الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “الرؤية ـ الأداة الفنية”

“الرؤية ـ الأداة الفنية”

التوجه الوطني في شعر سعيد الصقلاوي “4ـ4″
بين الشعر التقليدي والشعر الحر:
وبينما تبلغ قصائد دواوين الصقلاوي أربعاً وثمانين، فإن الموزونَ المُقَفّى منها أربع وسِتُّون قصيدةً، على حين يلقانا شعره التفعيلي في عشرين قصيدة، أي قرابة الربع من مجموع إنتاجه الشعري، كما سبق.
وحيث تغلب الخبرة الفنية الموروثة على الشاعر، فلقد بدا على قصيدته في الإطار التقليدي الروح الجديدة في انتقاء الكلمات، ودقة عِباراتِه المُبْتكَرةَ، تتعانَقُ فيهِ المُوسيقى مع جمال الصُّوَر.
كان الرَّجزُ منذ نشأة الشعر العربي وَزْناً لُكلّ شاعر، ولكل عربي، وإن لم يك شاعراً: يعرفه البدوي، والمتحضر، والحادي، والبادي، والمرأة والرجل، ويصوغ فيه فكره وشعوره، ولكن سعيد الصقلاوي أكد بإيثاره وزن الرجز، وكثرة ما نظم فيه، حيويةَ هذا البحر الذي جعله القدماء نهجاً لطلاب الشعر، يحفظون الكثير منه، ومما بثُّوهُ خِلاَله من بِنىً وأساليبَ وصُوَرٍ، ونحن نذكر بشاراً وأرجوزته الدالية المعجبِة التي صاغ فيها دقَّةَ فِكره، وقُوَّةَ شُعورِه، والتي مطلعها:
يا طَلَل الحي بذات الصَّمْدِ بالله خَبّرْ كيف كُنتَ بعدي؟1
وخلال شعر سعيد الصقلاوي الموزونِ المُقَفّى نراُه يخُرج إلى اسِتخدام التفعيلاتِ السُباعِيَّة والخُماسَّية، وإن كان أميلَ إلى نَمطِ الَسُّباعِية.
ونراهُ يْستخْدِم في قصائدِ الشعرِ الحُرِّ خَمْسةَ أبحُرٍ هي: المتدارك والوافر، والرجز، والمتقارب، والكامل، وجميعها من الأبحر الصافية.
وتلك الأبحر بطبيعتها المفردة التفعيلة أكثرُ مُواتاةً لكتابة قصيدة الشعر الحر، و”أيسَرُ على الشاعر من نظمه بالبحور الممزوجة، لأن وحدة التفعيلة هناك تضمن حريةً أكبر، وموسيقى أيسر، فضلاً عن أنها لا تُتْعِبُ الشاعِرَ في الالتفات إلى تفعيلة معينة لابد من مجيئها منفردةً في خاتمة كل سطر”2.
وليست الحرية واليسر فقط، بل إن في تتابع التفعيلة الواحدة على نحو ما نوعاً من الدفق الشعري يعادل عاطفة الشاعر، ويعينه في صدقه الفني.
ربما يفسر لنا ذلك أن الصقلاوي أكثر استخداماً لتفعيلة (المتدارك) المخبون: (فَعِلُنْ) من غيره مما ذكرنا من الأبحر التي صاغ فيها قصيدته التفعيلية.
