الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / روسيا لا تحترم حدودها وأميركا كذلك

روسيا لا تحترم حدودها وأميركا كذلك

”مع ذلك فبالنسبة للولايات المتحدة، فإن مبدأ مونرو ليس فقط من المخلفات البالية. بل في الحقيقة فإن الحكومة الأميركية لم تعلن وفاة المبدأ حتى نوفمبر الماضي، عندما صرح وزير الخارجية جون كيري في معرض كلمة له أمام منظمة الدول الاميركية “ان عهد مبدأ مونرو قد ولى.” ومن الإعلان إلى التخلي عن المبدأ استمر الأمر 190 سنة. ”
ــــــــ
على ضوء التحرك العسكري الروسي في منطقة القرم، يكون من المفيد للولايات المتحدة التخلي عن مبدأ مونرو. ففي 1823 وبغية منع القوى الاوروبية من التدخل العسكري والسياسي في البلدان الناشئة في اميركا اللاتينية، أعلن الرئيس الاميركي جيمس مونرو سياسة مفادها ان تلك المنطقة هي منطقة نفوذ لاميركا وليس اوروبا. واحتجت الولايات المتحدة بمبدأ مونرو، بجانب مقتضيات الحرب الباردة، لتبرير تدخلها في كل من كوبا وبنما ونيكاراجوا وتشيلي وجرينادا وجمهورية الدومينكان والقائمة في ذلك تطول.
ومع ذلك تحاول ادارة اوباما ان توضح لفلاديمير بوتين، ان هذا هو القرن الـ21 وان العهد الذي كان فيه للدول مناطق نفوذ قد ولى.
مع ذلك فبالنسبة للولايات المتحدة، فإن مبدأ مونرو ليس فقط من المخلفات البالية. بل في الحقيقة فإن الحكومة الاميركية لم تعلن وفاة المبدأ حتى نوفمبر الماضي، عندما صرح وزير الخارجية جون كيري في معرض كلمة له أمام منظمة الدول الاميركية” ان عهد مبدأ مونرو قد ولى.” ومن الإعلان إلى التخلي عن المبدأ استمر الأمر 190 سنة.
اعرض كل ذلك لوضع التحرك الروسي في القرم في السياق. وليس معنى ذلك اني اقترح بأنه يجب على الحكومة الاميركية ان تتخلى عن معاقبة روسيا لإرسالها قوات أو عدم تقديم مساعدة اقتصادية لاوكرانيا وتشجيع محاولاتها الانضمام لأوروبا. بل اني اقترح، انه وفقا للاعراف التي تتمسك بها القوى الرئيسية، والتي من بينها بالتأكيد الولايات المتحدة، فإن تحرك روسيا في القرم يجب الا يمثل مفاجأة كبيرة. فدوافع بوتين للتحرك ربما تكون دوافع قد اختلقها بوتين بشكل ما لنفسه، وكذلك الحال بالنسبة لدوافع جورج بوش الابن في شن حرب في العراق. وعلى الصقور في اميركا ـ الساسة والخبراء الذين قرعوا الطبول للتدخل في العراق والآن ينتقدون الرئيس اوباما لعدم اتخاذه موقف عدواني كاف بشأن اوكرانيا ـ ان يشرحوا لنا لماذا يجب ان يتم الاحتفاظ بمبدأ الحرب الوقائية الفضفاض والذي تم استخدامه لتبرير مغامرة اميركا في العراق، لماذا يجب حصره على اميركا وحدها. فقد ذكر بوتين ان المنشآت العسكرية الروسية في القرم تعرضت للتهديد من قبل الثوريين الاوكرانيين. وعندما تحتاج قوة لتهديد لتبرير ممارستها، فإن القوة دائما ما تجد ذلك.
فضلا عن ذلك فإنه وبحسب معايير مبدأ مونرو، فإن تحرك روسيا في القرم يبدو طبيعيا. فإضافة إلى تهديد قاعدتها البحرية، اشارت روسيا إلى الإهانات التي يتعرض لها اغلب مواطنيها هناك: ففي الساعات الأولى له في السلطة، أقر البرلمان الأوكراني الجديد قانونا يحظر استخدام اللغة الروسية في المؤسسات الحكومية على الرغم من انها اللغة الأصلية لكثير من الاوكرانيين شرق البلاد. كما يمكن لروسيا ايضا ان تدعي انها ترد على التهديدات الجيوـ استراتيجية: فعلى مدى العقدين الماضيين وحتى خلال عهد بوريس يلتسين الثمل والميال للغرب، امتد حلف شمال الاطلسي (الناتو) إلى حدود روسيا ـ التحرك الذي من المحتمل ان يكون قد جعل روسيا تشعر بعدم الأمان بشكل اكبر من شعور شرق اوروبا بالأمان. (لا يمكن ان يتم وصف الناتو بدقة على انه تحالف ارادات فعال: فبوجود الناتو أو عدم وجوده، اضطرت اوروبا إلى الانجرار بالركل والصرخ لتوفير عدد من القوات التي منعت صربيا من التهام جيرانها.) ويمكن لروسيا ان تحتج بأن القرم ـ الموطن القديم لاسطول البحر الاسود الروسي واماكن قضاء الإجازات لأبناء موسكو ـ كان قد تم الحاقها لاوكرانيا في عام 1954 فقط عن طريق هفوة لنيكيتا خروتشوف وانها في الحقيقة روسية اكثر من كونها اوكرانية.
وحتى لو انتهى المطاف بأغلب سكان القرم إلى تأييد التدخل الروسي، فإن تصرف بوتين يخرق الاعراق التي يجب ان تسير بمقتضاها البلدان ـ احترام السيادة والاستقرار وتجنب الحاق الضرر ـ حتى لو كان كثير من البلدان بما فيها الولايات المتحدة، تحترم هذه الاعراف على الصعيد النظري بشكل اكبر بكثير مما هو الحال عليه على الصعيد العملي. وهذا هو السبب فإنه يجب ان تدفع روسيا ثمنا في شكل عقوبات دبلوماسية واقتصادية.
لكن يجب على الاميركيين ان يدركوا اننا ندفع ثمنا ايضا، عندما ننتهك تلك الاعراف. فقد تضررت الإدارة الاميركية بشكل بالغ جراء الحرب في العراق، تماما كما تضررت كثيرا في اميركا اللاتينية بسبب تدخلها في شئون بلدان كنا نزعم انها في منطقة نفوذنا.
وكما دفعنا ثمنا فإن بوتين سوف يدفع ايضا الثمن. فاتحاده الاوراسي اما ان يكون قد مات او انه سيتحقق تحت تهديد السلاح ـ امبراطورية مصغرة كئيبة ومتهالكة تحيط بها اوروبا اكثر ديمقراطية من جانب وصين اكثر حيوية على الجانب الاخر. كما سوف يستمر ادعاء روسيا المحدود على الصعيد العالمي طالما استمرت صادراتها من الغاز الطبيعي في التدفق. وكما حقق مبدأ مونرو قليل من الاصدقاء للولايات المتحدة، فإن نسخة بوتين منه سوف تكسبه عددأ اقل من الاصدقاء أيضا.

هارولد ميرسون
محرر في أميركان بروسبيكت، خدمة واشنطن بوست ـ بلوم بيرج نيوز خاص”الوطن”

إلى الأعلى