الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن تكـريـم الله للإنسان (61)

شـذرات مـن هـدي القـرآن تكـريـم الله للإنسان (61)

الحمـد لله رب العـالمـين ، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق أجـمعـين ، وعـلى آله وصحـبه ومـن تـبعـهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فـلا زال الحـديث مـوصـولا عـن مـوقـف أبي طـالب مـع الرسـول صلى الله عـليه وسـلـم ، وكان الـرسـول أحـب أن يـؤمـن عـمه ، ولـكـن قـضى الله وما شـاء فـعـل ، فـنـزل قـوله تعالى : { إنـك لا تـهــدي مـن أحـببـت ولـكـن الله يهـدي مـن يشـاء وهـو أعـلم بالمهـتـدين } سـورة القـصص 56 .
ثـم ذكـره الله بما مـن بـه عـليه ، قال الله تعالى : { ألـم يـجـدك يـتـيما فـآوى ووجـدك ضـالا فـهـدى ، ووجـدك عـائـلا فأغـنى } سـورة الضحـى 6 / 8.
أي آواك بأن ضـمـك إلى عـمـك ابي طالب ، ومـن آثار تـلك العـصبية النسبية قـول أبي طـالب في الـرسـول صلى الله عـليه وسـلم ، لمـا ذهـب سـادات قـريـش إلى أبي طـالب عـنـد ما ضـاق بهـم الأمـر مـن مـوقـف رسـول الله ، فـتجـمـعـوا عـنـد أبي طالب وقـالـوا له ، كـلم لـنـا ابن أخـيـك ، فاسـتدعـاه عـمه أبـوطالب فـقـال: يا ابن أخـي هـؤلاء قـومـكـم ، وهـذه حـالي ، فـلا تـكلـفـني ما لا أطـيـق ، فـظـن الرسـول صلى الله عـليه وسـلم أن عـمه قـد تخـلى عـنـه .

فـقـال أبـوطـالب:
والله لـن يصـلوا إلي بجـمعــــهـم حتى أوســـد في التراب دفـينا
فاصـدع بأمـرك ما عـلـيـك غـضاضة وابشـر وقـر مـنـك بـذلك عـيـونا
ودعـوتـني وزعـمـت أنـك ناصـح ولـقـد صـدقـت وكـنـت ثـم أمـينا
وفـرضـت ديـنا لا محـالة أنـه مـن خــير ديـان الـبريـة ديـنـا

