السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مهارات الإعراب ومتطلبات التحليل النحوي (1)

مهارات الإعراب ومتطلبات التحليل النحوي (1)

(دراسة تطبيقية على بعض النصوص اللغوية من القرآن الكريم والسنة المطهرة والشعر العربي)

سبق لنا أن نشرنا شيئاً يتعلق بآليات التحليل النحوي للنص اللغوي، وهي قضية يحتاج إليها الكثيرون من الأساتذة، وكذا الطلاب الذين يتعرضون للنظر النحوي للنصوص اللغوية والتدريب على فن الإعراب، وإتقان آلياته، حيث أرى من خلال متابعاتي لهم أنهم يتهيَّبون الولوج إلى قضايا الإعراب والنظر النحوي ويتهربون منها لأنهم إما أنهم يجهلونها وإما أنهم لم يقفوا على أدواتها، على الرغم من كونها سهلة، ميسورة، وتدخل تحت الطاقة والوسع، لو أحسنوا الطريق إليها، ودخلوا إلى هذه القضايا من أبوابها، فإن قواعد النحو، وفهمها تكون وسيلة إلى الجانب التطبيقي، ولما كانت معظم الدراسات المعاصرة تطالب بمزاملة ومسايرة الجانب التطبيقي إلى جار الجانب النظري حتى يؤتيَ العلم ثمرته، ويلبِّيَ رغبته، ويحققَ نهمته ومراده، جاء هذا العمل العلمي الذي يربط بين الجانبين: (النظري والتطبيقي).
ومن الجدير بالذكر هنا أن هذا الجانب النظري يكمن في ضرورة الوقوف على جملة من الآليات، وعدد من المهارات الإعرابية التي تأخذ بأيدي الشادِين في تعلم قضايا الإعراب، والوقوف على متطلباته، ومن ثم فألخص لهم هنا بعضا منها، عساه يتذكر ما سبق أن تحدثتُ فيه بشيء من الإسهاب، ولا أحب التكرار، إنما أختصره ليكون على ذكْر منه، وفقهٍ له، واستنان به.
ومن ذلك أهمية معرفة الأمور الآتية:
1ـ الوقوف على نوع الكلمة أولا:(اسماً، كانت أم فعلاً، أم حرفاً) حتى يتمكِن الدارس من تشريح النص، وبيانِ عملِ وحكمِ كلِّ كلمة فيه.
2ـ تحديدُ نوع الفعل تعدياً، ولزوماً، ومعرفةُ نوع المتعدي لأنه يترتب عليه إدراك الفواعل والمفاعيل سواء أتقدمت أم تأخرت، ويعرف ضبطها ومن ثم يتبين دلالاتها ومعانيها من حيث إن الإعراب فرع للمعنى، والمعنى أصل له.
3ـ تحديدُ نوع الاسم، هل هو علَمٌ فقط، أم مصدرٌ، وإذا كان عَلمًا فما موقعُهُ من الجملة، وإذا كان مشتقًّا فما فِعلهُ؟ وما عملُهُ؟ وإذا كان مصدرًا فما نوعُه؟ ذلك لأن هناك مصادرَ لا تعمل، وأخرى تعمل، فالمصدر الأصلي يعمل عمل فعله، وكذا المصدر الميمي، أما مصدر المرة، ومصدر الهيئة فلا يعمل شيئاً .. وهكذا.
4ـ تحديدُ نوع الحرفِ، والوقوف على كونهِ مُختصًّا عاملاً، وغيرَ مُختص أي كونه مهملا، ثم تحديد عمل المختص لأن كثيراً من المعربين لا يقفون على منظومة الحروف في اللغة، ولا يدركون الحروف العاملة من الحروف المهملة، وأن ثمة حروفًا تكون عاملة في تركيب، ومهملة في تركيب آخر لدخول حرف كافٍّ لها عن العمل، فتعرف أصل العمل، وما الذي أبطله، وهناك حروف كثيرة تأخذ هذا الوصف الإعرابي.
5ـ دراسة ما يتعلقُ بأركان الجملة؛ سواءٌ أكانت اسميةً، أم فعلية، وما يدخلها من تقديم وتأخير وحذف جائز وحذف واجب لأن ذلك كله ينعكس على الإعراب، وترى آثاره في التراكيب التي هي محل النظر الإعرابي، أو من يتولى عملية الإعراب.
6ـ الإلمامُ بكل النواسخ النحوية ،وبكافة أنواعِها ومعرفة عملها ، فما تعمله (إنَّ) يختلف عما تعمله كل من:(كان وكاد)، ويختلف عما تعمله (ظن) وأخواتها، و(أعطى) وأخواتها، و(أعلم وأرى)، وأخواتهما، وعما تعمله المشبهات بليس:(ما ، لا ، لاتَ ، إنْ)، وعما تعمله (لا النافية للجنس)، وهكذا.
