الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تراثنا العربي “مفقود” في الأعمال الفنية قصيدة “صفير البلبل” نموذجا

تراثنا العربي “مفقود” في الأعمال الفنية قصيدة “صفير البلبل” نموذجا

السيد عبد العليم

تم مؤخرا الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، وحال اللغة يرتبط بحال البلدان الناطقة بها. فكلما قويت تلك البلدان صار للغة وضع قوي والعكس، وكلما تم الاهتمام باللغة كلما تم تعزيز هويتنا وثقافتنا العربية فكم عز اقوام بعز لغات. وفي الحقيقة فاننا بحاجة الى تسليط الضوء على اللغة العربية من خلال استحضار مشاهد الادب العربي بشعره ونثره وادخاله الى واقعنا المعاش من خلال العمل على ادخال ذلك في الدراسة وفي الاعلام بشكل عصري، بحيث يكون مشوقا ويحظى بالاهتمام وذلك بعمل مسلسلات واعمال فنية لمواقف وشخصيات من تراثنا العربي وخاصة الفكاهية منها حتى تكون محل جذب ولاسيما في هذا الوقت الذي صار يغطي فيه شاشات الفضائيات اخبار القتل والتدمير في اغلب بلداننا العربية وصارت اغلب الاخبار والبرامج الحوارية الاخبارية التي تغطي الشاشات في اغلبها محزنة وكئيبة. ونادرا ما نسمع او نشاهد اخبارا مفرحة. كما ان الاعمال الفنية المنتشرة بها الكثير من الاسفاف. فلماذا لا يتم القيام باعمال فنية مصورة مثل البرامج الاذاعية التي كنا نستمع اليها قبل عقود من قبيل” قطوف الأدب من كلام العرب” على الاذاعة المصرية وغيرها حيث كان فيها الفكاهة والتشويق والتعليم والتثقيف والحفاظ على اللغة والادب والهوية العربية الاصيلة. ونقدم هنا مثالا بقصيدة صوت صفير البلبل للأصمعي.
فقد نظم الاصمعي هذه القصيدة متحديا بها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بعد أن ضيق على الشعراء، حيث كان الخليفة يحفظ القصيدة من أول مرة يسمعها فيها ويدعي بأنه سمعها من قبل. فبعد أن ينتهي الشاعر من قول القصيدة يقوم الخليفة بسرد القصيدة إليه وكان لديه غلام يحفظ القصيدة بعد أن يسمعها مرتين فكان يأتي به ليسردها بعد أن يقولها الشاعر بعدما يسردها الخليفة. كما كان لديه جارية تحفظ القصيدة من المرة الثالثة فيأتي بها لتسردها بعد الغلام ليؤكد للشاعر بأن القصيدة قد قيلت من قبل وهي في الواقع من تأليفه. وكان يعمل هذا مع كل الشعراء. فأصيب الشعراء بالخيبة والإحباط خاصة أن الخليفة كان قد وضع مكافأة للقصيدة التي لا يستطيع سردها وزن ما كتبت عليه ذهبا. فسمع الأصمعي بذلك. فتنكر وأعد قصيدة منوعة الكلمات وغريبة المعاني ودخل على الأمير وقال: إن لدي قصيدة أود أن ألقيها عليك ولا أعتقد أنك سمعتها من قبل. فقال له الأمير هات ما عندك، فألقى عليه قصيدة صوت صفير البلبل التي تقول:
صـوت صفير الـبلبـلي هيج قلبي الثملي
المـاء والزهر معا مع زهرِ لحظِ المٌقَلي
و أنت يا سيدَ لي وسيدي ومولي لي
فكم فكم تيمني غُزَيلٌ عقيقَلي
قطَّفتَه من وجنَةٍ من لثم ورد الخجلي
فـقال لا لا لا لا لا وقد غدا مهرولي
والخُـوذ مالت طربا من فعل هذا الرجلي
فولولت وولولت ولـي ولي يا ويل لي
فقلت لا تولولي وبيني اللؤلؤ لي
قالت له حين كـذا انهض وجد بالنقلي
