الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اليرموك واللحظات الصعبة

اليرموك واللحظات الصعبة

علي بدوان

”إن مصلحة مخيم اليرموك وأهله تفترض العودة لتحييد مخيم اليرموك كما كان قبل وقوع أزمته الأخيرة، وفقاً لحالة التوافق الوطني الفلسطيني العام الذي يقول بالحياد الإيجابي للفلسطينيين في الأزمة السورية. فمخيم اليرموك وحتى في ظل وجود غالبية سورية هو تجمع فلسطيني من حيث الطابع العام،”

قبل أيامٍ خلت، انكسرت الآمال التي عُقدت وراهنت على إيجاد مخارج وحلول لأزمة مخيم اليرموك الواقع إلى الجنوب قليلاً من مدينة دمشق. فالتوافقات التي جرت بين الأطراف المعنية داخل اليرموك وخارجه انهارت في اللحظات الأخيرة بعد أن كانت الأمور قد قطعت شوطاً لا بأس به على الأرض من أجل تأمين حلول معقولة لأزمة اليرموك، يتم من خلالها إعادة مواطني المخيم إلى بيوتهم ومنازلهم من مناطق التهجير التي لجأوا إليها قبل نحو عام مضى وإحلال مصالحة عامة، خصوصاً في ظل المعاناة الاقتصادية التي باتت تَخنُقُ رقاب الغالبية منهم.
انهيار الجهود التي بذلت من قبل لجنة المصالحة الوطنية الفلسطينية ومن قبلها جهود لجنة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، جاءت بعد أن عادت بعض المجموعات المسلحة من كتائب المعارضة وذات المُسميات المختلفة إلى مخيم اليرموك والى مواقع رئيسية فيه، فيما انكفأت المجموعات الفلسطينية التي باتت تحمل مسمى (تجمع أبناء اليرموك) حيث لم تستطع القيام بدورها في هذا الجانب بمنع دخول أو عودة أيٍ من المجموعات المسلحة ذات المُسميات المختلفة لليرموك.
ويشار هنا، إلى أن الاتفاق الذي فشل بعد الإنجازات الأولية التي تحققت، كان يقضي بالانسحاب التدريجي لقوات المعارضة بمسمياتها المختلفة من مخيم اليرموك وفق آلية محددة، يتم بعدها دخول الناس للمخيم من مواطنية السوريين والفلسطينيين والذين تُقدِرُ المصادر المُختلفة أعدادهم بنحو مليون مواطن، ربعهم من فلسطينيي سوريا واالباقي من المواطنين السوريين، في مخيم فلسطيني غالبية سكانه من المواطنين السوريين أصلاً. ويصار بعد ذلك القيام بتسوية أوضاع من يريد أن يقوم بتسوية وضعه مع الجهات الرسمية في الدولة وفقاً لقرارات العفو التي صدرت بهذا المعنى، حيث تُشير مصادر موثوقة بأن هناك أعداداً جيدة ترغب في ذلك، فيما أشار الاتفاق بمغادرة المخيم لمن لا يريد تسوية وضعه مع الجهات الرسمية السورية من أعضاء المجموعات العسكرية المسلحة إلى الجهة التي يستطيعون الذهاب إليها.
وبالطبع، فإن كارثة اليرموك، تَطُلُ اليوم بنفسها مع نمو حالة جماهيرية عريضة في صفوف من تبقى من أبناء مخيم اليرموك من مواطنيه وعددهم نحو (20) ألف مواطن غالبيتهم من الفلسطينيين الذين باتوا يريدون الخلاص. كذلك الحال بالنسبة للفلسطينيين الذين هم خارج اليرموك، وحتى من هم خارج سوريا أصلاً من أبناء هذا التجمع الفلسطيني الأكبر في الشتات، وقد باتوا ينشُدُون الحل في اليرموك حتى لو تأتى على يد الشياطين. وعلى هذا الأساس من المفترض انطلاق عدة فعاليات شعبية من أبناء اليرموك الموجودين خارجه وداخله ومنها إقامة خيم اعتصام كبرى في ساحة رئيسية في اليرموك من الساحات التي