الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإنسان بين سندان القوة ومطرقة الإرهاب (1)

الإنسان بين سندان القوة ومطرقة الإرهاب (1)

علي عقلة عرسان

إذا أردنا تلمس مظاهر نمو الإرهاب في الماضي المؤثر الذي أشرنا إليه، وحددنا ذلك ببداية انطلاق المصطلح، وجدنا ممارسات تمتد منذ بدايات الفوضوية والفوضويين “تُشَرْعِنُ” ذلك الفعل. فهم كانوا يبيحون لأنفسهم تصفية الآخرين المخالفين لهم، والأعداء “الرجعيين”، ويحرمونهم من كل أنواع الحريات وأشكالها؛ ويمارسون القمع الفكري والجسدي تحت أسماء واعتبارات ومبررات مختلفة.

يمكن أن نرد بداية استخدام مصطلح الإرهاب، بمفهوم سياسي عصري، إلى الثورة الفرنسية وممارساتها وتصرفات رجال مثل “روبسبير”، الذي كان يرى شرعية ثورية في استخدامه القتلَ، ضد رجال العصر البائد ومَن والاهم، وضدّ أولئك الذين يرى فيهم مناوئين له، أو أعداء للسلطة الشعبية التي يمثلها. وكان يصدر، هو ومن معه، في أحكامهم وممارساتهم، عن اقتناع تام بأنهم “وجدان” الشعب وأدواته السلطوية، ويرون أن إرادتهم تشكل التشريع، والمحكمة، والقاضي، والسلطة التنفيذية.
هذا لا يعني أنه منذ أقدم العصور لم تمارس أعمال عنف وإرهاب، واغتيالات سياسية، وتصفيات جسدية، وأعمال مخالفة للشرائع والقوانين والأعراف، في ظل الثورات والطغيانات المتنوعة، وعهود الاستبداد.. ولا يعني أيضًا أن الخارجين على الطاعة وعلى قانون الإمبراطور أو الملك أو الدولة، أولئك الذين يجدون أنهم محقون وعادلون في خروجهم على طاعة الشخص أو القانون الظالِمَيْن، لم يمارسوا عملًا أخذوا فيه القانون والسلطة التنفيذية بأيديهم، واعتقدوا أنهم إنما يقومون بما يرسّخ العدل أو يعيده إلى نصابه، بما يفعلون.
فالذين اغتالوا يوليوس قيصر في مجلس الشيوخ في روما، خرجوا على طاعته، ورأوا في ذلك علاجًا لميول طغيانية، يستحق صاحبها أن يُصفَّى من أجلها. والذين قاومهم إخناتون من قبل، وكذلك الذين قاوموه، تبادلوا عنفًا ولربما إرهابًا.. وينقلب الإرهاب في حالات إلى حرب.
وفي عهود متفرقة نجد الثورة والثورة المضادة، والسلطة والمعارضة، ونجد من يقاتل ويقاوم، إمّا ليصل إلى سدة الحكم أو ليحافظ عليها، ونجد من يقاتل ليحِق حقًّا، ويزيل ظلمًا، ويوسِّع هامش حريته، أو لينهي استغلالًا واستعمارًا، ويصل إلى عيش أفضل؛ ونجد من يقوم بأفعال تحت ذلك الشعار، ثم يأخذ الأمر بيديه، فيفعل ما كان ينهى عنه وما كان يناضل ضده!! ونجد أيضًا من يمارس عنفا مَرَضِيًّا، ويُدخل نفسه وغيره في دوامة الرعب والموت.
فهل يمكن أن نسمي كل ما اتصل بذلك وشاكَله إرهابًا، وكل فعل من ذلك القبيل: عنفًا مدانًا؟ أم أن هناك معيارية مستقرة، أو لا بدَّ من أن تستقر على أسس وقيم، لنستطيع من خلالها أن نمايز بين الأفعال والأحكام عليها، ونميز بين الإرهاب الأسود والعنف المشروع؟! سواء أصدر ذلك عن شخص أو عن فئة أو عن تنظيم “حزب”، أو عن دولة؟!؟
إن كل تغيير للسلطة والنظام والعلاقات بين الأفراد والجماعات والطبقات والمصالح والعلاقات، في دولة ومجتمع، أو بين الدول والمجتمعات، خارج حدود التفاهم والتعاون والنظام المتعارف عليه، والضوابط القانونية والعقلية – المنطقية، ينطوي على استخدام عنصر القوة لفرض الأمر الواقع، ولفرض علاقة ما، أو طاعة، أو قرار إذعان، بأسلوب يتجاوز المألوف، أو المتآلف عليه؛ وقد تدخل الحروب في دائرة العنف المكثف المستمر الذي يؤدي إلى تغيير في الجغرافية ونظام الحكم، وفي العلاقات الاجتماعية والدولية بقسوة فائقة، وإلى مشروعية الدفاع عن مصالح، وحقوق، وحريات أساسية، أو تؤدي إلى نبذ فرض هيمنة، ومصالح، وعقائد، وثقافات، وأيديولوجيات، يُراد لها أن تُفرض “بالإرهاب المكثف “الحرب”، أو المخفف” أشكال التمرد المسلح، وأنواع الاستبداد السلطوي.