ومن شعره المتدفق بعاطفة يمتزج فيها الحزن والهم بإكبار شهداء الوطن، ويسكب فيها الشاعر حَنْقَهُ على أعداء الحياة، ومما استخدم فيها تفعيلة (المتدارك) المخبون، خلال بانوراما القوافي التزاماً وتنويعاً، تلقانا قصيدته (ألأنك حر تعدم؟)، ومنها:
“سرقوا من أهداب الأطفال الصُّبْحا
وَسقَوا أزْهارَ الأيَّامِ المِلْحَأ
صلبوا في دفق النبض الحُلْمَ
وناحوا حَرقُوا فـي الشريان الأفراحَ
وصـاحُوا فالنهـر دمُ والليـل فم
للأصواتِ المشنوقةِ فوقَ الصُلْبان
للأحزان المرسُومَة فوق الجدران
لشُمُوخٍ مَوْسُومٍ بخُنوِع العَصْر
وَلِنَفْـسٍ تَّدثَّرُ في ثَوبِ القَهْر”3
وشأن الشعراء الكبار الذين صاغهم ديوان الشِّعْرِ العَربيّ بتاريخه الطويل كثيراً ما نرى سعيد الصقلاوي في قصيدة الشعر التفعيلي أكثرَ احتفالاً بتماثُلِ قافِيَتِه يلْتَزِمُها، ولا يكادُ يبرحُها، من ذلك قصيدته (تَوجُّس) في تفعيلة (الوافر):
“متـى يا أيُّها المَطَـرُ متى تنهَلُّ في الشريان، تنهَمِرُ كَشلاَّلٍ مِنَ السَّبَحات والبَركاتِ والأَنوارِ يَنْحَدِرُ متى الَصّحراءُ في الوِجدان تزدَهرُ متـى الظُلُماتُ في الأحْدَاقِ يهزِمُ جيشَها القمرُ فَتَنْدَحِرُ”4
والذي نلمحه أن موسيقى الأبحر التي اختارها الشاعر لقصيدته من وزن وقافية سواء في الإطار التقليدي، أم في شعره التفعيلي قد نقلت لنا نبضه، وشعوره، وجسدت حالاته النفسية المتنوعة، مترجمة عن فكره ورؤاه الواعدة، فقد تضامنت مع كل ما ذكرنا من آليات الفن الشعري، بل كانت عصبها في صياغة نفس الشاعر وعواطفه، كي تصنع مع رؤيتهُ الواعيةُ لحنَ الفَنِّ المُتكَامِل.

القافية

حين كان الشاعر الصقلاوي يختار لقصيدته موسيقاهُ الظاهرةَ، أو تُمْليها موهبتُه وتلقائيَّتُه، وحين كان يفرضُها الموقفُ (الوَطنيُّ)، وحين كان تَيَّارُ الشعور والعاطفة جامحاً به في فَرحِه وحُزْنِه، وَرِضاهُ ورَفْضِه وإصرارِه وغضبِه، فلقد جاءت قوافيه بعد توقيعات البحر – الذي يصوغُ فيه فكْرَهُ وعواطفهُ ورؤُاهُ – تماماً على صنعته، وأجمل توقيعاً – فالقافية هي الخَتْمُ المُؤَثرّ لإِتمام اللحن، يلتزمه الشاعر(في الإطار التقليدي أو التفعيلي أيضاً أحياناً) أو يُنَوِّعُ فيه في تبادُلٍ شُعُورِيِّ بينَهُ وبيْنَ القارئِ والمُتَلقيّ حسبما يقتضي الذَّوقُ والإِحْساسُ استجابةً لدرجة الانفعال بالموقف.
والقافية في جانبيها: الصوتيِّ والدّلاليّ “تجانُسُُ صَوْتِيُّ للحَرَكةِ الأخيرةِ، وللحَرْفِ المُحْتَمل وُقوعُه بِعدَها”5
وقد واءَم الشاعر بين تجربته وبين بناه الإيقاعيةِ في خطاب شعريِّ خلالَ وَحداتِه الصَّوتيَّةِ الموسيقيةِ المُنْسَجِمةِ وخلال المُتآلِفِ والمُتَضادِّ من تراكِيبهِ وبِناهُ الأسلوبية الواعية، وصوره البالغة التأثير تلك التي يصرخ خلالها أحياناً في وجه الطغاة وأعداء الحياة، جاءت قوافيه المُحْكَمةُ تماماً على موسيقاهُ، كي يِصلَ بها المُتَلَقّي إلى (قرار النغم المكرر في القصيدة) على حد تعبير بعض النقاد،6، أو بعبارة أخرى: كي يصل بتشكيله الموسيقي إلى (تاج الإيقاع الشعري)7.
