الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عندما ينتثِرُ الظلُّ شِعراً

عندما ينتثِرُ الظلُّ شِعراً

الشاعر السعودي “إبراهيم الشمر” أحد شعراء الظلّ الذين حكموا على أنفسهم بالسجن المؤبّد ـ أو يزيد عن ذلك قليلاً ـ وإني لأعجب من شاعرٍ يسجن نفسه بمحضِ إرادته في زنزانةٍ انفرادية جدرانُها مبنية من طوبِ الأفكار الصلبة ومحصّنة بقناعاتٍ من الحديد المسلّح، ويضرب على هذا السجن بسورٍ من فولاذِ الحداثة المُتقلّبة.
ولا يسمح لأحدٍ بزيارته على الإطلاق حتى لا يعكّر عليهِ صَفو ذاته بأيٍّ من التُرّهات، ولكنه يُعطي لنفسه فرصة لمن أرادَه هو ليقوم بزيارته والانفتاح على عالمه.
وهذا هو ديدن المتمرّدين في عالم الثقافة والفكر والأدب.
إنهم يتنمّرون على ذواتهم وهي ماثلة في كياناتهم، فكيف لا يتنمّرون على مَن حولِهم وهي ذوات أخرى غريبة عنهم.
تماماً كما قال في أحدِ نصوصه:
لستُ بشيءٍ ذِي قيمةٍ ومُؤكد أنني أجهلني يحتمل أن الآخرين لم يلحظوا وُجودي إنه دفن نفسه في أقبيةِ الذات حتى أنه يؤكّد جهله بها، كما يحتمل أن ذوات الآخرين لم يلحظوا وجوده.
كلّ ذلك بسبب ما فرضه هذا الشاعر على نفسه من فروضٍ يصعب تحمّلها إلا لأمثالهِ منَ شعراء الحداثة.
إن إرادته قوية في هذا الموضوع فهو يتمتع بحرية كاملة لا يستطيع أيّ أحد أن ينازعه عليها.
هذا ما فهمته بأمّ عقلي المتواضع عن شخصية إبراهيم الشمر.
وهذا بعضٌ مما قرأته في شعرِه النثري الذي أسرني ببيانهِ وكبّلني بمعانيه حتى أتى على قواي.
إنه بكل صراحةٍ هزّني من داخلي حتى أنني تذكرت قول الشاعر:
إذا الشّعرُ لَـمْ يهززكَ عندَ سماعِهِ .. فليسَ خليقاً أنْ يُقالَ لـهُ شِعـرُ صدقوني لقد أقعدني شعره النثري للتأمّل والدّراسة ـ رغماً عن أنفِ ذائقتي الشعرية ـ حتى وإن كان حداثياً وكنتُ كلاسيكياً، حتى لو اتُّهمتُ من قِبَلهِ ومِن قِبَل آخرين بأنني من الشعراء والكتّاب التقليديين حتى النخاع.
أو كما يُسميني “إبراهيم الشمر” ذاتـه بأنني “شاعر الدّخانيات” نسبة إلى أوّل كتيّبٍ أصدرته في مراهقتي الشعرية ـ إن صحّ تسميته بالشعر مجازاً وإلا فإنه من (النظم) التوجيهي ـ، ولا أخفي عنكم أعزّائي أمراً أن دُويويني الصغير ” إلى معشر المدخنين ” كان بمثابة انطلاقة متواضعة للمارد الصغير القابع في ذاتي وكنتُ مغروراً بتمرّده وقتئذٍ..
حتى إذا ظهر على السطح وفرّ إلى فضاءاتٍ واسعة إذا به يُفاجئ بعالم أعجب من العالم الذي وجدته ” أليس في بلاد العجائب “..
وجدتُ أنّ الشعر تماماً كما قال صديقنا الشاعر المبدع محمد القرين: ” ستكتشف أن الشعر لعبة تافهة يعرف أصولها أناس قلة في كلّ مجمع وزمان، وستصبح أحد السحرة بالبيان الذي يخيّلونَه للناس “، هذا لأنني سألته ماذا لو قرأت 100 ديوانٍ من الشعر الأصيل قراءة جادة فأجابني بهذا الجواب، وأظنّ أن الشاعر إبراهيم الشمر أحد هؤلاء القلة وهو أحد هؤلاء السحرة، فهو لا يزال من القرّاء النّهمين للكثير من أسفار الشعر العربي قديمه وحديثه، وهو من ” كِبار القرّاء ” طوال حياته الماضية منذ إطلالاته الأولى من نافذة الروح حتى يومنا هذا، وأظنه سيظلّ متوجساً ومُراقباً لهذه النافذة إلى أن يشاء الله.
لقد أعجتني أشعار إبراهيم الشمر النثرية، واسمحوا لي أن أصيغ هذه الجملة مرة أخرى -: لقد أعجبتني نصوصه الأدبية الحداثية، ولكنني لا أفرّق بين الجملتين على أيّ حال فالشعر النثري هو نص أدبي، والنص الأدبي لا يعدو عن كونه لغة شاعرة، وبما أنّ شاعرنا الشّمر متأثّر في شعره بمكوّنات السرد لكثرة قراءاته في القصة والرواية، وحيث إن تداخل الأجناس الأدبية في الأدب الحديث حتمية لا غبار عليها، وبما أنه لا تكون الرواية رواية إلا إذا تضمّنت هذه اللغة الشعرية الجميلة في التعبير السردي، وإن خلت من هذا الأسلوب الفني الرفيع فهي لا تعدو عن كونها من التقارير التسجيلية لما هو واقع يعكسه الروائي على الورق كالمرآة، وبما أن شاعرنا الشّمر أديب قدير له تجربة تصل إلى أربعة عقود يعي كلّ ذلك؛ ويتمسّك بأركان النص الأدبي المبدع حتى وإن عاشّ في الظلّ الذي طالما تغنّى في أروقته مُسلّطاً الضوء على مشاعره وأحاسيسه، فإنني انطلاقاً من كل ذلك أقول: إنه شاعرٌ يستحق الدراسة حتى لو كان ملثّماً بالظلّ، حتى لو اختبأ خلف ألف ستار.