لقد أقر القانون الدولي، والقوانين الخاصة بكل دولة على حدة، وشرعة حقوق الإنسان، والعقائد والأعراف الاجتماعية والدولية، أقر كل ذلك، مشروعية الدفاع عن النفس والأرض والسيادة، ضد المعتدي والمحتل، وكرس مبدئية ذلك وقيمته، كما أقر حق الشعوب في الدفاع عن أوطانها وسيادتها ومصالحها، وأقر لها بحق تقرير المصير واختيار نوع الحكم الذي تريد.
وتحمي الشرائع والتشريعات والمنظمات الدولية، الأفراد والمجتمعات والدول، من كل أشكال الاضطهاد والقمع والاستلاب والإبادة، ولكن ذلك يبقى، في أغلب الأحيان، في إطار النظريات والمثاليَّات الأخلاقية، والشعارات، والنصوص المستقرة على الورق، أمّا على أرض الواقع، وفيما هو معيشٌ، من علاقات وفعاليات وأفعال وممارسات، فإن القوة، والقوة الغاشمة أحيانًا، هي وحدها التي تحدد: العادل، والشرعي، والإنساني، والمشروع، والقانوني، وحتى الأخلاقي. وتراها تلون الأفعال والممارسات بالألوان التي تراها ملائمة لمنظورها ومصالحها ومنطقها، في تلك الفترة أو المرحلة من الزمن أو البقعة من الأرض، ومع ذلك الشخص أو تلك الفئة أو ذاك البلد؛ وتجد ذلك معبِّرًا عما هو قانوني وإنساني وأخلاقي، إلى الدرجة التي تجعلنا نطرح السؤال المؤرق لأرواحنا وضمائرنا وعقولنا معًا، وهو: إلى أي حد تملك القوة تحديد المفاهيم والقيم، وإلى أي مدى تستقل الأخلاق والمثل، أو يمكن أن تستقل، في أحكامها ومقوماتها، عن القوة؟!
وإذا أردنا أن نبحث عن أمثلة لتلك العلاقات أو الممارسات، في الصلات والفعاليات الدولية والسلطوية والاجتماعية والحزبية والفردية، في كل بلد وكل عصر، فسنجد الكثير الكثير مما يصلح لأن يكون مثالًا أو أنموذجًا.
وربما، وصولًا إلى علاقات وقوانين ومعايير، إنسانية ودولية وأخلاقية، أكثر عدالة واستقرارًا وشمولًا، وسعيًا وراء مشاركة بشرية أوسع وأعمق.. ربما من أجل ذلك، سعت الشعوب والأمم إلى إيجاد صيغ قانونية ومعاهدات واتفاقيات تخفف من العدوانية المطلقة لبعض القوى، وتحكم الصلات الدولية، وتضع حدًّا للكوارث التي تلحق بأفراد ومجتمعات وشعوب وبلدان، من جراء حروب وأعمال إرهاب دولي، فرضتها المصالح والغطرسة وشهوة السلطة، والأطماعُ التي لا حدود لها، بأساليب السيطرة والسلب وإخضاع الآخرين وإبادتهم؛ والرغبة في إرواء أنواع التعصب القومي، والديني، والمذهبي عند البعض، والنزوع العدواني والعنصري والطغياني، عند أفراد وأقوام ودول، من ذوي القوة وشهوة النفوذ.. وكل ذلك يستفز قوة مضادة تؤدي إلى عنفٍ مضادٍ.
وبعيدًا عن شرعية العنف أو عدم شرعيته، فإنّ النتائج تنعكس على حيوات أفراد كثيرين، وعلى مجتمعات، وشعوب، ودول، وعلى مصالح وحضارات وقيم وأجيال.