ولدى الصقلاوي – كما أشرنا – قدرة على التصرف في القوافي، واختيار خواتيم إيقاعاته وأوزانه في لوني شعره.
وشعرُ الصقلاويّ التقليديّ، يلتزم فيه القافيةَ في إطارِ القصيدةِ، والخماسية، والسباعية، وإن كان ليُنَوِّعُ في قافيته عندما يخرج إلى الرباعيات ويبدو تنويعه في القوافي أكثر وُضوحاً وَاتِّساعاً فيما كَتبهُ منَ الأناشيدِ الوَطِنيَّة المُذَاعةِ.
فمن شعرِه المغنَّي بالإذاعة العمانية والتليفزيون ذلك النشيد الذي شافهني به:
بلادي عمانُ فِداكِ دمـي وذِكْرُكِ ما عِشْتُ مِلْءُ فمـي ومجْدك سُطِّرَ في الأنجُمِ فسيري وسيري إلى اْلأَعظَمِ فمنذ القديم لنا العـزَّةُ لنا الكبريـاءُ، لنـا القُـوَّةُ لنا في سنا المجد إشراقةُ لنا في غِمار الوََغي صَوْلةُ. ومن شعره المُغنىَّ خارِجَ دَواوِينه الأربعةِ في شَكْلِ الرُباعِيَّة:
لكِ حُبّي يـا بلادي ووفائي واعتقادي وسأمضي في اجتهادي أسبقُ الريحَ مُجيبـا أنتِ غايـاتُ الأمانـي أنت راياتُ الزَّمـانِ فيكِ يسمُـو للعنان شَعْبُنا الحُـرُّ نَجِيْبَـا. وتُردِّدُ عُمانُ مَعَ الشَّاعر نشيدَه الوطنيَّ العسكريَّ:
يا حَيُّ يا قَيُّومْ احفَظْ لنا عُمانْ أبيَّـةً تَـدُوْمْ وبالعُـلا تُـرْانْ.
ولاشك أن تنويع القافية، بدلاً من القافية الواحدة، من شأنه أنْ يُحْدِثَ نَوْعاً من الإنعاش السَّمعِيِّ لَدى المُتَلقّي بما يحمل مِنْ تَجَدُّدٍ إيقاعيِّ يكْسِرُ بَعْضَ المَلَل الذَّي رُبَّما يُحِسَّ بِهِ القارئُ أحياناً نتيجةَ اِلتزامِ الشَّاعر قافيةً واحِدةً بطول قصيدته.
وإن كانت القافيةُ في القصيدة لتَعْملَ على الرَّبْطِ بين أجزاء القصيدة، وتلاقي أبياتِها في لُحْمَةٍ تُؤَدّيها وَحْدَةُ القافية، وما تُضْفيه من تتابع واتفاق متجدد في نهاية كل بيت من أبياتها وما يُؤدِّيه الاِّتفاقُ الصوتيّ والتماثُل من دَوْرٍ تأثيرِيِّ.
وأحْسَبُ القافيةَ تُؤدّي دَورها الدلاليَّ تُعينُ عليه دَوالُّ الشاعرِ وأصواتُه في عِباراتِ قصيدتهِ، كما تُؤَدّي بالصَّوْتِ دورَها التأثيريَّ الجماليَّ في قصيدته إلى عبد الرحمن الداخل – التي مرت بنا – ومن ذلك أن تأتي (نا) المتكلمين في أبيات كثيرة كي تصنع هذه الوحدة المعنوية إلى جانب صوت النون وهو حرف (غُنََّةٍ) يُسْتَعذَبُ في السَّمْع، يَتْلُوهُ الألَِفِ، وهو حرفُ (لين) يجُملُ وَقْعُه أيضاً، خاصَّةً عندما يكونُ بآخِرِ شَطْرٍ رَجَزِيِّ من ذلك أبياته:
يا راحـلاً من عُمْقِنـا لِعُمْقنـا هـلاَّ سألـتَ اليومَ عنْ أخبارِنا وعن شُموخِ الشمسِ في جِباهِنا وعن نشيدِ المـاء فـي ترابِنـا وعن حفيفِ النخلِ في أنغامِنا وعـن أريج الزَّهْرِ في أنفاسِنا وعـن حُروفِ الشّعْرِ في ديوانِنـا وعَنْ بريقِ اللَّـون في لَوْحاتِنا مُشَـَّرُدونَ نحنُ في بُيوتِنا نُفتّشُ الوُجودَ عـن وُجودنِا8
وإلى ما في الأبيات من تعبيريَّةٍ قوِيَّةٍ تجلَّتْ في الأُسْلوبِ والصُورَةِ، والدَّفْق الموسيقيّ تأتي القافيةُ تَتْوِيجاً صَوْتَّيِا ومعنويَّا لبراعةِ الشاعرِ الفَنّيةِ، وقُدْرتهِ على نَقْلِ التَّجْرِبَةِ، وحشْدِ الفكر والشُعور لدَى قارئه.
ومن شعره الجديد الذي يحاول فيه تنويعَ القافيةِ، وتُؤدّي فيها القوافي جمالَ الصوت والمعنى، قصيدته: (مُكابِرُونَ):
هم يعرفون أننـي لا أنثنـي مهما الزمان حَزَّني لا أنحنـي هم يعرفونْ لِكنَّهُمْ مُكابِرْونْ يُمَزِّقُونَ الحُلْمَ في اْلوَريـدِ ويخنُقون الصَّوتَ في النشيـدِ ويزْرَعُونَ المَوْتَ في الوُجُودِ ويُطفِئُون النَّجْمَ في مَـدَارِهْ ويصلُبونَ النَّهرَ في مسارهُ ويخطِفُونَ النُّورَ في نَهارِهْ ويُنكِرونْ فَكيفَ هُمْ لا يعرفونْ!9
إنَّ هذه البنية الإيقاعيَّةَ بما تحمل من الجمالِ والتَّنَوع لِتكسِرَ الرَّتابةَ، لتُضفي حَيَوَّيةً على أسطُرِ الشاعرِ وجُمَلِهِ الشِّعرِيَّةِ، ونلمحُ التضادّ في آخِرِ كُلّ فِقرةٍ خلال توقيعٍ نَََغَِّميِّ مُؤثرٍٍ:
(هم يعرفوْن، لكنهم مُكابرونْ)، وكذا (ويُنكرونْ، فكيف هم لا يَعْرِفُوْن)، مع طغيان حرف النون في المقطع الأول، وختم كِلتا الفقرتين بنون ساكنة (حرفِ غُنَّة) بعدَ الواو (هي حرف لين) يُعْطِي إحْسَاساً بجمال الوَقْع بما يُتِيحه طُولُ الواو من بسْطٍ وحلاوةِ أداءٍ صَوْتي.
ومن ثمَّ تَبْدوُ القافيةُ عُنصراً جمالِياً واضحَ التأثير، ووَسِيلة أُسْلوبِيَّةً ناجحةً في قصيدة سعيد الصَّقْلاوِيّ بما منَحْتهُ مِنْ إيقاعٍ، وما أحْدَثَتْهُ من تأثيرٍ مَعْنَوِيّ يَبْقَى في وِجْدانِ القارئِ ويعيشُ في فِكْرهِ.
وقد اِستَخْدَم الشاعر حُليً صوتيةً وجمالياتٍ موسيقيَّةً تقوُم على التَّساوِي، والتَّماثُلِ، والاِنسجامِ، لعل أهمَّها: التصريعُ والتكرار، كذلك التدويرُ الذي يستجيب الشاعر فيه لدفقةٍ عاطفية.
ومن بنية التصريع – الذي تتفق فيه قافية شطري البيت – ومن قصيدته: (يا أيها المشدود في عروقنا):
أشعلتَ في دمائنا التَمُّردَا والحُبََّ والأحلامّ والتَّجَدُدَا10
والتصريع بنية موسيقية قوية إذ تأتي القافية في البيت الواحد مُضَاعفةً إذْ يُصْبِحُ كل شطرٍ وَحْدةً مُوسيقيةً كاملةً وكأنه بيتُُُ تامُّ عناصرِ الموسيقى (الوزن والقافية) كما يفجأ السامع بجمال الوقعِ ويُؤَثِّر فيه بمُضاعَفَةِ قرارِ النَّغَمِ.
وكثيراً ما يلقانا التصريع في قصيدة الصَّقْلاوِيَ، من ذلك قصيدتُه: (إلى شهيد):
تَجَلَّيْتَ وَهْجًا يشُقُّ الظَّلاما وَبَرْداً لِيُطْفِي اللَّظَى والأوَاما11
ومرَّت بنا – لدى حديثنا عن الرؤية – أَضْرُبُُ من الجمالِ المُوسيقيِّ المعنويِّ، لعلَّ أهَمَّها التكرارُ، ومنه تكرارُ الكلمةِ العنوان في قصيدته: (مُحاصَرون)، ورأينا الضغط على معنى الحصار الفكري والروحي يعكِسُ مُعاناةَ الشاعر على المستويين الذاتيِّ الخاصِّ، والوطنيّ المَعْنَوِيِّ، أدَّاهُ بنجاح استرساله الباكي بتكرار كلمة محاصرون، خلال سبعة أشطر رَجََزِيَّة متتالية، متدفقة منها:
مُحاصرونَ في اختيار لَوْننا مُحاصَرُونَ في انتظار فَجْرِنـا مُحاصَرون في اخْتلاسِ هَمْسِنا مُحاصَرون في ارتعاشِ نْبضنِا محاصرون يا أخي في نَوْمِنا إن هذا التكرار: تكرار كلمة (محاصرون)، وتكرار البِنَى على نحو من التماثل والتساوي، مع قافية (الأرجوزة) الموحدة، وَيْسرُقونَ الكُحلَ مِن عيونِنا وَيَسْمِلُوْن النُورَ في قُلوبِنا ويُخْرِسونَ الصَّوتَ في ضميرِنا12
أقول: إن هذا التكرار من شأنه التأكيد على حالة شعورَّيةٍ وفكرةٍ مُحزِنة بطَبِيعتها، من شأنها بَثُّ الدِلالة التي يقصدها الشاعر من بناه وتعابيره في فكر القارئ، ونقل الشعور الحزين إلى وِجْدانِ المُتَلَقّي خلالَ دفقاتِ قصيدتهِ، وخلال مُناجاتِه القائدَ البِاسل الفاتحَ عبدَ الرحمنِ الدَّاخلَ.
ومما اعتمد عليه الصقلاويُّ في بناهُ الإيقاعية أيضاً: التدوير وهو أن يشتمل البيت على كلمة (واحدة) مشتركةٍ بين شطرْي البيت فلا يستقلُّ كُلُّ من الشَطْرَيْن بنفسه مع هذا الربط بكلمةٍ يتَّحدُ فيها الشطرانِ في النُطْقِ والكِتابة.
والتدويرُ بأن ينتهي الشطر الأول بجزء من الكلمةً، ويبدأ الشَّطْرُ الثاني ببقيَّةِ هذهِ الكلمةِ يُضْفي “على البيت غنائيَّةً ولُيونةً لأنه يُمُّدهُ ويُطيلُ في نَغماتِه”.13
ويأتي التدويرُ – كما أشرنا من قبل – استجابةً لَدْفقةٍ عاطِفَيةٍ خلال استرسال الشاعر في عزفه، من ذلك ومن قصيدته: (حكايا الماء)
يا شِرَاَع الحُلْمِ هَلْ تَدْنُو المَواني لِلّقاءِ وَلماذا كُلَّمـا تَقرُب يَغْشَاك التَّنائـي14
ففي التدوير “إحساسُ” بكسر التكرارِ الشطرِيّ، ينأى بالإيقاع عن الرتابة، وفي ذلك إثراءُُ للإيقاعِ الدَّاخِلِيّ، يكُونُ سَبيلاً لُحرّيةِ الإِبداع.
ممَّا يجَعلُ الإِيقاعَ جُزْءاً من الإِبداع وليْسَ حليةً شكلية.
إذ هو سبيلُُُ لاِنسيابِ عاطفةِ الشاعرِ، والاِسترسالِ الشُّعُوريِّ دُونَ التفكيرِ في الوقفات العَرُوْضِيَّة.15

التضاد في شعر الصقلاوي
وكثيراً ما يعتمد الشاعرُ الطباق وسيلةً أسلوبية (بديعيَّةً) في شعره الموزون المُقَفَّى وشعرِه التفعيليّ معاً، ومرت بنا الإشارةُ إليه، والطّباقُ ظاهرةُُُ أُسلوبِيَّةُُ يعتمِدُها كُلُّ شاعرٍ ليس إيضاحاًً لفكرته فحسب، بل اسْتِخْدَاماً ِلأَثرِهِ المعنويّ في شعور المتلقي وفكره.
وقديماًً نبغ أبو تَمَّامٍ في هذا الفن (أعني صناعة التضاد) – إن صح التعبير، فأكسبه عمقاً ودقة تعكس ثقافتهُ الفلسفيَّةَ المنطقيةَ حيث اكتسى طِباقُه مَع حِدَّةِ الذِّهْنِ ودِقَّةِ الفِكْر أبعاداً ضَوْئيَّةً، ولونيَّةً وجماليةً، جعلته يتفَّوقُ في تَضادِّه العميقِ على مُعاصِرِه أبي عُبادَة الُبْحُتُرِيِّ في طِباقِه السَّهلِ القريبِ، وخطا أبو الطَيِّبِ (المُتنبي) بالطباقِ درجاتٍ أكثر تشقيقاً، وتوليداً، وأجمل تصويراً خلال تناصٍ جديد مع سابَقيهِ أبي تمام والبحتري.
وفي غضون لوني شعر الصقلاوي، رأينا التضادَّ مُقوّماً فنيَّا يُسهِمُ بدَوْرٍ كبير في موسيقاه المعنوية، من ذلك ومن قصيدته: (ألأَنَّكَ حُرُّ تُعْدَمُ؟):
من أفتىَ أنَّ النُورَ ظَـلامْ؟ أو أنّ الصُلْحَ خِصاْم؟ أو أنَّ الغَيَّ رشادْ؟ أو أنَّ الماءَ جمادْ؟ أو أنَّ البحرَ سرابْ؟ أو أنَّ الصَّحْوَ ضَبابْ؟ أو أنَّ اللَّيـلَ نهـارْ؟ أو أنَّ الجَبْـرَ خِيـاْر؟16
فهذه القصيدة – وهي على تفعيلة المتدارك المخبون: (فَعِلُنْ) ثلات مرات في السطر الواحد – بدل أربع – تضيف مع تنوعُّ قوافيها – وجِدَّة تناوُلِ عَددِ تفعيلات بحرها ذلك التضادَّ الذي يُثبِتُ فيه الشاعِرُ للمستعمرين والأعداء القتلة، أنهم يُحاوِلُونَ قلْبَ الحقائق، ومُناقضَة ثوابتِ قوانين الكون، والحياة (فالنور ظلام، والماء جماد، والصحو ضباب، والليل نهار، والجبر خيار.
