الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / جردة حساب عريقاتية!

جردة حساب عريقاتية!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

في مؤتمر “ميد 2015″ في روما قدَّم عريقات لـ”مجتمع نتنياهو الدولي” جردة حساب استجدائية مستثيرًا نخوته وحاضًّا إياه على القيام بمسؤوليته التي تستوجبها عنده رعايته لمسيرته السلمية الافتراضية، والتي لم يعد يذكرها بالخير سواه، قال: “لقد مر 23 عامًا وأنا أعد الفلسطينيين بالحرية والكرامة، ما الذي حققته لشعبي؟! بدل مئتي ألف وحدة استيطانية يوجد الآن 600 ألف.

سبق لي وأن كتبت بأنني لست مغرمًا بالتوقف أمام تصريحات تصدر تباعًا عن كبير مفاوضي السلطة الفلسطينية تحت الاحتلال، وأحد رموزها، الدكتور صائب عريقات، لا سيما تلك التهديدية والوعيدية منها. ذلك مني، وهو ما نوَّهت به في حينها، لأنها، بالإضافة إلى كونها المحكومة بتوجُّهها ومنطقها ولكنتها وحدودها الأوسلوية المعهودة، تظل كعادتها الممنوعة من الصرف، أو التي لا تقبض أصلًا ممن هو يوجُّهها إليهم، وهما طرفان: الأول الصهاينة، الذين لا ينفك يحاورهم ولو على الهواء إن لم يتسن له ذلك سرًّا، و”مجتمعهم الدولي”، الذي على أريحيته يعلِّق مصير مسيرته السلمية الافتراضية، والتي يختصرها بمقولته الشهيرة “المفاوضات حياة”. والثاني، الساحة الفلسطينية لهدف استهلاكي وإيهامي لم يعد له، لا سيما في راهنها المنتفض، من مردود أو جدوى.
بيد أنني احيانًا اجد نفسي مكرهًا، أوتجبرني عجائب المفارقاتالعريقاتية التي لا ينضب معينها، على التوقف أمامها، نظرًا لأنها، وفي كل حالاتها تظل لسان حال توجُّه انهزامي كارثي هو، من أسف، ما زال قائمًا ومستمرًّا. كما أنها تعبِّر أيضًا عن حال سلطة بلا سلطة في ظل احتلال، حبيسة في قفصها الأوسلوي، ممسكة، شئنا أم أبينا، بالقرار الوطني الرسمي معها في محبسها الذي لا تريد مبارحته.
في مؤتمر “ميد 2015″ في روما قدَّم عريقات لـ”مجتمع نتنياهو الدولي” جردة حساب استجدائية مستثيرًا نخوته وحاضًّا إياه على القيام بمسؤوليته التي تستوجبها عنده رعايته لمسيرته السلمية الافتراضية، والتي لم يعد يذكرها بالخير سواه، قال: “لقد مر 23 عامًا وأنا أعد الفلسطينيين بالحرية والكرامة، ما الذي حققته لشعبي؟! بدل مئتي ألف وحدة استيطانية يوجد الآن 600 ألف. ورئيس الوزراء الإسرائيلي يفاخر بالتأكيد لن تكون هناك دولة فلسطينية في عهدي”.
جردة الحساب هذه لم تكُ من جاردها لأول مرة، وسمعنا بمثلها مرارًا من رئيس سلطته، وهي في كل الحالات اعترافات غير مقصودة بكارثية نهج تفريطي، وأقله، بفشل توجُّه عبثي يترتب على أصحابه منطقيًّا، أو في الحالات الطبيعية، الاعتذار من شعب عبثوا بقضيته على امتداد 23عامًا… وكعادته أيضًا، وازى عريقات شكاواه المريرة لمن هم لا يلتفتون إليها عادةً بكيل من تهديداته المعتادة، والتي لم تك لتعنيهم بأكثر ما عنتهم شكواه. لوَّح لهم هذه المرة بفزاعة رائجة عندهم هذه الأيام هي الإرهاب. قال لهم “إذا سقط الفلسطينيون المعتدلون”، الذين هم نحن، فإن الفراغ الذي سيتركه هو وأبو مازن سيملؤه “تنظيم الدولة”، وليخيفهم أكثر حذَّرهم بأن أول ما سيفعله هذا البديل هو أنه “سيبدأ بقتل الإسرائيليين”، ونبههم متسائلًا: و”من من بين مئات ملايين العرب سيعارض ذلك”؟!
