الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / دراسة الخطاب السّردي العُماني .. الأنواع والخصائص- 1939 – 2010

دراسة الخطاب السّردي العُماني .. الأنواع والخصائص- 1939 – 2010

“دراسة الخطاب السّردي العُماني .. الأنواع والخصائص” بحث في الفترة الممتدة من عام 1939 إلى عام 2010 وفق خطّة تحليليّة تأليفية تناولت جميع أنواع الخطاب السّردي بنسقيه التّخييلي والمرجعي وتتبعناها بصورة تأليفية ـ تنظيراً وتطبيقاً ـ مع إدراكنا ونحن نفصل بين هذين النّسقين الكبيرين بما لكل منهما من أنواع وخصائص مقنّنة أنّ جميعها مندرج ضمن منظومة واسعة هي منظومة السّرد ممّا يعني إمكانيّة حصول انزلاقات أجناسيّة، وتفاعلات متنوّعة عبر نسقيّة.
قدّمت للبحث بتمهيد تحدثت في جزئه الأول حديثاً موجزاً عن تعريف الخطاب السّردي وتطرقت لآراء مجموعة من النّقاد لمصطلح الخطاب Discourse معرِّجة على أبرز تيّارين سرديين اهتمّ بهما الباحثون: أولهما، السّرديّة الدّلالية، ويمثل هذا التيار: بروبPropp وبريمون Bremond وغريماس Greimas.
وثانيهما، السّرديّة اللّسانية، ويمثل هذا التيّار، عدد من الباحثين من بينهم: بارت Barthes وتودروف Todorov وجينيت Genette.
ولم أغفل عن الإشارة إلى محاولات النّقّاد وجهودهم للتّوفيق بين منطلقات هذين التّيارين، إذ حاول جاتمان Chatman وبرنس Prince، الاستفادة من معطيات السّرديّة في تياريها الدّلالي واللّساني، والعمل على دراسة الخطاب السّردي في مظاهره بصورة كليّة.
ثم عرّجت على أنواع الخطاب السّردي العماني الذي مهدّت له بمقدمة تنظيريّة تناولت فيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وخطّته، ومنهجي الذي سأسير عليه، وأهميته، مستندة إلى منهج تحليل الخطاب دون التنكّر للمضامين لصالح أشكال السرد متتبعة مسار الخطاب السّردي في عُمان وأبرز الأنواع السّردية التي كتب فيها الكاتب العُماني، وكيف تجلّت اتجاهاتها عبر مراحل زمنية تخوض التّجريب، وتنشد التّطور بهدف الوصول إلى النضج الفني.
لقد مهّدت للدراسة بمهاد تنظيري عن نشأة كل نسق من النّسقين (التّخييلي أو المرجعي) في عُمان، وخاتمة أبرزت فيها أهم التّحولات التي طرأت على الأجناس المنضوية تحت هذا النّسق أو ذاك.
ويجدر التّنبيه إلى أنني راعيت عند المعالجة طبيعة حضور كل نسق من النّسقين (التّخييلي والمرجعي) في السّرد العُماني، لذا سيجد القارئ أنني لم ألتزم بمنهجية محددة أثناء المعالجة، نظراً لما أملته علي ظروف نشأة جنس الخطاب في السّرد العماني، علاوة على مراحل تكونه حتى داخل الباب الواحد.
فعلى سبيل المثال، في الباب الأول، الأجناس السّرديّة التخييلية.
تتبعت في الفصل الأول: القصة القصيرة، وفي الفصل الثاني: الرّواية ثمّ القصة القصيرة جدا وفق مراحل ثلاث وهي النّشأة التّأسيس، ولكن لحداثة القصة القصيرة جداً في الفصل الثالث، عالجتها كظاهرة مستقلة كان لها حضور منذ عام 1994، مستفيدة من جميع الأعمال المطبوعة التي حصلت عليها حتى عام 2010 ضمن مجموعات قصصية، أو مجموعات خاصة بها، غير غافلة عن الإشارة إلى التّجارب التي ظهرت بعد الفترة المحددة للدرس، ومثّلت خصائص هذا النّوع من القص.
وقد خصصت الفصل الرّابع للكتابات التي جاءت بين المتخيل والمرجعي، فقد لاحظت ظهور جنس الرّواية السيرذاتيةNovel” “Autobiographical، وهو كتابة مهجّنة بين نوعين سرديين هما: السّيرة الذّاتية والرّواية، ومثّل هذا الجنس نص “الوخز” لحسين العبري، إضافة إلى نوع آخر ظهر لي يحمل خصائص راوحت بين الرّواية السيرذاتية والرّواية، ويقترب بما يسمى في النّقد الحديث من التّخييل الذاتي “Autofiction”، ومثّلّه نص بين الصحراء والماء لمحمد عيد العريمي.
أمّا بالنسبة إلى الباب الثاني، الأدب المرجعي الذّاتي، فقد اعتمدت عند معالجته أسلوباً مغايراً، نظراً لمحدودية هذه الكتابات وتنوعها.
وقد تطلب منّي هذا تتبع سمات كل جنس ذاتي بما تميّز به، كما فرض علي هذا الانطلاق من النّص والبحث في جماليّاته، والاستناد إلى خصائص تقنيّة، ومعايير علميّة حتى لا يفقد النّص أدبيّته.
ونظراً لحجم المتن المدروس وتنوعه فقد آثرت أنْ أختم بحثي من ثلاث زوايا، حتى يتسنى لي الخروج بخاتمة تقويمية أزعم أنّها تعطي كل نسق حقّه من البحث والتّتبع، علاوة على التّقويم الشامل لتشكل الخطاب السّردي في الأدب العُماني.