غير أن الصيغ التي وصلت إليها البشرية، حتى بعد حربين عالميتين مكلفتين، ساحقتين، ماحقتين.. بقيت محكومة بسيطرة الأقوياء على الضعفاء، وبرغبة كل قوي في أن يكون الأقوى، وبقواعد الخوف، وتوازن الرعب، الذي لا يلبث أن يختل ليزيد من كمية الرعب، ومساحات الظلم وتلاوينه الكثيرةويفضي إلى سباقات تسلح، أو حروب استباقية قد تكون محدودة. وبقيت تلك الصيغ تشير إلى وصاية مباشرة أو غير مباشرة، على المنظمات والهيئات الدولية، التي أقيمت لأغراض وأهداف حقَّانية وإنسانية، ومن أجل الوصول إلى صيغ تعامل وعلاقات دولية، وقواعد وقيم وأعراف ومعايير، أكثر عدالة واستقرارًا، وأقدر على إشاعة الأمن والازدهار.
وبعد ما يمكن تسميته بالحرب العالمية الثالثة، في تسعينيات القرن العشرين، أصبحت القوة الأميركية، قوة عالمية، وحيدة القطب في السياسة الدولية، مهيمنة على المنظمات الدولية ومؤسساتها، تتزعم القوى الكبرى وتقودها جميعًا، بالقوة أو بالمنفعة المتبادلة أو بالخديعة، أو بالتهديد.. إلى خدمة مصالحها هي، ولتعزيز نفوذها وهيمنتها وتنفيذ سياستها.. وتجرّها إلى الإذعان لأوامرها، والقبول بتفسيرها للأحداث والقرارات والقوانين، وتجبرها من ثمَّ على إعلان “الطاعة “أو الامتثال لإرادتها، في كل ما ترى وتفسِّر وتقرِّر.
وسواء أتم كل ذلك خوفا أم طمعًا، أم بتواطؤ مشترك بين الأقوياء، فإن إرهابًا من نوع فريد، أضيف إلى تاريخ الإرهاب، وهو ذلك الذي تمارسه القوة الأعظم اليوم على صعد ومستويات شتى، ويشمل ما بين تصفية الأفراد والجماعات، والأفكار، والمصالح، والقضايا والحقوق، وتصفية البلدان والشعوب… حتى باسم مكافحة الإرهاب، الذي تتعدد ألوانه وتفاسيره وتصنيفاته، بتعدد مصالح الأقوياء ورؤاهم وسياساتهم ومصالحهم.
لم يتوقف “الإرهاب “كمصطلح، وأداة سياسية، وفعل ذي تأثير، في الحياة والتفكير وعلى الناس، لم يتوقف عن التطور والتلون والانتشار السرطاني أحيانًا، منذ تلك البداية التي اخترنا أن نبدأ بالإشارة إلى أنها محطة انطلاق المصطلح سياسيًّا، حتى عصرنا الحالي.
كما أنه لم يتوقف عند حدود ممارسات الأفراد الذين قد يهددون أفرادًا أو جماعات أو حتى سلطات، ولا عند حدود سلطات تهدد جماعات وشعبًا، أو شعوبًا وجماعات أخرى، ولم يتوقف أيضًا عند صراع “المعارضات والسلطات” في لعبة الوصول إلى الحكم، بل تعدى ذلك إلى مفهوم “إرهاب الدولة”، المغطى بقوانين، واتفاقيات، وتحالفات دولية، وجهات إعلامية، تشوِّه المفاهيم كما تشوِّه التاريخ والوقائع، ومقومات الحكم والعدالة، والمعايير السليمة.
وتتم ممارسة ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بدعمها لأفراد وأحزاب وأقليّات وشرائح اجتماعية معينة، من أجل القيام بأعمال إيجابية، أو لإشاعة سلبيات ذات تأثير قتال، وصولًا إلى غايات وتحقيقًا لسياسات، تحت أسماء وشعارات وادعاءات عديدة. وتمارسه أحيانًا مجموعة من الدول، مثل الدول الغربية، ضد دولة أو مجموعة من الدول بهدف خنقها أو إبقائها في حالة تخلف دائم، واستنزاف طاقاتها، ومنعها من القيام بدور مؤثر في محيطها وداخل حدودها.. وذلك منعًا لها من المشاركة في فعاليات قومية، أو لتمرير مشاريع استعمارية وتصفوية واسعة، شأن الممارسات الحالية ضد بعض البلدان العربية والإسلامية؛ أو تمارسه تعطيلًا لطاقة الشعب والبلد، وإحكامًا للسيطرة على الإرادة والقرار، وصولًا إلى تنفيذ خطط بعيدة الأثر على مستقبل القضايا القومية والمصيرية للأمة.
