرمون بعدوانهم وإجرامهم، من دون مساءلة، ويقدمون أنفسهم وأهدافهم وأساليبهم علناً، حيث يقيمون احتفالات وأعراساً على أنغام الانتقام من الفلسطينيين، الذين يطالبون بدولة لهم على جزء من وطنهم المغتَصَب، ويعلنون عن عزمهم على طرد الفلسطينيين من كل فلسطين، ويرقصون على كلمات أغاني « دوف شورين» العنصرية المقيتة، وهتافات «الموت للعرب»، ويطعنون طفل الدوابشة، الذي أحرقوه مع عائلته في دوما، بسكاكينهم..

في طقس رقص وغناء وهياج شيطاني عنصري همجي، يباركه حاخامات «إسرائيليون»، يحرضون أولئك الارهابيين المجرمين على المزيد من أفعال الحرق والقتل والإرهاب، ويسمونهم « المباركون؟!»..
ومن ثم ينتشر أولئك في الضفة الغربية، بصفة مستوطنين، يقتلون الفلسطينيين، ويحرقون محاصيلهم، ويطردونهم من أرضهم، ويقيمون المستوطنات على رؤوس التلال، وحيثما أرادوا.؟! من غير أن يُسمّوا إرهابيين، فعند نتنياهو ودولته العنصرية، هناك فرق بين إرهاب وإرهاب، ولا يجوز أن يُسمى اليهودي – الصهيوني إرهابياً، كما قال في جلسة رسمية.؟!..