شهد الخطاب السّردي العُماني خلال هذه الفترة ازدهاراً وتنوعاً كميّاً واضحاً، يقودنا إلى مجموعة من الإشارات: منها ظهور كثير من الأسماء الجديدة التي أخلصت للتّجربة السّردية التّخييلية بأجناسها ابتداء من القصة القصيرة، فالرواية، فالقصة القصيرة جداً التي شكّلت ظاهرة حديثة، وقدّمت سلسلة من الأعمال المتّصلة، هذا بالإضافة إلى أنّ بعض الكتّاب الذين ظهروا في مرحلة التّأسيس، استمروا في مواصلة إنتاجهم في القصة القصيرة أو الرّواية خلال هذه المرحلة.
وهذا يشير إلى وعي الكاتب العماني بأهمية السّرد التّخييلي، وحضوره في العصر الحديث، وإدراكه ضآلة ما أنتج خلال المرحلة السابقة، ورغبته في مواكبة أنواع السّرد الحديثة، خاصّة الرواية العربية، إضافة إلى تكرار المحاولة كخطوة أولى ومهمة في طريق تطور الأعمال ونضجها، وتعميق التّجربة وتنوعها؛ ولعلّ ذلك ساعد على التّطور الفني الملحوظ في بعض الكتابات.
إنّ القصة القصيرة في عُمان ثابتة في الخطاب النّقدي المعاصر تنظيراً وممارسة، فصيرورة البُنى والأشكال التي جاءت عليها متداخلة مترابطة مع صيرورة البُنى والأشكال الاجتماعية ترابطاً ليس آليّاً مباشراً، بالضّرورة، بحكم تمايز واستقلال كل من الصيرورتين عن الأخرى.
من هنا يمكن أنْ نرصد التّحولات والتّفاعلات الاجتماعية في عُمان، من خلال رصدنا للتّحولات والتّفاعلات الشّكلية التي عاشتها القصة القصيرة منذ ولادتها في منتصف الأربعينيات إلى الآن.
وسيتعمق هذا الرّصد بتتبعي لمضامين وتحولات البُنى والأشكال.
إنّ جنس القصة القصيرة في حدّ ذاته، وبغض النّظر عن هذا الشّكل أو ذاك، أنصع دليل على التّحول التّاريخي الذي اعترى المجرى – السوسيو ثقافي- العُماني.
إنّ تطور القصة القصيرة العُمانيّة متواشج، ومتفاعل مع تطور الأحداث والمخاضات التي حدثت للمجتمع منذ سنوات الانغلاق السّياسي، التي اتسمت بالبحث عن الهويّة الوطنيّة، إلى سنوات الانفتاح التي اتسمت بالبحث عن الهويّة الاجتماعيّة.
كان صوت التّاريخ/ الأيديولوجيا حاضراً على الدّوام، منذ مرحلة البدايات الأولى الموسومة بالبحث عن الهويّة، إلى مرحلة التّحديث الرّاهنة الموسومة بمساءلة الهويّة.
يتأدّى إلي هذا الصّوت بطرائق وأساليب مختلفة، فجاءت النّصوص القصصيّة تمثل تنويعات مختلفة على وتر التّاريخ.
في المرحلة الأولى، كان “الوطن” محوراً للنّص القصصي.
كانت النّصوص جهيرة بالهم الوطني والاجتماعي، هذا ما وجدته عند عبدالله الطائي، ومن تلاه كأحمد بلال ومحمود الخصيبي اللذين أخلصا للهم الاجتماعي. وفي المرحلة الثّانية، حيث انطفأت جذوة الحميّة والحماسة، كان الإنسان محوراً للنّص القصصي؛ فجاءت النّصوص معبرة عن الحالة الاجتماعية وخيبتها، هذا ما نلقاه مثلاً، عند أحمد الزبيدي، وسعود المظفر، وإحسان صادق، ومحمد القرمطي، ومحمد اليحيائي، وحمد النّاصري، وحمد رشيد، ومحمود الرحبي…إلخ.
وفي المرحلة الثّالثة، حيث تعمّقت الخيبة، وطنياً وقومياً، أصبح “الأنا” أنا المثقف المأزوم المحبط، محوراً للنّص القصصي، وهذا ما نلقاه عند جُل قصّاصي المرحلة، واللائحة الطويلة.
إنّ التّمرحل الذي قطعته القصة القصيرة العُمانيّة، يكاد يناظر ويماثل ذاك التّمرحل الذي قطعته القصة القصيرة العربية بعامة، مع فارق أساسيّ، وهو أنّ القصة القصيرة العُمانيّة كانت مشمولة بسطوة الواقع المعيش، فجاءت تعبر عن الحالة الاجتماعيّة والسّياسيّة التي مرّ بها الإنسان العُماني.
ومن منظور عام، جاءت تحولاتها، كالآتي:
- تحوُّل من الخارج إلى الدّاخل.
من الواقع البرَّاني إلى الواقع الجوَّاني، أو من الموضوع إلى الذّات.
- تحوُّل من الرّؤية الماكروسكوبية (الولوع بالتّفاصيل الكبرى) إلى الرؤية الميكروسكوبية (الولوع بالتّفاصيل الصغرى).- تحوُّل من الحدث إلى اللاحدث.
أو من الحدث الديناميكي إلى الحدث الستاتيكي.
- تحوّل من نمطية الشّخصيّة وتماسكها إلى هلاميتها وتخلخلها.
- تحول من الفضاء الهندسي الموضّب إلى الفضاء اللاهندسي المبعثر، وأحياناً إلى اللافضاء.
- تحوُّل من التّسلسل الزّمني، إلى المراوحة وتداخل الأزمنة.
- تحوُّل من اللغة الإخبارية المطمئنة إلى اللغة الإيحائية القلقة.
إنّ عدم الاستقرار الفني الذي تعيشه القصة القصيرة العُمانية، كما هو بدهي، جزء لا يتجزأ من عدم الاستقرار النّفسي والفكري والاجتماعي، ومؤشر عليه.