حدثت حولها أعنف العمليات العسكرية خلال الشهور الماضية، وهي فعاليات واعتصامات تقول بانسحاب كل الحالات المسلحة من اليرموك وإحلال منطق الحياد الإيجابي الذي يشكّل الآن عنواناً للتوافق الوطني الفلسطيني العريض بين مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني في سوريا، وهو موقف تتبناه أيضاً القيادة الرسمية الفلسطينية في إطار المنظمة والسلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، كذا الحال بالنسبة لحركة حماس.
في هذا السياق أيضاً، وبناءً على المتابعة اليومية الميدانية مع جميع القوى والفصائل دون استثناء، وليس بناءً على إسقاط الرغبات أو التقديرات الذاتية أو بناء على المعلومات التي يستقيها البعض من المقيمين في أصقاع المعمورة ومن على صفحات التواصل الاجتماعي لمراهقين أو مُتطيرين، نقول إن الفرصة الأخيرة المُتاحة أمام حل يُجنب مخيم اليرموك دماراً واسعاً قد باتت ضيقة حال لم تُسرع كل الجهات المعنية لتحكيم لغة المنطق والعقل والحكمة لإنقاذ مخيم اليرموك، ومنع وقوع ما لا تحسب عقباه، فأصحاب الرؤوس الحامية يجب أن يخرجوا من هذا المضمار وأن يستريحوا بعيداً، وأي حل لا يتضمن تفكيك الحالة المسلحة باليرموك عبر خروجها من عموم مناطق مخيم اليرموك بشكل نهائي، أو تسوية أوضاعها أو أو … لن يكتب له النجاح بل سيقود نحو دمار المخيم بكارثة قد تكون كبيرة جداً، أكبر من كارثة مخيم نهر البارد المجاور لمدينة طرابلس والتي وقعت قبل سنوات في لبنان.
إن مصلحة مخيم اليرموك وأهله تفترض العودة لتحييد مخيم اليرموك كما كان قبل وقوع أزمته الأخيرة، وفقاً لحالة التوافق الوطني الفلسطيني العام الذي يقول بالحياد الإيجابي للفلسطينيين في الأزمة السورية. فمخيم اليرموك وحتى في ظل وجود غالبية سورية هو تجمع فلسطيني من حيث الطابع العام، وهو ما يفترض الحفاظ على هذا الطابع لأكبر تجمع فلسطيني خارج حدود أرض فلسطين التاريخية، والإصرار على تحييده في مسار أزمة طاحنة لا ناقة ولا جمل للفلسطينيين. فبقاء الحالة الراهنة على ما هي عليه ستجعل من الخيار الأمني والعسكري هو الخيار السائد، وهو خيارٌ مُدمر على كل حال بالنسبة لمصالح اليرموك وأهلها وحتى بالنسبة لعموم السوريين بما فيهم حتى المعارضين وهذا قولٌ لا مبالغة به لمن يعرف الحقيقة على أرض الواقع، ولمن يتفحص ويتحرى تلك الحقيقة بعين ثاقبة بعيدة عن التشنج والارتجال أو الانفعال.
أخيراً، وكما قال العديد من أبناء المخيم من داخله، إن الأهم أن يفهم الجميع أن مرحلة بناء المواقف من خلال حب أو كره النظام يجب أن تنتهي ويكفي ما خسره الفلسطينيون حتى الآن من دمار وشهداء فاق كل التقديرات والتوقعات. فالاستنتاج الرئيسي يتمثل بضرورة الحفاظ على مصالح الناس في معمعان أزمة طاحنة باتت تَستَعِرُ منذ زمن وفيها تتصارع قوى إقليمية ودولية، كما في الحفاظ على رشد الفلسطينيين في موقف الحياد الإيجابي تجاه الأزمة الداخلية في سوريا.
إن قناعات الناس لم تتبدل في ظرف أيام قليلة، لكن اليقين تجاه ضرورة الابتعاد عن الفتنة الداخلية يؤرق الجميع وتحتاج الناس هنا لكل العقول الهادئة والصبر من أجل ترسيخ هذا اليقين وتحويله لواقع ملموس.

إلى الأعلى