وإذا أردنا تلمس مظاهر نمو الإرهاب في الماضي المؤثر الذي أشرنا إليه، وحددنا ذلك ببداية انطلاق المصطلح، وجدنا ممارسات تمتد منذ بدايات الفوضوية والفوضويين “تُشَرْعِنُ” ذلك الفعل. فهم كانوا يبيحون لأنفسهم تصفية الآخرين المخالفين لهم، والأعداء “الرجعيين”، ويحرمونهم من كل أنواع الحريات وأشكالها؛ ويمارسون القمع الفكري والجسدي تحت أسماء واعتبارات ومبررات مختلفة. وقد حدث ذلك عند الثوريين لأسباب وأهداف يجدونها مشروعة وضرورية لنجاح الثورة وترسيخها وللقضاء على “أعدائها”، وتحقيق أهدافها؛ وكذلك عند اليمينيين والمحافظين وسلطاتهم.
وهكذا وجدنا ذلك عند الشيوعيين والنازيين والشوفينيين والرأسماليين، حتى ليكاد يختلط الأمر فيتعذر التمييز لكثرة حجج كل فريق واعتباراته وتبريراته، ولكثرة الفلسفات و”الأيديولوجيات “التي تتقدم رافعة راياتها للدفاع عن ذلك؛ من كل فريق ومجتهديه ومنظّريه، وفي كل بلد من البلدان أو في كل حزب وشريحة اجتماعية. وكلها تغلف أفعالها وأقوالها وتوجهاتها بالعدالة الاجتماعية، والحق، والشرعية، والمصلحة الإنسانية العليا؛ وتقيم متاريس القيم والأخلاق واعتبارات الدفاع عن النفس والوطن والحرية، ومقاومة الظلم والقهر والعدوان والتسلط والهيمنة… الخ.
حتى أننا وجدنا أن النازيين وضعوا ممارساتهم للإرهاب تحت اسم “الإرهاب ضد الإرهاب” كما كان يقول “الغستابو” وكما يقول “الموساد” والعنصريون الصهاينة اليوم، في سياق تبريرهم لممارساتهم الإرهابية ضد العرب، الذين يقاومون بمشروعية ويقاتلون ضد الاحتلال؛ فقد قال شلومو غازيت، في أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان: “إن السلاح المجدي الوحيد لمكافحة الإرهاب هو “الإرهاب” وإن “إسرائيل” لديها خيارات تتخطى ما استخدمته بالفعل من أجل الحديث باللغة التي يفهمها الإرهابيون”.
لقد أدرج موضوع الإرهاب الدولي أول مرة في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في الدورة السابعة والعشرين عام 1972، وشكلت لجنة من (35) دولة لمتابعة هذا الموضوع. وفي عام 1979 في الدورة 34 اعتمدت الهيئة العامة نتائج أعمال اللجنة التي “أدانت بصورة قاطعة جميع أعمال الإرهاب الدولي التي تعرض للخطر أرواحًا بشرية أو تودي بها أو تهدد الحريات الأساسية، وأدانت استمرار أعمال القمع والإرهاب التي ترتكبها النظم الاستعمارية والعنصرية والأجنبية، سالبة الشعوب حقها المشروع في تقرير المصير والاستقلال وغيره من حقوق الإنسان والحريات الأساسية”، ودعت الدول إلى عقد اتفاقيات ثنائية تساعد على مكافحة الإرهاب الدولي؛ وسلمت بأنه ينبغي للجمعية العامة والأمين العام، من أجل المساهمة في القضاء على الأسباب الكامنة وراء الإرهاب الدولي ومشكلة الإرهاب الدولي، أن يوليا اهتمامًا خاصًّا لجميع الحالات، بما في ذلك في جملة الأمور، الاستعمار والعنصرية والحالات المنطوية على الاحتلال الأجنبي التي تدفع إلى الإرهاب الدولي وتعرض السلم والأمن الدوليين للخطر…”.
وفي الدورة 42 صدر القرار 42/159 الذي حث جميع الدول على “أن تولي اهتمامًا خاصًّا لجميع الحالات، بما فيها الاستعمار والعنصرية والحالات التي تنطوي على انتهاكات عديدة وصارخة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، والحالات التي تنطوي على سيطرة أجنبية واحتلال أجنبي، التي يمكن أن تولد الإرهاب الدولي وتعرض السلم والأمن الدوليين للخطر”…

إلى الأعلى