بيد أنّ هذا لا يمنحنا من اعتبار الواقعيّة هي السّمة الغالبة على القصة القصيرة العُمانيّة.
ومهما تعددت، وتقنّعت طرائق وتجليات هذه الواقعيّة.
هذه بعض المؤشرات الناتئة عن التّحوُّل الذي طرأ على القصة القصيرة العُمانية، وهي كما نلاحظ، تشكّل خلخلة واضحة للبنية التّقليدية، كما أنّها تبرز احتقانا فكريا يشُّفّ بدوره عن احتقان اجتماعي وتاريخي، وأول ما لاحظناه في هذا الصدد، هو تكرار الموضوعات والمضامين القصصية واجترارها، إلى المدى الذي تبدو فيه النّصوص القصصية على اختلاف لغاتها وبُناها تنويعات على وتر واحد، بالنّسبة إلى القاص الواحد أو بالنسبة إلى المتن القصصي عامة.
وهنا نضع أيدينا على أول شرخ في جسد القصة القصيرة العُمانية، وأول مؤشر على أزمتها.
كشفتْ الدّراسة عن سيادة البناء التّقليدي على بناء الرواية العُمانية، يبدو ذلك واضحاً من خلال سيطرة نسق التّتابع في بناء الأحداث، وغلبة الحبكة التّقليدية، وسيطرة البناء التّقليدي في بناء الشّخصية، وبناء المكان من حيث العناية بهما وتقديمهما تقديماً كاملاً شبه تفصيلي، وسيادة النّسق الخطي الأفقي في بناء الزّمن، وسيطرة اللغة الواضحة، وسيادة الراّوي الخارجي – كلّي العلم- الذي يأتي عبر ضمير الغائب.
وكشفت الدراسة عن محاولات جادّة للتّجديد في الرّواية، وسعي دؤوب للخروج من أسر البناء التّقليدي، عبر استخدامها لبعض الأساليب الحديثة، خصوصاً فيما يخص الزّمن الروائي، والرّاوي، حيث عمدت بعض الرّوايات إلى كسر التسلسل الأفقي، من خلال توظيفها لتقنية الاسترجاع أو الاستباق بصورة متكررة فكسرتْ نمطيّة السّرد التتابعي، وجمعت بعض الروايات بين التناوب الزماني، وتعدد الرواة، وفئة ثالثة جمعت أكثر من طريقة جديدة منها التّناوب الزّماني، وتعدّد الرواة، وتعدد الحكايات وتداخلها، وتكثيف اللغة، والاعتماد على الاستبطان بصورة كبيرة، وغيرها من الأساليب الحديثة التي حملتْ في ثناياها ميلاً واضحاً إلى التّجديد ممّا أدى إلى ارتياد عدد قليل من هذه الرّوايات لآفاق التّجريب في محاولة جادّة ومركزة لدى (علي المعمري، وعبد العزيز الفارسي، وجوخة الحارثي، وحسين العبري) ألحقت الرّواية العُمانية بركب الرّواية العربية والعالمية في خوض هذا الميدان.
إنّ ارتباط الرّواية الوثيق ـ خلال هذه الفترة ـ ببيئتها وسعيها إلى التّعبير عنها ـ مكانياً واجتماعياً ـ يبدو واضحاً من خلال أسماء الشّخصيات وقضاياها ولغتها التي حملتْ هذا الانتماء، وأكدّتْ هذا الارتباط؛ كما يبدو واضحاً من خلال المساحة التي احتلها المكان في متن عدد من الروايات التي بدتْ حريصة على تصوير بيئاتها في فترة زمنية، بتضاريسها المكانية والاجتماعية.
إنّ فهم الروائيين العُمانيين لمكونات البناء الروائي، وأهمية كل عنصر، وطرق بناء الرواية المتنوعة، وطرق تقديمها، لم يكن ليوحّد بين الرّوائيين أنفسهم في الإفادة من هذا الفهم والمعرفة، تبعاً لخبرة كل مؤلف وموهبته الفنيّة، كما كان هناك تباين واضح على مستوى العمل الواحد، ففي حين يكشف المؤلف عن فهم وفنية في تعامله مع بعض فصول نصه، تجده دون المأمول في سياقات أخرى.
وهذا ما جعل عدداً كبيراً من الرّوايات العُمانية تبدو فاقدة لشيء ما، لعلّه روح العمل المكتمل التي لا تتحقق إلّا من خلال تعاضد جميع عناصر البناء، وعملها مجتمعة لا بشكل منفرد.
إنّ الرّواية في عُمان على الرغم مما حققته من ازدهار كمي، وتطور فني ملحوظ، خلال هذه الفترة، لا تزال دون مرحلة النّضج والاكتمال، صحيح أنّ هناك عدداً من الرّوايات الصّادرة مؤخراً كتبت بلغة جميلة، واستخدمت بعض الأساليب السّرديّة الحديثة، وحققت نجاحاً إعلامياً ـ على المستويين المحلي والعربي ـ لكن ذلك النّجاح الذي حققته، وتلك الحفاوة التي نالتها، كانت تشير دائماً إلى عنصر واحد من عناصر البناء: إلى اللغة مثلاً، أو المكان، أو الرّاوي؛ وهذا يعني أنّ الاحتفاء كان موجهاً إلى جانب واحد في الرّواية؛ وإلى جزء واحد في البناء الرّوائي، وليس إلى البناء كلّه، الذي لو تؤمل كاملاً، لوجد فيه خلل ما، أو نقص ما، يُشعر القارئ بأنّ الرّواية العُمانية لا تزال تفتقد الرّوح التي تمنحها الحياة الحقّة الدّائمة، وليست المؤقتة، وهذه الرّوح لا تتحقق من خلال التّركيز على عنصر واحد من عناصر البناء، ولا من خلال التّعامل مع عناصر البناء بشكل منفرد، وإنّما تتحقق من خلال التّعامل معها ككل مكتمل، وتحقيق التّرابط بينها بصورة تؤدي إلى تماسك البناء، وجريان الحياة في مفاصله، وسريان الرّوح في أرجائه.
