الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أخلاقيَّات المال في الإسلام

أخلاقيَّات المال في الإسلام

قيس بن خليفة الخزيري
الحمد لله الذي شرَّفنا بجعلنا أمة الأخلاق والصلاة والسلام على أفضل الخلق وأكملهم أخلاقاً، محمد (صلى الله عليه وسلم) وصحبه وأجمعين، أما بعد:
رُوي عن أَبي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ:(افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلا فِضَّةً، إِنَّما غَنِمْنا الْبَقَرَ وَالإِبِلَ وَالْمَتاعَ وَالْحَوائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) إِلى وادي الْقُرى وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقالُ لَهُ مِدْعَمٌ، أَهْداهُ لَهُ أَحَدُ بَني الضِّبابِ؛ فَبَيْنَما هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) إِذْ جاءَهُ سَهْمٌ عائِرٌ حَتّى أَصابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ فَقالَ النَّاسُ: هَنيئًا لَهُ الشَّهادَةُ فَقالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): بَلى وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتي أَصابَها يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغانِمِ لَمْ تُصِبْها الْمَقاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا فَجاءَ رَجُلٌ، حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، بِشِراكٍ أَوْ بِشِراكَيْنِ، فَقالَ: هذا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: شِراكٌ أَوْ شِرَاكانِ مِنْ نارٍ).
والشملةُ كما في المعجمِ: كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ يُتَغَطَّى بِها، والشراكُ: الحبلُ الذي يُربط بهِ النعلِ، هل رأيتم أيها القراءُ كيف أن أخذهُ لبعضِ المال قبل تقسيمهِ فوتَ عليهِ الجنةً ونعيمَها؟ المالُ مسألتُهُ عظيمةٌ ووردَ في كثير من الآيات والأحاديث التشديدُ عليهِ، حتى التوبة منه لا بد أن تكون برد المظالم إلى أهلها فقد وردَ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(الذُّنُوبُ عَلَى وَجْهَيْنِ: ذَنْبٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ ، وَذَنْبٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَصَاحِبِهِ ، فَالذَّنْبُ الَّذِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ إِذَا تَابَ مِنْهُ كَانَ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ ، وَأَمَّا ذَنْبٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ فَلا تَوْبَةَ لَهُ حَتَّى يَرُدَّ الْمَظَالِمَ إِلَى أَهْلِهَا)، بل الطامةُ الكبرى أن بعضَ الناس أضاف لأخذه للمال دون وجهِ حقٍ الكذبَ والأيمانَ المغلظةَ فيكون بذلك جمعَ بين الكبائرِ والعياذُ بالله، مَا أقسى تلك القلوب التي لا تخشى اللهَ ولا تخاف من أليم عقابهِ، كيف ينامُ ذلك الذي يحتالُ على الناس بالكذبِ واليمينِ الغموسِ قريرَ العينِ في الليل ألا يخاف أن تنزلَ عليه صاعقةُ أو يصابُ بمرض خطير، نسألُ اللهَ العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة ، وأن يجنبنا الحرامَ والظلمَ أنهُ وليُ ذلك والقادرُ عليه.
في خطبةِ الوداع وضعَ الرسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) خطوطًا عريضةً على بعض المسائل، خشيةً أن تقع الأمة فيها حيث قال: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ، نعم ذكر حرمة المال في خطبة الوداع البليغة ليبين خطورة الأمر، وحتى تأخذ هذه الأمة الإسلامية الدروس والعبر من الخطبة وتدرسها دراسة تحليلية منهجية.
إنَّ النظامَ الإسلامي نظام بديع ومتكامل جاء من قبل الشارع الحكيم، فإن أخذنا به في حياتنا سار بنا إلى درب الأمان، الكثير من البنوك العالمية أخذت شيئا من ضوابطه في تعاملها المالي بعد ما رأت النجاح الذي حققه البنك الإسلامي، قبل مدة ليست ببعيدة كنت أتابع مقطع لخبير الصيرفة الإسلامية عادل بن ناصر الحسني في مقابلة له في برنامج هنا عمان الذي قال: إن البنوك الإسلامية أرباحها هائلة جداً بالمقارنة بالبنوك التجارية، كذلك قال بأنه لا يوجد بنك إسلامي أعلن إفلاسه منذ أن قامت البنوك الإسلامية في العالم، بينما يوجد الكثير من البنوك التجارية أعلنت إفلاسها، وضرب مثالا في الولايات الأميركية وحدها أكثر من 200 بنك أعلن إفلاسه.
إن الإسلام حرم الكذب والسرقة والاحتيال والرشوة والربا وشهادة الزور والغش وغيرها لحفظ المال وصيانته وأمر بتوثيق الدين وكتابته حيث يقول الله سبحانه وتعالى:(يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ..)، كذلك أمر بعدم التبذير أو الإسراف (إن الله لا يحب المسرفين)، حتى مسألة انفاق المال واكتسابه لا بد أن تكون في حدود الشرع قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ : عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَا ضَيَّعَ مِنْهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ؟ وَعَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟).
نسأل الله أن يجنبنا الحرام والوقوع فيه وأن يبارك لنا في المال ويرزقنا من حيث نحتسب ومن حيث لا نحتسب.

إلى الأعلى