الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / جمهورية النيبال .. حظوظ اليسار ومآلاته

جمهورية النيبال .. حظوظ اليسار ومآلاته

علي بدوان

من منّا يَتَذكّر تلك الدولة الواقعة بين الهند والصين، والقابعة على الحضن الجنوبي الشرقي لسلسلة جبال الهملايا في هضبة التبت. تلك الدولة المنسية التي لا تطل على بحار خارجية، والواقعة بعيدًا، خارج حسابات الصراعات الدولية، وحتى الإقليمية في جنوب شرق آسيا باستثناء الاحتكاكات مع الهند من حينٍ لآخر، وبتدخل صيني واضح. إنها جمهورية نيبال الديمقراطية الاتحادية، إحدى الدول الصُغرى بشبه القارة الهندية، التي منحها الخالق موقعًا جميلًا على جبالٍ أخاذة، ومياهًا وفيرة. لكن لسوء حظها وحظ شعبها أنها ما زالت بلادًا مُتخلفة تعاني من وطأة الركود والتراجع. كما تعاني من ظواهر الانقسام الإثني الذي يَتضخَم أحيانًا كثيرة بتأثير مُباشر من الهند، حيث تَعتبر الرئاسة النيبالية منذ العام 2008.
جمهورية نيبال، قلّما يَسمَع عنها العالم بسبب موقعها المُنعزل ووعورة تضاريس أرضها، وبعدها عن العالم الخارجي. فنيبال دولة داخلية لا سواحل لها، وتوجد بين ثنايا جبال الهملايا الوعرة، ونتيجة هذه السمات لم تندمج جمهورية نيبال في الوحدات السياسية الكبرى بشبه القارة الهندية، فظلت بلدًا شبه مُنعزل لعدة قرون وخططت حدودها في القرن الثامن عشر الميلادي، وهو ما ساعد على ديمومة حالة التخلف على مستوياته المختلفة خصوصًا العلمية والصناعية والتكنولوجية.
كانت نيبال، دولة ملكية، وأصبحت جمهورية بدءًا من أيار/مايو 2008 بعد حوالي قرنين ونصف من الحكم الملكي. ومؤخرًا، انتَخَبَ البرلمان في جمهورية نيبال السيدة (فيديا بهانداري) رئيسة للجمهورية بأغلبية (327) صوتًا مُقابل (214) لمنافسها من حزب (المؤتمر النيبالي)، لتَحلَ مكان (رام باران ياداف) وهو رئيس حزب المؤتمر النيبالي الذي انتخب سنة 2008 بعد إلغاء النظام الملكي في نيبال، وانتخب البرلمان النيبالي في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2015 (كهادغا براساد شارما) رئيسا للحكومة. وتُعتبر (فيديا بهانداري) قريبة من الخط الماوي الصيني بل وملتصقة به في إطار الحزب الشيوعي النيبالي، لذلك يَعتقد البعض بأن المرحلة التالية من حياة جمهورية نيبال ستشهد احتكاكات صينية هندية مُباشرة، لها علاقة بتركيبة البلد (هندوس + بوذيين) ولها علاقة بانحياز رئيسة الجمهورية الجديدة لخط السياسة الصينية بالنسبة للعديد من القضايا المُتعلقة بالمنطقة إياها. وبالعلاقات الهندية الصينية.
لقد وصلت الرئيسة الجديدة للموقع الأول في البلاد، بعد سنواتٍ قليلة من الحكم الجمهوري عام 2008 والذي تَحقَقَ بعمليات حسم عسكرية جرت على الأرض بدعمٍ مباشر من الصين، حيث دارت حرب أهلية بين قوات الحكومة وقوات حركة (الحرب الشعبية المَاوِيّة) الجناح العسكري للحزب الشيوعي النيبالي (الماوي الاتجاه) والتي كانت تُسيطر على نصف البلاد وتمارس المهام الحكومية فيها بدعم وإسناد كبير ومباشر من بكين. وقد أدت تلك الحرب لولادة المزيد من المآسي والمصاعب على طريق حل مشاكل البلاد.
الرئيسة الجديدة للجمهورية (فيديا بهانداري)، هي أرملة الأمين العام الراحل للحزب الشيوعي النيبالي (مادان بهانداري)، الذي اغتيل سنة 1993، والتي اشتهرت بسعيها وعملها الدؤوب وسط المجتمع النيبالي من أجل حقوق المرأة السياسية والاقتصادية، ومن أجل تغيير واقعها، ومساواتها بالرجل في مواقع قيادات الدولة والنقابات والأحزاب، ومن أجل العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في بلدٍ يعتبر من أفق دول العالم نتيجة العقود الطويلة من التخلف الذي زاد من كبح عملية تطوير البلاد.