وقفت عند الجماليات الخاصّة التي تنحصر في المقومات البنيوية والدّلالية والوظيفيّة للقصة القصيرة جداً، بعدما تتبعت الإنتاجات، والتّجليّات التي تنتمي إليها تاركة البحث في الجماليات العامة إلى حين دراسة أخرى تؤصل للقصة القصيرة جدا في عُمان، وترصد مسارها التّطوري مقارنة مع شقيقتها في الوطن العربي وأوروبا؛ كي يتم تأسيس نسق عام لتشكلها وتطورها.
لقد عمدت في مقاربتي للجماليات الخاصّة إلى البحث عن المشترك في تجارب البيبليوغرافيا التي رصدتها، وحاولت تجليتها من خلال ملامح ظاهراتية تراعي شروط بناء، وتلقي العمل القصصي.
تتلون القصص القصيرة جداً بتلاوين متعددة، فعند اصطدامي بعناوين المجاميع القصصية العُمانية القصيرة جداً، يتبين اختلاف تراكيبها الجملية والنّحوية، فبعضها يقدم عبارة عن مفردة، وأخرى عبارة عن جملة، وأخرى عبارة عن تركيب ثنائي إسنادي يتشكل من نعت ومنعوت، أو من مضاف ومضاف إليه.
وفي اختلافها التّركيبي هذا اختلاف من حيث المحمولات والدّلالات، بعضها صريح وبعضها مباشر، وبعضها ضمني ومضمر.
كما أنني إذا قمت بنمذجتها بحسب المقولات الحكائية وجدت بعضها يندرج ضمن الشّخوص سواء أكانت جماداً أو إنساناً، وبعضها الآخر يؤشر على إحالات مكانية، وأخرى تندرج ضمن الزّمان، وأخرى تتخذ صيغة حدث الشيء الذي يبرز طولها على الرّغم من قصر القصة الشّديد.
إنّ مقاربة مدلولات العناوين تفيد أنّها توحي أكثر مما تحيل أي تسمح بتأويلات متعددة ومفترضة، تغرق في المفارقة والغرائبية، تعيد الاعتبار لكل ما هو منسي وغابر في الذاكرة الجماعية العالمة.
كما أنّ مضامين القصص القصيرة جداً لا تتردد في اتخاذ رؤية نقدية اتجاه العالم إذ تشخّص عبر عوالمها يقظة الفكر الذي يشهّر بالقيم الدونيّة التي أنتجتها قساوة الحياة، وضنك العيش، وصراع المثقف مع المبتذل من القيم، والمشاعر؛ مما حدا بالحكايا القصصية إلى التّمرد على الواقع فجعلها تشتغل بالعجائبي كوجه تؤسطر به الواقع، وتكسر به كل منطق عقلي ينتج مطلقا أو قيمة ثابتة.
يتمظهر العجائبي من خلال البعد الحلمي باعتباره حالة شعورية لتمثلات اللاوعي الذي يخزن المكبوتات والضغوطات الخارجية، فيجد الفرد نفسه يحلم بالمطاردة، ويسعى إلى الإفلات منها.
كما حملت القصة القصيرة جداً بين ثناياها مرجعيّات ثقافية متعددة، ومتناصات مختلفة، منها ما ينتمي للثّقافة العالمة، وآخر ينتمي للثّقافة المحليّة.
وبتوظيف القصة القصيرة جداً للتناص تصبح أصعب الكتابة السّردية ولوجاً لأنّها تتطلب مبدعاً ارتوى من مشارب مختلفة، وتعددت مقروءاته السّردية، العربية والعالمية.
وهذا بحاجة إلى تغذية واعية وتسلح معرفي حذق لدى كاتب القصة القصيرة جداً في عُمان.
عندما نمعن النّظر في الدّلالة العميقة التي تكشف عنها مدونة القصص القصيرة جداً في عُمان، في سياقها الفني فإننا سنجد أنّ اللغة مسكونة بالتّمرد والرفض أولاً، وأنّ الشّخصية السّردية تضفي رؤيتها السّوداوية على تفاصيل المكان، فيبدو على هذا النّحو من هيمنة النّسقية والنّمطية الثابتة في جوف جماليات الحزن والموت.
لقد بيّنت أنّ التّداخل بين الأجناس الأدبية، وخاصة تلك التي تدخل في نطاق الأدب الشّخصي تفرض علينا الانطلاق من النّص والبحث في جماليّاته، والاستناد إلى خصائص تقنية، ومعايير علميّة حتى لا يفقد النّص أدبيته، فالسّاحة الثّقافية العُمانية تحضر فيها نصوص متنوعة، انفتحت على فضاءات متنوعة بين السّرد والشّعر، وهي بحاجة إلى تجنيس ودراسة معمّقة؛ خاصة إذ أكدنا أنّها ما زالت تتمحور في سردها وإيقاعاتها حول الذّات الكاتبة ومحيطها.
فأدب الذّات خطاب مفتوح يتداخل مع الأجناس الأدبية والمعرفية، يتأثر بها ويتماهى معها.
وكل نص ذاتي يصوغ هويته من خلال الحفر في أعماق ذاتية كاتبها المعيشية والثّقافية والفكرية والجمالية.
بإمكاني أنْ نجمل مقوّمات خطاب الأجناس السّردية التّخييلية العُمانية في ثلاثة:
- منهج يعتمد على فاعليّة العين الرّائية (الفوتوغرافية)، حيث تقترب الكتابة القصصية من الكتابة السّينمائية، وتغدو اللغة وصفية إخبارية، في الدّرجة الأولى.
ويحضر القاص عبر هذا المنهج، راوياً ومحوراً، بضمير المتكلم أو الغائب، وقد يتلاشى من فسحة النّص، وهي حالة نادرة، محوّلا العين القصصية إلى كاميرا محايدة.
