الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: السلام العار

باختصار: السلام العار

زهير ماجد

لم أصدق ولو مرة واحدة أن هذا الشرق الذي نعيشه يهوى السلام بقدر ما يتجنبه أو هو عار بالنسبة إليه؛ لأن الحرب شهامة، كما يقول سمير عطالله. لا أذكر أن عاما مر عليه إلا وكان على طرف حرب أو داخلا في مشكلة عويصة أو خارجا من أزمة استحكمت فيه. إنها دنياه التي منذ القرن السابع كما يقول أوباما وهي على خراب.
مشهد العالم وهو ينتقل ليلة رأس النسة غيره تماما عندنا .. تلك الليلة احتفال فرح غامر، أما الحقيقة فعند هذا الشرق مختلف، هو يصدر لنفسه، ومن ثم إلى العالم .. ولأنها لعبة مستقاة من تاريخ فلا بأس أن تصدر إليه الأزمات كي يظل عالقا بين الماء وبين النار، كما يقول نزار قباني .. في هذا الشرق، ربما، تقوم أكبر المقابر وهي على ازدياد؛ لأن عالمها هو الموت من أجل الحياة، وأحيانا الحياة من أجل الموت.
هنا لا يلعب الزاحفون إلى النار بأرجلهم .. كل تفكير في هذا الشرق قائم على أن النار تصنع التاريخ أو تجدده، من هنا التوهان فيه، ومن هنا تموت أحلام الإنسان حين يريد أن يعيش صفاء الكون كما في أمكنة أخرى. فلا حدود لهذا الشرق إلا حدوده، ولا عالم إلا عالمه، ولا مصير إلا مصيره .. كلنا بالتالي مكتئبون حين ينفجر، وغير مصدقين إذا مشى إلى سلام نراه في آخر الصورة هالكا.
في كل عام لا يبدو أن له أولا لأنه امتداد لما سبقه، بل لا ذيل له أيضا .. نحسد أولئك الواقفين في مشهد الاحتفالات وهم على فرح طالع من قلب لا يخاف من غده أو من عالمه، بلا شك هو يخاف منا حين يتذكر شرقنا وعناده نحو الموت اليومي وما يصدره من غبار ونفط وجنازات وخوف وأوهام. بعين حسودة أتطلع إلى ذلك المشهد الشبابي وهم يصدقون أن الدنيا القادمة تبتسم لهم، قد تكون كذلك، لكن الشرق يعكر صفو الحالمين .. إنه السريالية في أعلى درجاتها، أن يموت المرء لحظة الولادة، وأن يولد لحظة الموت كي يموت مرة أخرى.
في بداية عام جديد لا أجد نفسي مقبلا على سلام مختلف، سوى أن يكمل ما بدأه، منذ عشرات السنين أو مئاته، منذ أن واكبنا كل الطامعين بشرق يقدم لهم الخبز والماء ويرون فيه دما غير دمائهم. لعنة أن تسكنه، ولعنة أن تبتعد عنه .. لا يمكن لسكان الشرق أن يتركوا مكانهم لأنهم اعتادوا الصورة المتوارثة التي تأتي دائما لتذكر بأنهم فيه.
لا بد أن نسأل دائما ونحن من الشرق وإليه، إذا ما كان يجري فيه تنقية للروح وللبدن باعتبار الحرب مطهرا، تخليصا من أزمات نفسية كما كان يعتقد الهندي أصل أميركا. لكن اعتقادنا أن حروب الشرق التي لم تنته بل تتوالد كي لا يشعر بأن السلام عار، الحروب من خلاياه ومن رحمه المليء بما يخبئ. تلك ليست ظاهرة أنها من أصله، ولهذا السبب زرعت إسرائيل أيضا في أجمل أمكنته كي تزيد الحرب ضراما، ولكي تظل هي على حيوية صراعها من أجل أن لا تفنى لأن السلام يقتلها.
لن أقول سلاما لعام، طالما أن السلام عاره.

إلى الأعلى