وتنتظر الرئيسة الجديدة لجمهورية نيبال استعصاءات كبرى داخليا، حيث تُعاني دولة نيبال مشاكل داخلية مُتعددة منذ سنوات طويلة بعد خروجها من تحت التاج البريطاني أوائل خمسينيات القرن الماضي. مشاكل لها علاقة بمستويات المعيشة الاقتصادية للسكان بشكلٍ رئيسي، وغياب العدالة الاجتماعية، حيث تُعتبر دولة نيبال (حوالي 141 ألف كلم مربع) من ًأفقر بلدان العالم، حيث لا يتجاوز متوسط دخل الفرد (340) دولارًا سنويًّا للفرد الواحد، كما يعيش (68%) من السكان بأقل من دولارين في اليوم، في حين تُشكّل الزراعة نحو (90%) من قوة العمل، ويُشكّل سكان الأرياف (87%) من إجمالي عدد السكان الذين يقارب عددهم نحو ثلاثين مليون نسمة، فيما تَشغل الأراضي الزراعية حوالي (10%) فقط من مساحة البلاد، التي تتميز بوعورة تضاريسها.
إن ما ينتظر الرئاسة النيبالية الجديدة من هموم وقضايا تجعل من الصعوبة بمكان التغلب على الكثير منها، حيث تعاني دولة نيبال، مشاكل إثنية أيضًا، تتضخم من حين لآخر تبعًا للعوامل الإقليمية المحيطة، وتبعًا لمستويات العلاقة بينها وبين الهند وبين الهند والصين. ففي نيبال أغلبية (هندوسية) ومعها ربع السكان من (البوذيين)، إضافة لأقلية (ماديسي) التي تَسكُنُ مناطق زراعية في جنوب البلاد، وهي الأقلية التي تؤيد الدستور الجديد الذي أقره البرلمان، قبل أسابيع، بهدف “تعزيز الدولة المدنية بدلًا من الدولة الهندوسية”، مسنودة من قبل العديد من الأحزاب والقوى المحسوبة على صفوف المعارضة بما في ذلك حزب الرئيسة الجديدة التي وصلت للموقع الأول بعد عمرٍ طويل من المعارضة، من أجل تحقيق الضمانة الدستورية للمساواة، والنهوض بالبلاد من أَزماتها العامة، وتغيير أساليب الإنتاج وإحداث تغيير جدي في النمط الاقتصادي الحالي.
إن وصول الرئيسة الجديدة (فيديا بهانداري) للموقع الأول في النيبال، وتبنيها الدستور الجديد لتعزيز الدولة المدنية في مواجهة مساعي الأغلبية لتكريس الدولة الهندوسية لا يعني بأن الأمور باتت على مسار سلس. فالعُقَد والالتواءات ما زالت تعترض طريق بناء الدولة المدنية، خصوصًا منها الصراعات الإثنية بين الهندوس من جهة والبوذيين من جهة، فضلًا عن أقلية (ماديسي) التي ترى نفسها في موقع الضحية ضمن نظام غير عادل.
إضافة الى أن الشكوك تساور الكثيرين بعدم امتلاك السيدة (فيديا بهانداري) برنامج وأدوات التغيير المطلوبة لتوفير أكبر قدرٍ مُمكن من العدالة الاقتصادية والاجتماعية في بلد يحتاج لجهود جبارة من أجل تجاوز عقودٍ طويلة من التخلف والمراوحة بالمكان. كما يحتاج لجهود من أجل فك علاقات التبعية للعديد من مكوناته مع كل من الهند والصين معًا وبناء الاستقلال والسيدة الحقيقية والتعاون مع المجتمع الدولي من أجل تفكيك حالة التدخلات الصينية والهندية بمصير نيبال. وبالتالي فإن حظوظ النجاح ليست على مساحة كبيرة أمام اليسار الماركسي الماوي النيبالي الذي تُمثله الرئيسة الجديدة لجمهورية النيبال إلا في حالة واحدة عندما يتم تسييد لغة الوحدة الوطنية في البلاد والمشاركة بين الجميع، ووقف الانحياز لأي من الطرفين الصيني او الهندي عبر اتباع سياسات الحياد الإيجابي في ملف العلاقات الصينية الهندية، وإبعاد البلاد عن متاهات لعبة الخارج.

إلى الأعلى