فها هو يقول في نصه ” ظلك العالق بحناجرهم” من ديوانه المخطوط ( ما تيسّر مني)، وأحسبه هنا يتحدث عن ذاته الشاعرة:
يحدث أن يتفيأك الضالعون في الخديعة فتهبهم شراك مستحيلك وتوقد سندس أصابعك كما أبواب يلج منها الأدعياء فتسح أراجيزهم باليباس ويتربص بهم ظلك العالق بحناجرهم وتمطرهم حروفك الساكنة الشاعر إبراهيم الشمر تميّز في نثرياته الشعرية بالصور المكثفة والمعاني المدهشة، وأكثر ما يميّز نثرياته هذه بخاصية التعبير بالمواراة، وهي من أبرز الأساليب التي لجأ إليها في إبراز جسد النص النثري وأكثر ما يُلفت نظر المتلقي، والمواراة من التقنيات القديمة ولكنها في الشعر الحديث تقنية تعبيرية تطوّرت أكثر من ذي قبل، وقد استفاد رواد الحداثة الشعرية في عالمنا العربي من هذه التقنية وقاموا بتطويرها، وتعددت أساليب الشعراء في الاستفادة من توظيفها في نصوصهم الشعرية، ومنهم شاعرنا الشمر، فهو يتوارى خلف الكثير من الأقنعة التي تحتاج إلى الرصد ومن ثم التفكيك والدراسة التحليلية والمقارنة مع شعراء آخرين.
إضافة إلى لجوء شاعرنا الشمر إلى خاصية الاتكاء على الظلّ المتحرك مُنفرداً والناطقُ مُتحرراً، والمعبّر مُتمرّداً، فهي تتجلى واضحة في أغلب النصوص حتى تَكوّن من الشاعر شاعراً آخرَ، فإذا بنا نقرأ لشاعرين مُتلازمين، مُتحاورَين بحوارٍ قوامه جدلية الأنا والأنا الأخرى.
الأنا الراوية بالحرف والكلمة والجملة، والأنا الساخطة على الواقع.
وهنا يختلفان اختلافاً كبيراً، فالأول مبدع بالشعر النثري، والثاني مبدع بالرأي الفكري والسياسي.
تماماً كما في نص ( زمن للركض ) الذي يقول من ضمنه:
ليس غيبوبة ما كان يرقد في أريكتي ليس صمتا عاطلا يسيجه الخوف أو الجبن وما تناسل من قاموس العجز سوى أن غيابا يمارس الفضيحة هو جذر الفعل والصيرورة فهو بحق يتأمّل كثيراً في ما كان يرقد في أريكته أي واقعه الذي يتكئ عليه ونتكئ عليه جميعنا، فهو ليس صمتاً عاطلاً يُسيجه خوفه وجبنه وخوفنا وجبننا، ويقرر الشمر أن ما تناسل من قاموس عجزه وعجزنا سوى أن غياباً كبيراً وهو عدم حضورنا الحقيقي في الواقع والذي يستحق أن نسميه حضوراً، فكان غياباً مراً يفضحنا جميعاً، وأن هذا الغياب هو القاعدة الكبيرة والجذر الرئيس لانطلاقنا في عالم خنوعنا وارتكاسنا للذلة والمهانة في قبال القوى المهيمنة على العالم.
وهكذا تستمر الأغنية الطويلة لشاعرنا إبراهيم الشمر في ديوانه ( ما تيسّر مني ) الذي كتبه على شكل نصوص منفصلة ولكنه يجسّد في الحقيقة نصاً ملحمياً قوامه الهم الخاص المتمثل في الشمر ذاته منطلقاً من الهم العام متمثلاً في واقعنا، وهذا هو ديدن شعراء الظل الذين ستأتي عليهم في يوم من الأيام شمس التنوير لإظهارهم من زنازينهم المظلمة إلى فضاءات الحرية المستنيرة.
أيها القارئ العزيز في كلّ مكان أوصيك بهذا الشاعر خيراً، ابحث عن أشعاره هنا وهناك، حاول أن تطّلع على كتاباته ولو باقتحامك لعزلتهِ لأنني متأكد من أن نصوصه الشعرية ستظهر يوماً ما وإن أصر الشاعر ذاته على تغطيتها بستارة من الظل، وأكرر مع شاعرنا ” إبراهيم الشمر ” قوله مخاطباً ذاته:
أيهذا الصعلوك رويدا من قال إن ليس للنفق من نهاية وإن ليس لليل من فجر آت،،، فيا أيها الجميل..
لقد وصلت إلى نهاية النفق فآن لك أن تغني للفجر الذي تنتظره.

عقيل بن ناجي المسكين
aqeelmiskeen@yahoo.com

إلى الأعلى