وفتية سقونني قهوة كالعسل لي
شممـتها بأنافي أزكـى من القرنفلي
في وسط بستان حلي بالزهر والسـرور لي
والعود دندن دنا لي والطبل طبطب طب لـي
طب طبطب طب طبطب طب طبطب طبطب طب لي
والسقف سق سق سق لي والرقص قد طاب لي
شـوى شـوى وشاهش على ورق سفرجلي
وغرد القمري يصـيح ملل فـي مللي
ولو تراني راكبا على حمار اهزلي
يمشي على ثلاثة كمـشية العرنجلي
والناس ترجم جملي في السوق بالقلقللي
والكل كعكع كعِكَع خلفي ومن حويللي
لكـن مشيت هاربا من خشية العقنقلي
إلى لقاء مـلك مـعظم مبجلي
يأمر لي بخـلعة حمراء كالدم دملي
اجـر فيها ماشيا مبغددا للذيلي
انا الأديب الألمعي من حي ارض الموصلي
نظمت قطعا زخرفت يعجز عنها الأدب لي
أقول في مطلعها صوت صفير البلبلي
وبعد انتهائه من إلقاء هذه القصيدة، لم يستطع الخليفة ان يذكر شيئا منها. ثم أحضر غلامه فلم يتذكر شيئا ايضا لأنه يحفظها من مرتين ثم احضر الجارية فهي الأخرى لم تتذكر شيئا. فقال له الخليفة سوف اعطيك وزن لوح الكتابة ذهب فعلي اي شيء كتبتها، فقال له الأصمعي: لقد ورثت عمود رخام من ابي فنقشتها عليه نقشا وهذا العمود على جملي في الخارج يحمله أربعة من الجنود. فأحضروه فوزن الصندوق كله. فقال الوزير: يا أمير المؤمنين ما أظنه إلا الأصمعي. فقال الأمير: أمط لثامك يا أعرابي. فأزال الأعرابي لثامه فإذا به الأصمعي. فقال الأمير: أتفعل ذلك بأمير المؤمنين يا أصمعي؟! قال: يا أمير المؤمنين قد قطعت رزق الشعراء بفعلك هذا. قال الأمير: أعد المال يا أصمعي. قال: لا أعيده. قال الأمير: أعده. قال الأصمعي: بشرط. قال الأمير: فما هو؟ قال: أن تعطي الشعراء على نقلهم ومقولهم. قال الأمير: لك ما تريد.
وللعلم فهذا الموقف بين الاصمعي والخليفة أبو جعفر المنصور وهذه القصيدة، تم تمثيلها ضمن حلقات، لكن السؤال هو أين مثل هذه الاعمال على فضائياتنا؟ ولماذا لا يتم اذاعتها مرات ومرات؟ ثم اين غيرها من الاعمال الفنية التي تجسد مثل هذه الامور؟ لقد انتجت الولايات المتحدة مئات الأفلام عن الحرب العالمية والبطولات التي قام بها الجنود الاميركيون وان كانت في اغلبها من نسج الخيال، لكن استخدام الفكرة واستغلال التقنيات الحديثة يجعل العمل الفني حتى لو كانت فكرته ليست قوية، يجعله عملا قويا جذابا.
ان تراثنا العربي مليء بالبطولات والمواقف الخالدة فضلا عن المواقف والحكايات الفكاهية المسلية والشيقة والمفيدة مثل اشعب وبنان وحكاية الجاحظ عن البخلاء وجحا ومواقفه والهجاء كما كان بين الفرزدق وجرير وغير ذلك من الكنوز التي يمكن تقديمها باسلوب سهل في المدارس، بل وفي الصحف سيما في صفحات الثقاقة، وفي اعمال فنية فكاهية بشكل بسيط ومعبر وخال من التعقيدات، مما يجذب اليها قطاعا عريضا من الناس، فيعرفوا تاريخهم وثقافتهم ولغتهم مما يقوي هويتهم ويزيد من تمسكهم بها بعد هذا الانفصال الطويل عن هذا الارث الثقافي العظيم. اننا بحاجة الى اعادة استحضار تراثنا العربي الاصيل في اعمالنا الفنية، بدلا من المسلسلات والافلام المبتذلة في كثير منها والتي لا تقدم فكرا بل ولا فنا ومع ذلك يتم اعادتها وتكرارها.

إلى الأعلى