ولا يفتأ الشاعر يستخدِمُ التضادَّ في قصائِده وسيلةً أُسلوبيةً ناجحةً في تأثيرها المعنوي.

نظرة عامة
خلال محاولتنا التطبيقية تحليل شعر الصقلاوي بدا لنا النص الشعري عنده أقرب في موسيقاه وأوزانه إلى الروح العربية الملتزمة، “فإذا صَحَّ أنَّ ثمةَ “سلفيةً” صريحة”، أو “عصرية سلفية” في الشاعر العماني، فشاعرنا خير ممثل لها، وهي موجودة لدى بعض الشعراء من مصر وغيرها، وهي على أتمها وأوفاها لدى سعيد، فهو رجل تتجاوب في شعره أصداء ثقافته العربية الأصيلة، لم يقف عند شعراء الجيل السابق عليه في عمان، بل جال في خريطة الشعر العربيِّ كُلِّه، واهتم فيما يبدو بحركات التجديد في الموشحات الأندلسية، من جهة التنويعِ والاِلتزامِ المُوِسيقيّ.
وقف على ذلك من خلال قراءته الشعراء المجددين المحدثين من أمثال جماعة أبوللو، وشعراء المهجر، وشعراء التفعيلة من المتزنين لا المتطرفين وتبين في شعره أمارات هذا الاطلاع، ولا تثريب عليه في ذلك لأنه أحالها إلى نسيج فيه عبق ذاته، وكل شاعر في الدنيا لا تمحو أصالته مثل هذه الإمارات البادية، إلا إذا ذاب، وانمحت سحنته، وهو ما لا نراه في حالة سعيد الصقلاوي”17
وقد وَقفْنا عند لغته الصافية، وتميزه الأسلوبي، والجديد الخصب عنده في البنى والتراكيب، وكيف عادلت قصيدته فنياً رؤيته الوطنية العمانية والعربية الملتزمة فعبر عنها بالبنى الأسلوبية العالية، وبالجديد الجيد من الصور الفنية، خلال بنية إيقاعية تعكس خبرة فنية طويلة يشترك فيها مع الشاعر قارئه العربي في التقليدي المجدد، وفي الجديد الملتزم، وهو يعطي بهذا وذاك صورة تَجْلُو لنا قُوَّةَ النَّصِّ الشّعريِّ الحديث في عُمان.
الهوامش:
1.
بشار بن برد – ديوانه (ط.لبنان 1983م – بتحقيق السيد بدر الدين العلوي، ص84 وما بعدها، ومنها: صدت بخَدِّ، وجلت عن خد ثم انثنت كالنفس المرتد ومنها أيضاً: الحر يلحي والعصا للعبد وليس للملحف مثل الرد).2.
نازك الملائكة – قضايا الشعر المعاصر (ط.الثامنة – بيروت 1992) ص80 – 81.
3.نشيد الماء 70.
4.أجنحة النهار 5، 6.
5.كوين – بناء لغة الشعر – ترجمة د.أحمد درويش 97.
6.د.شوقي ضيف – فصول في الشعر ونقده – مقاله: “موسيقى شعرنا العربي” ص32 (ط.الثانية – القاهرة 1977).7.
د.أحمد كشك – كتابه: (القافية تاج الإيقاع الشعري) (ط.الأولى – القاهرة 1983) ص7.
8.نشيد الماء 104 – 105.
9.نشيد الماء 81 – 82.
10.
نشيد الماء 25.
11.
نشيد الماء 35.
12.
نشيد الماء 105، 106.
13.
نازك الملائكة – قضايا الشعر المعاصر 112.
14.
نشيد الماء 18.
15.
د.أحمد كشك – التدوير في الشعر 139 – 140.
16.
نشيد الماء 71 – 72.
17.
د.عبد اللطيف عبد الحليم (أبو همام) – في الشعر العماني المعاصر (ط.
الأولى – القاهرة 1989) ص93.

د. عبدالفتاح الشطي

إلى الأعلى