- منهج يعتمد على فاعلية الذّاكرة كعين باطنية (المنولوج). أي ما يمكن أنْ ندعوه بكثير من التّحفظ تيار الوعي، حيث تقترب الكتابة القصصية من الكتابة الشّعرية.
وينزل الأنا بثقله عبر هذا المنهج، كاملا، بضمير المتكلم غالباً وبضميري الغائب والمخاطب، أحياناً.
- منهج ثنائي تركيبي، يوائم بين الفاعليتين، فاعلية العين، وفاعلية الذّاكرة، حيث تغدو الكتابة القصصية كولاجاً أو مونتاجاً من اللغات والأصوات.
تتبعت خلال الباب الثاني من هذا البحث أنواع كتابات الذّات في السّرد العُماني، ومراحل تطورها، ومسار تشكّلها، مستفيدة في ذلك من النّظريات الحديثة التي قدّمها منظرو الأدب المرجعي الذّاتي في الغرب من أمثال فيلب لوجون Philippe Lejeune في السّيرة الذّاتية ومحكي الطفولة، وجورج ماي Georges May في المذّكرات وبياتريس ديديه BéatriceDidier في اليوميات، إضافة إلى استفادتي من المحاضرات التي تقدّمها جليلة الطريطر في الجامعة التّونسية، ومنجزها في أطروحة الدكتورا المتعلقة بالسّيرة الذاتية.
إنّ التّداخل بين الأجناس الأدبية، وخاصّة تلك التي تدخل في نطاق الأدب الشّخصي تفرض علينا الانطلاق من النّص والبحث في جماليته للوصول إلى تجنيسه؛ لذا اجتهدنا ونحن نتتبع كتابات الذّات العُمانية في تجنيس كافة الأعمال التي وقعت بين أيدينا داخل العمل حتى الفترة المحددة لهذه الدراسة1.
قمت في الفصل الأول بمهاد نظري تناولت فيه إشكاليّة المصطلح وعلاقته بالأجناس الأدبية الأخرى التي تدخل في إطار الأدب الشّخصي كاليوميات والمذكرات والمقالة الذّاتية.
مركّزة على مفهوم كل جنس ذاتي، وخصائصه، وأبرز الأجناس التي كتب فيها الكاتب العماني كالمذكرات، والسيرة الذاتية، ومحكي الطفولة، واليوميات الخاصّة، والمقال الذاتي.
أمّا في الفصل الثاني، والأخير فقد تناولت فيه بالتّحليل الكتابات الذاتية العُمانيّة الحديثة، وأطّرت لها بمهاد نظري عرّجت فيه على أحوال هذه الكتابات في عُمان.
فتتبعت بواكير كتابة السيّر لدى المؤرخين العُمانيين بحثا عن إشارة تهديني إلى كتابات ذات طابع ذاتي، ثم تتبعت النّصوص التي تدخل في إطار الكتابات الذّاتية منذ “مذكرات أميرة عربية، لسالمة آل سعيد التي نُشِرت في برلين عام 1886، حتى عام 2014، بظهور نصي حياة أقصر من عمر وردة لعبدالله البلوشي، ومقنيات وطن وطفولة لعادل الكلباني.
ثمّ عرّجت على أنواع المدونة الذّاتية العُمانية من خلال موضوعاتها التي ركّزت عليها النّصوص، واهتديت إلى أنّها تتلخص في أولها، محكي الطفولة بين القرية والمدينة، ومثَّل هذا النّوع نصان هما، منازل الخطوة الأولى لسيف الرحبي، وهي نصوص من الذّاكرة تكمل مقام الخطوة الأولى كتبها بأسلوب روائي، يصف لنا جغرافية المكان والأبعاد الثقافية لقريته وللمجتمع العماني بأكمله في مرحلة حاسمة لتحوّل الحياة، ولاحظت أنّ سيف الرحبي لا يفهم ذاته في قطيعة عن المجتمع.
أما بوح سلمى: سيرة مكان و بوح الأربعين: سيرة إنسان لمحمد سيف الرحبي، فهما نصّان يتقاطعان ويتكاملان داخل نصّ واحد، موضوعهما سرد حياة الطفولة.
تبين لي أنّ خصوصية محكي الطّفولة العُمانيّة خصوصية ثقافية محلية لا تثير ذكريات طفولة الفرد بقدر ما تعيد بناء هويّة المكان الجغرافي والثقافي، يعيد الكاتب الذّاكرة الفردية مندمجة ذائبة تماماً في ذاكرة المكان التي هي ذاكرة الجماعة.
وهذا الجانب يؤصل المحكي السيرذاتي العماني في المحكيات الحديثة العربية عموماً كما فعل جبرا إبراهيم جبرا، وعبد الرحمن مجيد الربيعي؛ وبالتّالي ينزاح هذا المحكي عن محكي الطفولة الأوروبي الذي يبني خصوصية الطّفولة الفرديّة في شذوذها وتأصيلها في الفرديّة.
وثانيها، سيرذاتية التّجربة مثّلها نص مذاق الصبر لمحمد عيد العريمي، تجلّت تجربته السيرية في الصّراع مع المرض.
فاللحظة الرّاهنة متمثّلة بزمن الكتابة هي التي ارتدّت على الماضي، واستشرفت المستقبل.
الخطاب أسس بداية من حادثة مأسويّة شكّلت لحظة فارقة في حياة المؤلف/ الراوي لانّه لم يكن قبلها مؤلفا ولا راويا.
لقد كتب هذه اللّحظة المأسوية بأسلوب امتزج فيه السّرد الروائي بأسلوب المقال.
إنّ النّص الواصف للكتابة عند العريمي لم يكتب انطلاقا من الذاكرة الثّقافيّة، وإنّما كتب من ذاكرة حياتيّة فرديّة، وبالتّالي فقد انزاح عن نصوص كتابة السيرة الذّاتيّة ونمطيتها.
و قد لاحظت أنّ الكاتب العماني لا يميل إلى كتابة سيرة ذاتية متكاملة، وإنّما جاءت كتاباته إما ترجمة لمرحلة من حياته كما فعل محمد عيد العريمي في مذاق الصبر، وصالح سالم اليعربي في رحلتي مع الصبر.
و إمّا احتفاء بمرحلة الطّفولة كما فعل سيف الرحبي في منازل الخطوة الأولى، ومحمد سيف الرحبي في نصيه بوح سلمى وبوح الأربعين.
وذهب بعض الترجمين لذواتهم مذهب التّوثيق لحياة عاصرها أكثر من ترجمته لحياته الشخصيّة، وهو ما يتجلّى لدى فعل ذياب صخر العامري في ومضات من دروب الأيام، ومحمد المرجبي في صراج، وخلفان الزيدي في ذاكرة الحنين مما أدى إلى خفوت صوت “الأنا”.
وثالثها، اليوميات، ومثّلها نصّان هما، أرق الصحراء لسيف الرحبي.
وتشظيات أشكال ومضامين لعبدالله حبيب.
وخلصنا إلى أنّ يوميات عبدالله حبيب يوميات متقدمة جداً فنيّا فقد اشتغل على ومضة شبه سينمائية، وجاءت يومياته مرتبطة بأحداث متشظيّة، فقد هشّم عبدالله حبيب الإطار الخارجي لليومية لأنّه هشّم التّتابع الزمني؛ إضافة إلى تلاؤم العنوان مع بنية اليوميّة الداخلية، ودلالته على هذه الاستراتيجيّة اليومتيّة المخصوصة، فكانت يومياته فاقدة كل إمكانيّات الإحالة، وأصبحت لا تحيل إلّا على ذاتها.
فعبدالله حبيب في يومياته بدأ النّص مرجعيّا، وانتهى بتحطيم المرجع.
إنني اجتهدت في إبراز الخصائص الفنيّة التي تجلّت في كل نوع من هذه الأنواع، مع التّركيز على العناوين ودلالاتها الجماليّة وعلاقتها التّفاعلية مع النّصوص ووظائفها النّصيّة، والسّرد وأنماطه بوصفه خطابا يعكس رؤية الرّاوي، وكيفية عرضه لقصته.
ولم أغفل أثناء المعالجة أهمية الزّمن في العمليّة السّرديّة، والعلاقة بين زمن الحكاية وزمن الخطاب.
أما المكان فقد كان له حضور قوي بارز في محكي الطفولة بين تحولات القرية والمدينة في نصيّ سيف الرحبي، ومحمد سيف الرحبي؛ وكذا الحال في اليوميات فقد حضر المكان وتجلى في نصيّ سيف الرحبي، وعبدالله حبيب من خلال مشاعر الألم والشّوق والحنين للمكان.
إنّ الأدب الذّاتي العماني لم ينشأ بمعزل عن النّصوص الذّاتية العربية الأم.
وقد تبين لنا من خلال الدّراسة أن الكتابات الذّاتيّة بوصفها نسقاً مغايراً للكتابات السّرديّة التّخييلية، تستند إلى ركيزتي التّاريخ والأدب، فهي قصة تسرد حياة صاحبها، وتتوافر فيها عناصر التّشويق الفني، والإمتاع البياني، فكتابة الذّات مهما كان نوعها وشكلها ما هي إلّا رواية المرء لحياته، أو جزء منها بأسلوب أدبي.
ومن المفيد ذكره أنّ معظم هذا النّتاج السّردي (المرجعي الذّاتي) كانت عناية أصحابه بالمضمون أكثر من عنايتهم بالشّكل؛ ولذلك يمكن القول: إنّ قيمتها التّاريخية قد تفوق قيمتها الفنيّة، ولكي نتجاوز هذه المرحلة إلى مرحلة أكثر تجويداً وإتقاناً ـ بات لزاماً ـ التنّبيه إلى أنْ تتجه جهود الباحثين والنّقاد للتّعريف بهذا الجنس من الخطاب السّردي، والكتابة فيه، وتوجيه الكتّاب إلى نقاط القوة والضّعف فيما صدر من أعمال، سعياً وراء التنوع والجودة في كتابات الذّات.
ومع أنّ هناك أعمالا متنوعة قد صدرتْ في هذا النّسق الأدبي (كتابات الذّات)، إلّا أنّها بالقياس إلى الأجناس الأخرى تعدّ قليلة، ولا تتناسب مع مسيرة الأدب العماني؛ لذلك جاء الباب الثّاني الخاص بهذا النّوع من الكتابات السّردية محدودا كميا مقارنة بمثيله الباب الأول الخاص بالكتابات التّخييلية.
إنّ الملفوظ الذّاتي بوصفه مقولة سرديّة، قوامها التّأليف بين الظواهر غير المتجانسة، وتقديم وقائع الحياة المرويّة في نسق سردي تنتظمه علاقات مبررة قوامها الرّبط الارتجاعي بين النّتائج وأسبابها البعيدة في الزّمن، كان يمثّل في المدونة العُمانية الحديثة، نشاطاً كلامياً يهدف من خلال إعادة تنظيمه للحياة الشّخصيّة والكشف عن معناها التّأليفي إلى عقلنة الوجود الذاتي، والانتقال منه إلى عقلنة العالم المتمثّل في تلك الفترة الحرجة من التاريخ العُماني الحديث التي تعلّقت فيها همّة المترجمين لذواتهم برصد أهم خصوصياتها، ومختلف فعالياتها، المؤثرة ـ بلا شك ـ في تكييف ذواتهم.
لقد تتبّعنا في هذه الدراسة نشأة السّرد الحديث في الأدب العُماني، وتبيّنّا كيف حبكتْ أنواعه المختلفة. وقد ظهر لنا أنّ هذا السّرد اتّسم بمقوّمات أسلوبية مخصوصة كالخاطرة، والعبارة المتخففة من القاموس المسكوك والزّخرف البلاغي، وسلك من ناحية أخرى نهج التّعبير عن روح الإصلاح الاجتماعي والتّصور الوطني للمرحلة الأولى، أي ما مثّل رؤيته كأدب تبشيري ورسالي.
لقد مكنتني متابعتي للخطاب العماني من رصد التّطور الفني لكتابة أنواع السّرد وخصائصه، خاصة في مضمار القصة القصيرة التي كانت آخذة في التبلور المطّرد بداية من الثمانينات وامتدادا إلى التسعينات.
ولا شك أنّ العقد التّسعيني في عُمان يعد المجال الزّمني الذي تفتحت فيه أقوى الأصوات تعبيراً ودلالة، سواء في القصة القصيرة أو الرواية، وانطلق الحكي الفني عبره يحفر مجراه راسماً مساراته الكبرى في أبنية فنيّة ستتهيكل وتتنضد تدريجياً لتؤكد ما يماثل “هويّة” سرديّة خصوصية، وتفصح عن خصوبة الرؤية والوعي الفني.
أمّا بداية الألفية فقد مثّلت النّضج الحقيقي للقصة القصيرة، فمن جهة بدأنا نلحظ مداومة شبه منتظمة على الكتابة السّردية، وهو ما سمح بتنامٍ لا بأس به لعدد من النّصوص القابلة لتشكيل مرجعية في السّرد ملائمة، ومن جهة ثانية نزوع هذه الكتابة إلى تمثيل التّجربة الاجتماعية والحياتية في التّعبيرات القصصية، وطرحها في قوالب متماسكة ذات إهاب متناسق، وهو ما يعتبر دليل تطور في حصيلة الكتابة المعنيّة، بلا منازع.
إنّ الكتابة السّردية في الأدب العُماني بدءا من النّصوص الرّائدة التي مثّلها عبدالله الطائي، فمرحلة التّأسيس التي مثّلها أحمد الزبيدي وسعود المظفر ومحمود الرحبي وعلي المعمري ومحمد سيف الرحبي، مروراً بالنّصوص الأخرى وصولا إلى ما تراكم في العقد اللاحق الذي أبرز لنا كتابات سرديّة قاربت النّضج عند عبد العزيز الفارسي، وسالم آل تويّة، وعبدالله حبيب، ومحمد عيد العريمي، وحسين العبري، وجوخة الحارثي؛ هي الّتي وضعت الأسس القويّة للالتزام بالقضايا الاجتماعية والوطنية.
إنّ هذه الكتابات السّردية قد اختطّ لها أصحابها مساراً واحداً لا تكاد تحيد عنه رغم ما قد يتعرض له من اختراقات أو يطوله من انزياحات؛ نعني مسار اندراج كل الأنواع السّردية تقريباً، في خط رسم الواقع ومحاكاته، ثمّ تشكيل تصوّر معين عن هذا الواقع إمّا يوازيه كمرآة له، أو يحاول أنْ يتخطاه ليصير احتمالاً وحدساً بما هو أعلى منه.
وفي جميع الأحوال فإنّ الرؤية الواقعية بتنويعات وتلوينات متباينة ـ كما رسمتها ـ هي الشّريان الرئيس في هذا الأدب، وفي القسم الروائي منه خاصة.
إننا مدعوون إلى الإلتفات إلى التّحولات الأساسيّة التي اعترت بنية النّص السّردي، وجعلته ينسرب في تيارات ويتحرك في مدارات متعددة، وهو ما يجعل أنواعه بما تضمنته من قضايا وخصائص تنساق إلى صياغات وقوالب شتى.
ولذلك فإنّ الدّارس لا يجد بدّاً من الإقرار بوجود تنامٍ لا يستهان به في سرد أدبنا كماً وشكلاً، وخلال حقبة زمنية محدودة لا تتجاوز نصف القرن.
لقد كان من أهداف هذا البحث محاولة حصر عدد من المفاهيم، ورسم ما يمكن من أنساق بعضها مقترن بفن السّرد نسجاً وتصوّراً، سواء في أصوله أو لدى استعارته، وبعضها الآخر ألصق بنظرية الأدب عامة وخصائص الخطاب لكل أدب وطني على حدة.
والحقيقة أنّ بحثي تراوح بين ذينك القطبين كليهما، وبقدر ما استفدت من العدّة النّظريّة والتّطبيقات المتوافرة في السّرديات الحديثة، وكذا من رصيد المعرفة الأدبية في حلقاتها المتواصلة، فإنني بقينا مشدودة إلى الطّرائق الخصوصية التي نسج بها العمانيون سردهم أو كيّفوها لرسم معالم حياتهم، ورصد تبدلات واقعهم وأزماتهم الفردية والعامة.
وقد اتضح لي من هذا المسعى كلّ أنّ الأدب والسّرد جزء منهما لم يكتب في الأغلب الأعم بنيّة فنيّة خالصة، ولا للمتعة اللازمة له، ولكن بوصفه غرضا أو كتابة عرضية أهميتها في منطوق جدواها وتبشيريتها وليس في جماليتها، ولا في استيفاء شروط ما يجعل منها عملاً إبداعياً بديع التّكوين.
وإن شئنا التّساهل قلنا إنّ قيمة ومقياس الجميل الفني يخضعان لكثير من التنسيب.
في مرحلة لاحقة، وهي التي نرى أنّها بدأت في الألفية، ستنتقل الكتابة السّردية في عُمان إلى صعيد الاستجابة لقيم وخصائص جمالية بارزة، وستنخرط فيما يمكن أنْ يُعد مشروعاً حقيقياً للتّجديد والتّجريب، أي لكسر البنية التّقليدية ذات الطبيعة الخطية والبناء ذي الوحدات المؤتلفة المتوازنة، ومنه إلى صوغ نصوص سرديّة متشظّية تتعدد فيها المحكيات والأساليب واللغات، وتتقاطع وتتكاثر فيها أنماط من التّعابير، وهو ما حقّق ارتقاء السّرد إلى مرتبة التّخييل ـ حقاً ـ بعد أنْ ظل ردحاً من الزّمن محاكاة عادية للواقع المرآوي، أو تلبيساً له بتصاوير وتمثيلات جاهزة، متعادلة أو منسجمة على الأغلب مع نسب الحياة وصورها المعطاة.
إنّ مقاربة السّرد على صعيد التّخييل الفني، وشحنه بالمادة الخيالية من كل نوع، وكسر النّظم الذّهنية والتركيبية والبنائية، والانزياح عن التّصورات المعهودة، وتوليد نمط جديد من الصور، وإنتاج السّردية في فضاء لم يألفه الوجود الاجتماعي، وزلزلة آليات السّرد عبر التّشظية والتّغريب وبعثرة مراكز الحكي وأقطاب الصّراع والمفارقة؛ هذا وسواه مما تحفل به قصص وروايات العقدين الآخرين يمثل تبدلات هامة مسّت هذا الإنتاج فنمّته وطورته كما غيّرته بكيفية ملحوظة، وجعلته يضحى واقعا فنيّاً بامتياز داخل إطار التّخييل الفني الصريح.
لقد كانت مدونة الكتابات الذّاتيّة العُمانيّة الحديثة، متعددة الألوان تنبض بحياة جيل كان أبناؤه يلتقون طوراً في آلامهم وحنينهم، ويفترقون أطواراً أخرى في رؤاهم وقدراتهم على تمثل حيواتهم وتوظيف تصوّراتهم لتطوير مجتمعاتهم؛ ولكنّهم في الحالتين كانوا يسعون جاهدين إلى تأسيس صورة جديدة للإنسان العُماني الفاعل في تاريخه، السّاعي إلى ترميم حلقات هذا التّاريخ المفقودة، فكان عطاؤهم الفكري والأدبي بلا حدّ.
وسواء أصابوا أو أخفقوا نسبياً في مسعاهم، فيكفيهم أنّهم خاضوا غمار كتابات ذاتيّة وأسسوا لمسار الخطاب المرجعي الذّاتي في عُمان.
وهذا دليل على أنّ الأدب العُماني الحديث مدين لهؤلاء الكتّاب بانبعاثه وتجدده؛ فترجمة الذّات مهما اختلفت نوعية الكتابة في نصوصها تظل أكثر من تعبير عن حياة فرديّة منعزلة أي ذاكرة تلتحم بما هو جمعيّ، ومعبّر عن تاريخ أمة بأكملها.
إنّ صناعة الشّكل السّردي، والاحتفاء بالعناصر القادرة على نحت معالم العالم القصصي، وتشخيص وجوهه وفضائه، وتدبير العلاقات الدّاخلية فيه، هو ما يسم التّطور المذكور بصفة خاصة.
وهذا يتم بطبيعة الحال بواسطة اللغة، وباستخدام الكلام الأدبي المناسب لسرد ذي طبيعة تجديدية وتجريبية في عالم صار فيه نثر الحياة اليومية يمتزج بالرؤى الذّاتية جداً.
هكذا يمكن القول بأنّ الهويّة التي سكنت الإنتاج السّردي في الخطاب العُماني في أطوار تكوينه المختلفة نعني حضور الذّات الكاتبة بتعدد رؤاها، وتباين ثيماتها، لم تعد تسوغ الموضوع وحده أو تشفع لها الرؤية فقط في عالم السّرد، بل صار من الضروري توافقها مع الشّكل الذي يؤهلها لاحتواء مادتها، الشيء الذي يسمح بالحديث عن مضمون للشّكل وشكل للمضمون، أي بالتّحرك حقاً في المجال الأدبي، وليس في نطاق تصورات إيديولوجية، أو لمجرد استثمار رسالة اجتماعية مسبقة قبل كل شيء.
إننا نجزم بأنّ التّجديد وكل ما يندرج في خط الحداثة العميقة، الواثقة من قيمها لا يزال مشروعاً في بداية تحققه، ويحتاج إلى محك نصّي أكبر وأكثر انتشاراً، وإلى بيئة ثقافية وقرائية واجتماعية تسنده، وتخفف من عزلته أو محدوديّة تأثيره.
إنّ الحداثة ليست، ولا يمكن أنْ تكون نصّاً وحده، ولا استيهامات منفردة كيفما بلغت انزياحاتها واختراقاتها، بل هي إلى جانب ذلك وأبعد حالة حضارية وثقافية واجتماعية ووضع إنساني شامل، وهو وضع يفتقر إليه الأدب العُماني الحديث والمعاصر مهما جرؤت فيه التّعابير والخطابات.
وختاماً، لقد حاولت في هذه الدّراسة أنْ أقارب وأصف – بإيجاز- بعض المؤشرات العامة، والخطوط الرئيسة لحال الكتابات السّردية العُمانية، وهي تتمرحل على خط التّطور.
ولا أزعم أنني أحطت بكل ما يجب أنْ يقال عن أنواع هذه الكتابات، إذ تبقى هذه الدّراسة محاولة متواضعة أمام مغاليق أنواع الخطاب السّردي، وخصائصها التي تستحق جهداً أوسع في تمظهراتها المتشعبة التي ما زالت تعطي، وتنتج نصوصاً متنوعة.
هامش:
1- في الملحق (5) لم أقم بتجنيس النّصوص في الببيليوغرافيا التي أعددت، فلا تزال مسألة تجنيس كتابات الذّات بها مشكلية عند النّقاد.

د.عزيزة بنت عبدالله الطائية

إلى الأعلى