الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قصص قصيرة جدًّا

قصص قصيرة جدًّا

منهل الرئيسي
(1)

رقص ٌ
قالت: “انظر، سأرقص”
أرخت ْالجناحين الرفيعين على السُّحُب ِالمتساقطة أمطارها، المتراشقة من أصابع القدمين المتقافزتين، وهي تسبح في حرية الحجرة دون أن تشعر أنَّ أمطاري كانت تضرب بغزارة داخل العين المغلقة التي ظلَّت ْتنظر إليها، وتبتسم ُابتسامتها المعتادة.

(2)
المياه
انقطعت عن المواسير ِالمياه،ُ ولم يعد أحد يتذمَّر، لا لسبب انقطاعها المستمرّ الذي يوفد ضيفاً بين كلِّ يومين، لا لهذا عليهم ألا يتأفَّفوا بعد اليوم؛ بل أنَّ إشاعة جميلة لها وجنة موردة وضفيرة مشتهاة طويلة مسدلة على خصرها البض اللبني، قالت للنَّاس ِإنَّ الأمطار التي سترقص على أرضهم بعد أيَّام قليلة ستكفيهم شرَّ إذلال أنابيب شركة المياه الموقَّرة. فكانت ابتسامة الظَّفر تحيل التكشيرة القبيحة إلى واحة خضراء تنساب مياهها متدفِّقة على وجوه لا تحبُّ بعد اليوم أن تتأفَّف من بُخل ِالمواسير ِالتي تتفل ُفي أياديهم كلَّما فتحوها.
لكن، يُقال أن الإشاعة الجميلة تزوَّجت ْوانتقلت من هذا المكان إلى كوكب ٍآخر فيه البنايات عالية، والشَّوارع منتطمة، والأشجار فرحة، والأمطار ترقص عليها باستمرار. فلم يكن أمام الأنابيب الأخطبوطيَّة إلا أن سخرتْ من الوجوه المتسائلة، بضحكة خليعة، عارية جدًّا، أخذت المدارس والجامعات تعصُبُ أعين التلاميذ الصِّغار عن رؤيتها.

(3) الغابة المنسية

لطالما كانت مستحيلة في نظري: لا يمكن تخيُّل عودتي طفلاً مشاغباً يهزُّ البيت الذي تتنفَّس رئتاه رطوبة صيفية تخنق التي تلاحقني من زاوية إلى زاوية أخرى، ولا تتعب من ترديدها المستمر:”يا ولدي اهدأ”.
كان البيت غابة من الألعاب المتعدِّدة، وكان سقفه ُمرصَّعا بالنكات المضحكة التي لها عصافير مزغردة، مرحة، لا تعرف غير السقف ِالملوَّن بالأزرق السَّماويّ الممتد بسحبه البيضاء، وبالأخضر المعشوشب عن برودة العشب الطريّ، والأصفر اللامع بشمس تشرق دوماً ولا تعرف ما يكون طعم الغروب. وحين رميت،ُ بعد سنوات، المعطف الطفوليّ جانباً، بكلِّ ألوان سقفه وعصافيره، شعرت ُوقتئذ بحرارة الشَّمس ِالتي بدت ْتبدو لي، بمفارقة غير متوقَّعة، أنَّها شمس ٌمختلفة، غريبة، تخرج من حيث تغرب، وتغرب ُمن حيث تخرج؛ شمس ٌلم تتذوَّق ـ على ما أجزم ـ طعم الشُّروق بعد.

(4)
مكتب
المكتب الذي أعمل به لأكثر من سنوات ، الشَّجرة الباسقة قُربَ نافذة سريري، بأغصانها الوارفة، والهبَّاتُ تُنْعِشُ أوراقها الخضراء السَّاقطة ظلالها على صباح حجرتي المتثائبة فجرها. المكتب ذاته الذي تركته يخدش حديقة وجهي الجميلة، ويُخَرْبِشُ بأضفاره الأخطبوطيَّة الصَّفاوة التي شفَّتْ بكارة الاستيقاظ على حجرة عذراء. المكتب ذاته الذي تخطيتُ عتبته في هذا الصَّباح، بعد أن ودَّعتُ الوجوه البلاستيكية، والوجوه الخشبية، والوجوه المستنقعيَّة، والوجوه المرتفعة، وأنا أنظر إلى سماء زرقاء تفتح ذراعيها لتضمَّني بهواء صاف يُشبه جنَّةً منسيَّة وجدتُها مصادفة.

(5)
سرقة
تعلَّم أن يسرق ، تلصَّصتْ نظرته متلمِّسةً زوايا الحجرة النَّائمة، الثياب مُعلَّقة على مشجب الباب، والخطوةُ تخنق البلاطات الباردة، ثمَّ وَثَبَتْ اليدُ إلى هوَّة الجيب كاسرةً نوافذ المحفظة الجلدية. وكان جميلاً أن لا يزال شخير السَّرير هادئاً، بإيقاع يفرد أمواج أبيه في بحر الحُلم.
(6)
روضة أطفال
روضة الأطفال التي كانت البستان الأول الذي أخبرتني أمي أنَّني سألعب هناك كثيراً مع الأطفال، مع مُعلِّمة عصفورية تطير من طفل إلى آخر، وسبُّورة معها طباشير ملوَّنة نرسم بها سماء زرقاء، وحديقة خضراء نَرْسِمُ عليها خطوطا طولية فوقها مستطيلات طولية فوقها دوائر صغيرة، ونشير إلى كلِّ واحدة بإصبع نملية: فهذه الأولى تمثِّل أبي، بمحاذاته تقف أمي، ويقف لصقها أخي الصَّغير.
لكن، لم تكن روضة الأطفال هكذا؛ كانت مختلفة. وجدتُ اليوم الأوَّل رهيباً، فقد كانت هناك أقنعة عديدة مصفوفة، وأجبرونا على ارتداء واحدة منها، وأن ننزع الوجه الطُّفوليّ، وأن نضع ربطة العُنُق الرسميَّة بحرص شديد. وما أثارني، أنَّ جميع الأقنعة لم تكن سوى نسخة عن قناع واحد خال من الملامح.

إلى الأعلى