السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الشرق يبقى شرقاً والغرب يبقى غربا

الشرق يبقى شرقاً والغرب يبقى غربا

أ.د. محمد الدعمي

”في عالمنا العربي، بقي الغرب عقوداً طوالا قرينا ببريطانيا وفرنسا، على نحو خاص. في بلاد الشام الغرب كان هو أكثر ميل في معناه إلى فرنسا، كما كانت عليه الحال في الجزء الغربي من شمال إفريقيا، أي المغرب العربي على الرغم من أن لفظ “الغرب” يدق نغمة إسبانية أو إسبانية/برتغالية بالنسبة للإنسان المغربي المطل على مضيق جبل طارق.”
ــــــــــــــــــــــ
إذا كان لفظ “غرب” يؤشر اتجاهاً جغرافيًّا واضح المعالم، بوصفه معاكس “الشرق”، كما يعاكس الشمال الجنوب، فإن اللفظ ذاته يكتسب أبعاداً اصطلاحية متعددة حسب المكان والزمان، أو بحسب المتغير “الزمكاني”، درجة الإرباك والاختلاط في أحيان كثيرة.
عندما استعملت لفظ “غرب” في آخر كتاب نشرته في الولايات المتحدة الأميركية، Feminizing the West، تعمدت الحفاظ على ما ينطوي عليه اللفظ في العقل “الغربي”، نظراً لأن مدلولاته في هذا العقل ثابتة أو أكثر استقراراً من مدلولاته عندنا في العالم الشرقي. في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، تحرر لفظ “الغرب” من دلالاته الجغرافية لتأشير الاتجاه، على سبيل اكتساب دلالات كثيرة جداً درجة الإثقال. العالم الغربي، كما هو كامن في “العقل الغربي” هو مجموعة قيم وتقاليد اجتماعية وسياسية واقتصادية. وإذا كان الغرب بالنسبة للعقل اليساري هو الرأسمالية حسب، فإنه في العقل الرأسمالي يمثل الديمقراطية وتقاليد العمل السياسي المدني السلمي، إضافة إلى تمثيله النظام الرأسمالي، أي “نظام السوق الحرة” التي تتحكم بالإنسان وبالأمة ونظام الحياة الاجتماعية بأسره.
في عالمنا العربي، بقي الغرب عقوداً طوالا قرينا ببريطانيا وفرنسا، على نحو خاص. في بلاد الشام الغرب كان هو أكثر ميل في معناه إلى فرنسا، كما كانت عليه الحال في الجزء الغربي من شمال إفريقيا، أي المغرب العربي على الرغم من أن لفظ “الغرب” يدق نغمة إسبانية أو إسبانية/برتغالية بالنسبة للإنسان المغربي المطل على مضيق جبل طارق. وتنطبق ذات الحال على ليبيا التي قرن شعبها الغرب بإيطاليا وربما بجزر البحر المتوسط كقبرص أو سواها، ولكن على نحو نسبي.
وحسب معطيات الصراع المكبوت الجاري اليوم بين روسيا وأميركا الدولتين الكبريين اللتين تتجاذبان أوكرانيا يبدو الغرب رديفاً لاقتصاد رأس المال ولأسلوب حياة، وهو مفهوم مترسب من حقبة الحرب الباردة وأعباء الشيوعية، لا ريب.
داخل الولايات المتحدة وكندا، أي عبر أميركا الشمالية، يتشكل الغرب على نحو مغاير تماماً لأنه أكثر التصاقاً بالبراري الشاسعة التي دخلها الرجل الأبيض ليجد نفسه من رعاة البقر القساة ليحيا على الرعي ومن ثم الزراعة الواسعة هناك، يكون الغرب أكثر ميلاً في معناه إلى الريف والريفيين وبساطة الحياة في تلك الأصقاع الشاسعة.
إن العقل الأميركي، الغربي، هو الآخر يعاني من عقدة غيمية معنى لفظ “شرق”، Orient لأنه لا يميز بين شرقين، هما: الشرق الأقصى الذي يسمونه Oceania وشرقنا العربي الإسلامي الذي يسمونه Orienda، حسب اصطلاح الروائي الأميركي هرمان ميلفل Melville.
والطريف هو أن الشرق في العقل الأميركي أكثر ميل لتأشير الجنس الأصفر (كالصينيين والكوريين واليابانيين) الذي ينظر اليه هناك على نحو دوني، للأسف، بدليل أن سيدة فيتنامية هناك انزعجت من وصفها بلفظ “شرقية” لأنها تعرف أن الشرقي مرادف للفقر وللضعف والتخلف، في دواخل العقل الأميركي.
أما إذا كنت عربيًّا أو مسلماً ووصفت بأنك شرقي، فلا إزعاج في ذلك. بل إن ما يستفز المرء هو تجاوز العقل الأميركي لفظ شرق عندما يتعامل معي أو مع رجل من عمان أو تركيا، لأنه سيصف الجميع بلفظ “مسلم”، وهي سلة أكثر غيمية بالنسبة لهذا العقل الأميركي، لأنها قد تنطوي على أنك اسمر، ذي ملامح عربية وشعر اسود، زيادة على انطوائها على الميل للعنف وإلى “الزئبقية” بمعنى صعوبة الاستمكان، الأمر الذي استقطب الكثير من منتجات الثقافة الشائعة في الولايات المتحدة، تلك الثقافة التي تصور المسلم إنساناً غير قابل للعقلنة أو للحوار أو للانصياع للقوانين المعروفة لديهم عامة.

إلى الأعلى