7ـ وكذلك ما يتعلق بالجملة الفعلية، والوقوف على أركانها وعناصرها، وهذا يتطلب فهمَ المفعولات الخمسة:(المفعول به والمفعول له والمفعول معه والمفعول فيه والمفعول المطلَق)، وكيف نتعرف على خصائص كل مفعول، وسماته النحوية، وما يلزمه من أفعال تتقدم عليه.
8ـ ضرورة الوقوفِ على ما يسمِّيه النحاةُ: (بالاستعمالات النحويةِ للفظة الواحدة في اللغة العربية) كاستعمالاتِ (مَنْ) التي لها ثلاثة استعمالات: أن ترد استفهامية مرة، وموصولة في تركيب آخر، وشرطية في تركيب ثالث، و(ما)التي لها في اللغة ستة عشر استعمالاً، وكل استعمال له خصائصه النحوية ، وشروطه، و(لا)التي لها عدد كبير يربو على عشرة استعمالات، كأن تكون ناهية، أو نافية فقط غير عاملة، أو زائدة ، أو عاطفة، أو واردة حرف جواب للنفي، أو نافية للجنس،فتعمل عمل (إنَّ) أو نافية للوحدة، فتعمل عمل ليس، وكذلك أنواع إنْ واستعمالاتها، وأنواع أنْ وكيفية ورودها في تراكيبها المتعددة والمتباينة، وأنواع حتى، وأنواع الفاءات ، وهو بابٌ واسعٌ من أبواب النحو العربي ، ويؤثر تأثيرا مباشرا في التحليل النحوي، وأنَّ من لم يكن على ذكْر منه، فسيأتي إعرابه ضحلا ، ضعيفا ، غير دقيق، وهذا يتطلب الوقوف على هذا الجانب الكبير من جوانب المهارات الإعرابية، وفاقده لا يستمتع بلذة الإعراب، ولا بدلالاته ولا بمعانيه، ولا بجمال مراميه.
9ـ معرفة أساليب اللغة العربية المشهورة، وكيفية إعرابها بشكل صحيح، وهي كثيرة منها:(أسلوب المدح والذمِّ والإغراء والتحذير والنُّدبة والنِّداء والنداء التعجُّبي والاستغاثة والتعجب والتفضيل والنفي والاستثناء والاشتغال والتنازع، والتوكيد بنوعيه: اللفظي والمعنوي وأسلوب الترخيم .. ونحوها ومعرفة خصائص كل أسلوب؛ حتى يتمكن المعرب من التفريق بينها وفقه مواضعها، والتمكن من إعرابها.
10ـ معرفة إعراب التراكيب اللغوية الخاصة التي وردت في القرآن الكريم، وفي لغة العرب، نحو:﴿فبهداهم اقتده﴾،(لا يسَّمَّعون إلى الملأ الأعلى)، و(ناهيك عن ..)، و(لا أبا لك)، و(عِمْ صباحا)، و(عِمْ مساء)، و(حياك الله وبيَّاك)،و(هلم جرّا)، وأجِبْنِي يا فداك الناس طُرًّا، ﴿وقيله يا رب..﴾،ونحو:﴿فأصدَّق وأكنْ من الصالحين﴾،ومثل:(ليت شعري).. وغيرها.
11ـ الوقوفُ على ثوابتِ الإعرابِ أي: الكلمات التي لها إعراب واحد على الدوام، وقد نفرد لها كتابا مستقلا فيما بعد، مثل:(معًا – جميعًا – قاطبة – خاصة – وحْده) التي تُعرب حالاً دائمًا، وأن الضمائر بعد الأسماء تُعرب مضافًا إليه، وكذا الضمائر والأسماء الظاهرة بعد الأسماء الستة تُعرَب مضافًا إليه، وأن الكلمة المنكَّرة المنصوبة بعد أفعل التفضيل تُعرَب تمييزاً، وكذا المنوَّنة المنصوبة الواقعة بعد (خير وشر) .. وغيرها من ثوابت الإعراب في بعض الألفاظ، وفي بعض الجمل، وهو باب واسع يتطلب التأنيَ، والتبحر فيه.
12ـ وأهم من ذلك كله ضرورة قراءة نصوص مُعرَبةٍ ومُحللة لُغويًّا؛ لتكون بمثابة التطبيق العملي للمعرب، ومعرفة كتب الإعراب العامة، وكتب إعراب القرآن الكريم خاصة، ومعرفة ضوابط إعراب آيات القرآن الكريم، وما يجوز فيها، وما لا يجوز .. وهكذا.
وذلك يتطلب أن يكونَ لدى الدارسِ والباحث في علم الإعراب والناظر في النص تحليلاً نحوياً، أن يكون لديه بعض الكتب في إعرابِ القرآن الكريم، وبعضها في إعراب الحديثِ الشريف، وبعضها الآخر في إعراب النصوص النثرية الكثيرة مثل:(الأشعار، والأمثال، والخُطَب والحِكَم، والمسرحيات، والقَصص .. ونحوها).

د. جمال عبد العزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة
جمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى