الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / زِقاقٌ ٲعمَـﯽ إلا صابِرة

زِقاقٌ ٲعمَـﯽ إلا صابِرة

ملامحُ تودِيع النهَار بتلك القَريةِ مُختلِفةٌ تمَـامًا ، لهَا نكهَتُها الخَاصة وطقُوسها النَادِرة ، ذاتَ عصر كنتُ ٲرقبُها من عَلـﯽ سَطحِ منزِلنَـا ، رائِحةُ الماضِي تُعانق الٲثِير وتتبعثرُ بالمكَان بإنسِيابيةٍ مُتقَنة ، ٲصداءُ ٲصواتِ ( المُعصِرات) بالقِيل والقَـال تعلُو ، لتُخالطَ صرخَاتِ فتيانِ الزِقاق بملعبٍ تُرابيﱠ مُجاوِر ، ” شِيخَة ” ابنةُ الجِيران تبلغُ من العُمرِ ثلاثُ سنواتٍ وٲربعةَ ٲشهُر ، تُهرول خلفَ أخِيها مُحمَد وهُو يهربُ بالمِئةِ بيسةٍ خاصتُها ، بُكاؤها يسبقُها ببضعِ خُطوات ، يجبُ ٲن يُعيدها – فهِي نصيبُها من دَلالِ ٲبيهَا كُل مسَاء – يكفِيها أنها حُرمَت منهَا لثلاثِ أيامٍ مضَت لٲنهَا بلَلت فِراشهَا ليلًا ، تلكَ السعادةُ التِي تغمُرها وهِي تفتحُ بابَ دُكانِ العَم بشِير بمصراعيهِ كفيلةٌ ٲن تُنسيهَا ما سبقَ من حِرمان ومن فضِيحةٍ أُُلصقَت بها حينَ ما رأﯼ أطفالُ الحيﱠ فراشهَا مُعلقٌ علـﯽ جِدارِ المنزِل خاصمهَا آخرونَ طيلةَ اليومينِ الماضِيين لٲنَ أمهاتهِم يعتقِدن بٲن التبولَ بالفراشِ ليلًا داءٌ مُعدٍ ..!
“شِيخَة ” تختلِفُ تمامًا عن أختهَا ” صابِرة” التِي تبلغُ من العُمر ستُ سنواتٍ وتسعةَ أشهُر, أحبَها ربُها فابتلاهَـا بالعَمـﯽ ، لٲنهَا لم تنَل نصِيبهَا مِن التطعِيم وكما يُعرف أيضًا – التحصِين – ضدﱠ داءِ الحَصبة ، ٲُصيبَت بها وهِي لم تزَل بعامِها الثالِث ، تتكِئُ علـﯽ ( رزِ ) بابِ منزلهِم الذي أكلَ الصدٲُ نصفهُ وبقيَ النِصفُ الآخر يسترُ البَيت, تُقرفصُ قدميهَا ، تشبكُ أصابعهَا علـﯽ رُكبتيهَا, صمتُها مُهيب ، تُشعرُكَ أنهَا تُمسك العالمَ بينَ كفيهَا وتتٲملُه ، جبِينُها يزينُه ( مِحلبٌ) قُرمزيُ اللون شعرُها طويلٌ مجدولٌ بنصفين، حنطِيةُ البشرَة تٲخذُ من أبِيها أنفهُ الٲخنس ومن ٲُمها شامةٌ يمينَ شفتهَا العُلويةَ ، عينَاهَـا يزيدهُن الكُحل المحليُ جمالًا – يتسِعان لكُل ما حَوﯼ العالمُ من ملامِح ! – ندبُ جبينِها الٲيسر يُخلدُ حِكايةَ سقُوطِها بجُرفِ الوادِي يَوم ٲن كانَت بالرابِعة ، تلحقُ ٲصواتَ ٲطفالِ الحَيﱠ صباحَ عِيد – تتعثرُ قدماهَا ثمَ تهوِي لوادٍ تعلُوه بمترينِ ورُبما ٲكثَر كَان يجبُ عليهَا ٲن تنزِف هُناك لما يُقارب الساعتينِ قبل ٲن يجِدها خالُها صالِح وهُو مارٌ لبيتهِ عائدٌ من ( سبلةِ ) القَرية ، حينمَا ٲوصلهَا لبيتِ ٲهلِها كانت ملابِسُها قد تلطخَت بالدِماء ، قالَ ٲنها لم تبكِ, لم تنبِس ببنتِ شفه سِوﯼ ٲنهَا ٲخبرتهُ ٲنها كانت تَتبعُ ضجِيج الضحكاتِ ووقعَ الٲقدامِ إلـﯽ ٲن اختفَـﯽ الصدﯼ تمامًا – ورحَل مع الرِيح حيثُ لا تدرِي ، وبختهَا ٲُمها لٲنها لوثَت لباسَ العيدِ ! ولٲنها حاولتِ اللحاقَ بهِم بمُفردِها .
- ما كان يجبُ عليهَا ٲن تفعلهَا ، كنتُ قد ٲمرتُها بالمكُوث بالبيتِ لحينِ عودتِي من بيتِ جدتِها المرِيضة ” هكذَا بررﱠت ٲم صابِرة تقصيرَها اتِجاه ابنتِها ٲمامنَا بينَما عقبنَ عليها ٲغلبُ النِساء الجالِسات بـ( فـﯗاد طِفلة )
- كُم من الٲحلامِ خبأها قلبُك الصغير يَا صابِرة
- ما سرُ ذاكَ الصمتِ الطويلِ الغافِي بينَ شفتيكِ (فيمَ تفكرِين) حقًا لكِ من اسمكِ نصيب !
لم ٲركِ قط عبُوسة الوَجه ، ابتسامتكِ النقية تسبقُ سلامكِ ٲحاديثُك الطفولِية مريمِيةُ الطُهر ، رُغم ٲنكِ لم تكُوني ضمنَ من قصدوا المَدرسة الابتدائيةَ الجدِيدة بالمدِينة إلا ٲنكِ كنتِ الٲذكَـﯽ بينهُم ، حفظت سورةَ البقَرة علـﯽ يدِ جدتكِ قبل رحِيلها بشهرَين من الآن!
ٲتعلمِين يَا صابِرة ٲنِي كُلما ٲراكِ تزدادُ قناعتِي ٲننا نحنُ العميان ولستِ ٲنتِ ، نحنُ من ٲغفلنا قلبنا عن ذكرهِ واتبعنَا هوانا وكان ٲمرُنا فُرطًا ، ولستِ ٲنتِ ..!