في ردهم على عريقات سرّب الصهاينة ما اعترفت مصادر السلطة به لاحقًا، وهو عقده للقاءين سريين مع سلفان شالوم نائب نتنياهو، تما في شهري يوليو وأغسطس على التوالي في كلٍّ من عمَّان والقاهرة وبرعاية من المخابرات الأردنية والمصرية. في اللقاء الأول، اقترح عريقات مفاوضات سرية حول ترسيم الحدود، والإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى القدامى، ووقف الاستيطان، وتنفيذ المحتلين لالتزاماتهم للعودة لطاولة المفاوضات. وفي الثاني، أبلغ شالوم عريقات برفض مقترحاته… ولم يرفضوها فحسب، بل إلى جانب الإعدامات الميدانية اليومية على الحواجز والطرقات، أعلنوا عن الشروع في بناء 55548 وحدة تهويدية لتوسيع مستعمراتهم في الضفة، وتحويل صغرى منها إلى كبرى، وبناء مستعمرتين جديدتين، هما “جفعات ايتام” جنوب بيت لحم، و”ترونوت بروش” شمال وادي الأردن، ومن هذه الوحدات 12 ألف وحدة في القدس المحتلة، والبلدة القديمة بالذات، لوصلها بـ”معاليه أدوميم”، و8300 وحدة في المنطقة المسماة أوسلويًّا “a1″ القريبة من القدس المحتلة، ستقسم الضفة نهائيًّا إلى قسمين وتنهي وهم “حل الدولتين” عند عريقات، وإجمالًا أكثر من نصف هذه الوحدات التهويدية المزمع بناؤها تقع شرق الجدار التهويدي العازل، ولاحقًا تم الإعلان عن مصادرة خمسمئة دونم جنوب نابلس وضمها إلى المستعمرات هناك… فبماذا رد عليهم عريقات؟!
أخبرنا بأنهم قد اجتازوا كل الخطوط الحمر، لكنه لم يقل لنا كم عدد هذه الخطوط؟ وماذا فعل عندما اجتازوا أولها ليصلوا إلى ما بعد آخرها؟! وتوعَّد كعادته، وفي هذه المرة أنذر، بأنه وقبل نهاية هذا العام “سيكون هناك قرارات حاسمة وهامة، تتعلق بوقف كل أشكال العلاقات الأمنية والسياسية مع الاحتلال”… والعام انتهى، والقرارات لم تتخذ، وللأمانة هو لم يقل لنا أي عام يقصد… أما على أرض الواقع فلأول مرة تمارس السلطة بلا سلطة سلطتها في ظل الاحتلال، لكن فقط بتطوير تنسيقها الأمني معه لمحاصرة الانتفاضة إلى حماية حواجزه الأمنية مباشرةً، والمدهش أنه في حين يعتذر نتنياهو لأبي مازن لأن جنوده وهم يسرحون ويمرحون في رام الله لم يوفروا حرمة بيته، يقمع حرس الرئاسة المتظاهرين والصحافيين لإبعادهم عن حاجز “بيت إيل”، الذي حوَّلته الأجهزة الدايتونية بلباسها الرسمي والمدني، على طريقة المستعربين، إلى مربع أمني محرَّم على الملثمين ورماة الحجارة والصحافيين وسيارات الإسعاف… ومعهم قادة الفصائل المشاركين تظاهرًا، أو ركوبًا لموجة الانتفاضة عن بعد درءًا عن تنظيماتهم كلفة خوضها.
…لا يعدل تصريحات وتهديدات عريقات وخطوطه الحمر إلا بيانات استنكارات الفصائل واحتجاجاتها ودعواتها للسلطة وأجهزتها لـ”حماية شعبنا واحترام تقاليده”!!!

إلى الأعلى