وذلك الطقس الشيطاني العنصري، الذي يقيمه «شباب التلال» كما يُسمَّونهم، ويباركه حاخامات كثر في الكيان الصهيوني، يقدِّم حقيقة الصهيونية العنصرية، بشقيها الديني والعلماني، في فلسطين المحتلة وفي مواقع وبلدان كثيرة من العالم الغربي وروسيا الاتحادية، يقدِّمها على حقيقتها، بوصفها إرهاباً عقائدياً منظماً، في كيانٍ إرهابيّ يسمى دولة..
ويقدم إيديولوجيا الإرهاب والعنصرية اليهودية – الصهيونية، على أنها أصول دينية لليهودية، التوراتية – التلمودية، التي ينبغي العودة إليها، والعمل بها، ضد الشعب الفلسطيني، والعرب، والمسلمين، والإسلام؟! فأية «ثقافة»، و» أية « تربية»، و»أية أخلاق»، وأي دين»، وأي فصيل بشري متخلّف هذا الذي يشبه الديناصورات البائدة، تنبعث من تاريخ ما قبل التاريخ، والوثنية، والكتابة، والثقافة، والحضارة..
ويغزو أرض الكنعانيين العرب، والقدس العربية المباركة، بمساجدها وكنائسها، وعقيدَةَ العرب، مسيحيين ومسلمين.؟!.
وفي عام ٢٠١٥ الذي يغادرنا، الكثير الكثير من المآسي، مما لا يمكن الإحاطة به في مثل هذا المقام.
لكنه عام، يبقى في الحلقة الموصولة للزمن، أو في تياره الذي لا يمكن أن تفصل ذرة عن ذرة من تتالي مائه وهوائه.
يوم بعد غدٍ بداية عام جديد، العام ٢٠١٦، ولا نظن أنه سيختلف كثيراً عن عامنا الذي انقضى، من حيث ما ينتظرنا من استمرار لما كان في سلفه، مع احتمالا لتطورات، ومتغيرات، ومستجدات..
إلخ، قد نخمِّن، ونستقرئ، ونتقَرَّى بعضها باليد، في ضوء ما مضى، وما تقرر، وما وُعدنا به من فعل وإنجاز، لكن حقائق الأمور ومجرياتها وتطوراتها، فلا يعلمها إلا الله.
فهل ترانا نصل إلى وقفٍ لإطلاق النار في سورية؟ وهل ترانا نصل إلى اتفاق على مرحلة انتقالية، وحكومة تقودها بوئام، ووئام، واتفاق، ومسؤولية عن وطن يحترق، وشعب يتدابر ويفترق، وكأنما يعتزل بعضُ جلده، بعضَ لحمه..؟! والصورة التي انطبعت في أذهاننا، في أواخر هذا العام المنصرم، ليست بهية، ولا مبشِّرة..
حيث وقفنا فوق تربة الجغرافيا الوطنية السورية، في لحظة مأساوية، تتداخل فيها تفاصيل الإنساني مع « الكابوسي» المأساوي، لنرى أمامنا ترحيلاً سكانياً، أو إعادة توطين سوريين، في حركة سياسية – اجتماعية، ذات دلالات سلبية، يعلم الله وحده مداها..
وقفنا ذاهلين نكتشف: كيف أصبحت إنطاكية أقرب إلى الزبداني ومضايا من دمشق، وكيف أصبحت بيروت أقرب إلى الفوعا وكُفريَّا من إدلب أو من حلب؟! بل لنكتشف، في ذهول أشد، كيف يمكن أن ينتقل المرء بأمن من دمشق إلى اللاذقية، بينما لا يستطيع أن يفعل ذلك بين دمشق ودوما، أو جوبر، أو مخيم اليرموك؟! لا بد من علْم يجافي منطق العلم، بالمسافات، والجغرافية، والأبعاد « الزمكانية» لكي يستوعب المرء ذلك؟! السياسة وحدها تُشقْلب القائم، والقاعد، والقواعد، والقوانين، والمستقر في الأذهان من المسلمات والبديهيات العلمية..
والسياسة وحدها تستطيع أن تغير العلاقات بين الناس، فتقلبها رأساً على عقب، أو عقباً على رأس..
فيبقى الإنسان كياناً متماسكاً لكنه مقلوب، أو مائل، أو عائم، أو زاحف..
لا يعرف لماذا وكيف، ولكنه يتكيف مع ما يوضع فيه من قوالب، ويستمر في داخله الخوف، أما الدهشة الحميدة فلا وجود لها.
علينا ألا نذهب بعيداً، فنحن أمام سياسة فرضتها التعاسة، فبدأت مرحلة، نسأل الله في أن نكون مخطئين تماماً في تشخيصها أو في مجرد التفكير بتكررها، مرحلة إعادة توطين سكان سورية، في وطنهم، لكن حسب المذاهب، والولاءات، والمعسكرات المتقاتلة، وربما العشائر، والتكوين الاجتماعي والسياسي الضيق..
وربما مقاربة مرحلة تفضي إلى تنفيذ مشروع تقسيم « مطلوب»، أو ما يشير إلى تقسيم جغرافي أو إداري – سياسي هو مقدمة لذلك التقسيم المطلوب الذي هو جزء من مشروع صهيوني – غربي..
فأول الرقص « حَنْجَلَة» كما يقولون.
نهاية عام وبداية عام، لكن الزمن سَيّال لا يعرف الانقطاع، كرُّ الليل والنهار، بين ضَحَى وسَجَى..
لا فواصل في الزمن، ولا يمكن أن تكون، إنه مثل تيارات الهواء في الأرض والفضاء، ومثل جريان الماء في عروق من الأرض، وتموجاته في المحيطات والبحار..
ويتراءى لك مثل سماوات طباقاً خلقها بديع السماوات والأرض، سبحانه، « فارجع البصر، هل ترى من فُطور»؟!
البشر وحدهم يتخذون لهم في الزمن، ومن الزمن، مواقيت، وتواريخ، وبدايات، ونهايات..
يُسمونها ويَنسبونها ويحسبونها، فـ « الشمس والقمر بِحُسْبان»..
والبشر يقررون ويقدرون، لكن «يقدِّرون وتضحكُ الأقدَارُ»، لكنهم في مخاضاتهم السنوية أو حتى العمْرية، لا ينتهون إلى غاية، فالآلُ يُغري، والهَوى مِسْفارُ..
والنفس راغبةٌ إذا رغَّبْتها فإذا تُردّ إلى قليل تَقنعُ لكنهم قلة أولئك الذين يردُّونها إلى القليل، وقلة أولئك الذين يجعلونها تقنع، ومن ثم يستطيعون التحكم بجنوحها، إن هي جنحت من بعد كبح وإقناع..
ومنهم جَدُّنا الهُذلي، أبو ذؤيب، الذي قال ما قال، وتاق إلى تغيير الحال، وإلى أمل ما، وفضاء ما من بعد بلبال وانشغال بال..
لكنه وجد نفسه، يقول، كما قالت جَنُوبُ في رثاء أخيها عَمرو:
كل امرئٍ بطوال العيش مكذوبُ وكل مَن غالبَ الأيامَ مغلوبُ وجد نفسه يقول:
وإذا المنيةُ أنشبت أظفارها ألفيتَ كل تميمةٍ لا تنفعُ لا بدَّ من تلفٍ مقيمٍ فانتظر أَبِأرضِ قومك أم بأخرى تُصرَعُ والدهر يحمل المنية، وما الدهر إلا العام بعد العام، وكرّ الليل والنهار، وتيار الهواء والماء من دون فصل لذرة عن ذرة..
لكن من ذا يضمن، أو من تراه يحظى، بعامٍ، وليس بعمر، لا مأساة فيه، لا تنغيص فيه، لا بؤس فيه؟! ومن ذا الذي منا، نحن المصابين بأوطاننا، من الذي لا يجد في نفسه مصداق قول دُويرِ بنِ دُؤالة العُقَيْليّ «:
أَسجناً، وقيداً، واغتراباً، وعُسرةً، وذكرى حبيبٍ، إن ذا لعظيمُ وأتمنى لكم عاماً جديداً سعيداً.

إلى الأعلى