ما ٲبهاكِ ! ٲنا حقًـا ٲحتاجُ ٲن ٲكونَ [ ٲنتِ ] ليومٍ واحدٍ بعُمري ، لٲرﯼ الدُنيا بقلبكِ ، لٲحيـا بسلامٍ مثلكِ وٲستشعِر كم ٲن الحَياة جميلةٌ ولا تستحقُ كل ذاكَ العناء !

- كنتُ ٲتٲملُ صابِرة وتلوحُ بفكرِي كُل تلك الٲحاديث لهَا شيءٌ بداخلِي يُخبرني ٲنها تسمعُني وتُدرك كل ما ٲرغبُ بقولهِ لهَا.
يبدُو ٲنهَا تتٲهبُ للولوجِ لقُعرِ دارِها ، لم يبقَ الكثِير علـﯽ ٲذانِ المغرِب منذُ صغرِها اعتادَت تٲديةَ فرُوضها بوقتِها ، تتحسسُ جانِب البابِ بيدِها ، تقفُ بإتزان ، صريرُ البابِ خلفها يُطمئِنُها ٲنهُ ما زالَ مفتوحًا لتدخُل بعدما سمِعَت ” ٲم ٲفلَح ” تنادِي علـﯽ ابنِها :
- كفاكَ لعِبًا ، ادخُل لتستحِم سيُـﯗذنُ بعد قلِيل!
مضَت صابِرة وبقِيت تلكَ اللحظاتُ بزقاقِ ذاكرتِي العتيِق ، تُذكرُني بٲن عمَـﯽ القُلوبِ لا يُساوِي شَيئًـا ٲمامَ عمَـﯽ الٲبصَـار ، ولـن ..!

جَواهِر بنت راشِد الحُوسنَيـة
j.alhosnia@gmail.com

إلى الأعلى