وقـد نـفـع الله بـتـلك العـصبـية النسبية ، شـعـيبا عـليه وعـلى نبيـنا الصلاة والسـلام كـما قـال الله تبارك وتعـالى : { قـالـوا : يا شـعـب ما نفـقـه كـثـيرا ممـا تـقـول وإنا لـنـراك فـينـا ضـعـيفـا ، ولـولا رهـطـك لـرجـمناك وما أنـت عـلينا بعـزيـز } سـورة هـود 91 .
وقـد نـفـع الله بهـا النبي صالحا أيـضا عـليه وعـلى نبينا الصلاة والسلام ، كما أشار الله لـذلك بـقـوله تعـالى : { قـالـوا تـقاسـمـوا بالله لنـبيـه وأهـله ، ثـم لنـقـولـن لـولـيه ما سـمـعـنا مهـلك أهـله وإنا لصـادقـون } النمـل 49 . فـقـد دلت الآيـة الكـريمة عـلى أنهـم يخـافـون مـن أولـيـاء صـالح ، ولـذلك لـم يـفـكـروا إن يـفـعـلـوا به سـوءا إلا لـيـلا خـفـية أن يـراهـم أحـد فـيـفـضحـهـم ، وقـد عـزمـوا أنهـم إن فـعـلـوا به ذلك أنكـروا .
فـيلـزم الناظـر في هـذه المسألة ان يفـرق بين الأمـريـن ، ويعـلـم أن النـداء بـروابـط الـقـويـات لا يجـوز عـلى كل حـال ، ولا سـيـما إذا كان القـصـد بـذلك القـضاء عـلى رابطـة الإسـلام ، وإزالتها بالكلية بـدعـوى أن لا يسايـر التطـور الجـديـد ، أو أنه جـمـود وتأخـر عـن مسايـرة ركـب الحـضارة ، نعـوذ بالله مـن طـمس البصـيرة .
ومـن هـدي القـرآن للتي هـي أقـوم، عـدم وجـود رابطـة بين المـؤمنـين والـكافـرين ، قـال الله تـعـالى : { لا تجـد قـوما يـؤمـنـون بالله واليـوم الآخـر ، يـوادون مـن حـاد الله ورسـوله ولـو كـانـوا آباءهـم أو أبـناءهـم أو إخـوانهـم أو عـشيرتهـم أولـئـك كــتب في قـلوبهـم الإيمان ، وأيـدهـم بـروح مـنه ، ويـدخـلهـم جـنـات تجـري مـن تحـتها الأنهار ،خـالـدين فـيـهـا رضي الله عـنهـم ورضـوا عـنه أولـئـك حـزب الله ألا إن حـزب الله هـم المـفـلحـون } سـورة المجادلـة 22 .
وإن مـنـع النـداء بـروابط القـومـيات لا يـنافي قـولـنـا : إنه ربـما انـتـفـع المسلم بنـصـرة قـريبـه الـكافـر ، بسبب العـواطـف النسبية ، والأواصـر العـصبية التي لا تمـت إلى الإسـلام بصلة .كما وقـع مـن أبي طـالب للنبي صلى الله عـليه وسـلم ، فـقـد ثبـت في الحـديث الصحـيح عـنه صـلى الله عـليه وسـلم أنه قال : ( إن الله يـؤيـد هـذا الــدبن بالـرجـل الـفـاجـر ) .
ومـع ذلك فإن تـلك القـربات النسبية ، لا يجـوز أن تجـعـل هي الـرابطـة بيـن المجـتـمع الإ يـماني لأنهـا تـشـمـل المسلـم والـكافـر ، والطـايـع والـعـاصي ، ومـعـلـوم أن المسـلـم عـدو للـكافـر ، وبالمـقـابـل فالـكافـر عـدو للمـؤمـن ، فـللـعـداوة المتأصلة بـين الـكـفـر والإيمـان ، لا يمـكـن أن تكـون هـناك رابطـة تـربـط الطـرفـيـن أو تـربـط الناس عـلى أسـاس القـربة النسبية .
والحاصل أن الـرابطـة الحـقـيقـية التي تجـمع المتـفـرق ، وتـؤلـف المخـتـلف هـي الرابطـة الإسـلامية رابـطـة : ( لا إله إلا الله ) ألا تـرى أن هـذه الـرابطـة هـي التي تجـعـل المجـتـمع الإسلامي كله كالجـسـد الـواحـد ، وتجـعـله كالبـنيان المـرصـوص ، يشــد بعـضه بـعـضا .
عـطـف قـلـوب حـمـلة العـرش مـن حـوله مـن المـلائكـة الكـرام عـلى بني آدم في الأرض ، مـع ما بـيـنهـم مـن الاخـتـلاف قال الله تعـالى : { الـذين يحـملـون العـرش ومـن حـوله ، يسـبحـون بحمـد ربهـم ويـؤمـنـون به ، ويستـغـفـرون للـذين آمـنـوا ، ربـنا وسـعـت كل شـيء رحـمة وعـلما ، فأغـفـر للـذين تابـوا واتبعـوا سـبيلك وقهـم عـذاب الجـحـيـم . ربـنـا وأدخـلهـم جـنات عـدن التي وعـدتهـم مـن صلح مـن آبائـهم وأزوجهـم وذرياتهـم إنـك أنــت العـزيـز الحـكـيـم . وقـهـم الـسيئات ومـن تـق السيـئات يـومـئـذ فـقـد رحـمته وذلك هــو الفـوز العـظـيـم } سـورة غـافـر 7/9 .
فـقـد أشـار الله تبارك وتعـالى : إلى أن تـلك الـرابطـة التي تـربـط بين حـملة العـرش ومـن حـوله ، وبـين بـني آدم في الأرض حـتى دعـوا الله لهـم هـذا الـدعـاء الصالح العـظـيـم ، إنما هـي بـلا شـك رابطـة الإيمان بالله عـز وجـل ، لأنه قـال عـن المـلائكـة { يـؤمـنـون بـه } ، فـوصـفهـم بالإيـمان ، وقال عـن بـني آدم في اسـتغـفار المـلائكـة لـهـم : { ويسـتغـفـرون للـذين آمـنـوا } ، فـوصـفهـم أيضـا بالإيمـان .
تلـك هـي الـرابطـة التي تســتحـق الـتـقـديـر، وتـدعـو إلى الألـفـة والمحـبة، فـدل عـلى أن الـرابطـة الإيـمانيـة هـي أعـظـم الـروابط التي بين المـلائكة الكـرام وبـين المـؤمنين .
ومـما يـوضـح ذلك أن الـرابطـة الحـقـيـقـية هي الـديـن الإسـلامي لا الـرابطـة النسبية ، وهـل نـفـعـت الـرابطـة النسبية عـم الـرسـول أبا لهـب ( عـبـد العـزى ) بن عـبـد المطـلب حـيـث قال تعـالى في عـم الـرسـول أبي لهـب: { تـبـت يـدا أبي لهـب وتـب ، ما أغـنى عـنه ماله وما كـسب ، سـيصـلى نـارا ذات لهـب } سـورة المسـد 1/3 .
ويـقابـل ذلك بما لـسلمان الـفـارسي مـن الفـضـل والمـكانة عـنـد النبي صلى الله عـليه وسـلم والمسلمين ، وقـد جـاء عـن النبي صلى الله عـليه وسـلـم قـوله : ( سـليمان مـنا أهـل البـيـت ) رواه الطـبراني والحـاكـم في المسـتـدرك .
وقال الشـاعـر :
لقـد رفـع الإسـلام سـلمان فارس وقـد وضـع الكـفـر الـشريف أبا لهـب
وإلى أن نلـتـقي في لـقـاء آخـر أسـتـودعـكـم الله والسـلام عـليكـم ورحمة الله وبـركاته .

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى