السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (191) : ظاهرة اللَّحن

نافذة لغوية (191) : ظاهرة اللَّحن

كان العرب في جاهليتهم أصحاب فصاحة ، ينطقون على سجيّتهم ، وتبعاً لسلائقهم اللغوية التي طُبعوا عليها ، فلم يؤثر عنهم في تلك الحقبة لحن ، فلما جاء الإسلام وانتشر في بقاع الأرض ، ودخل الناس في سبيل الله أفواجاً ، واختلط العرب بغيرهم من الأعاجم الذين اعتنقوا الدين الإسلامي ، واضطر هؤلاء إلى تعلّم العربية كي يفهموا الدين الذي آمنوا بمبادئه ، بدأت ظاهرة اللحن تظهر في المجتمع العربي.
ونظراً لانتشار اللحن على ألسنة الخاصة والعامة ، انطلق العلماء إلى البوادي يستنطقون الأعراب، ويحفظون عنهم ، ويدوِّنون في أوراقهم ما تسمعه آذانهم ، وكان الباعث إلى ذلك العمل الحفاظ على النص القرآني من أن يتطرق إليه اللحن. أورد الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد ” سأل الكسائيُّ الخليلَ بن أحمد الفراهيدي: من أين أخذت علمك هذا؟ فقال له: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة ، فخرج الكسائي إلى البادية ، ثم رجع بعد أن أنفد خمس عشرة قنينة حبراً في الكتابة عن العرب سوى ما حَفِظ”.
توالى التأليف والتدوين في اللغة العربية عموماً ، ومتن اللغة خصوصاً ، فكثير من كتب اللغة تمّ تدوينها في بداية عصر التدوين والتأليف ، وأتت الإشارة إلى ذلك صراحة في كتاب الفهرست لابن النديم.
وكان مما اهتم به العلماء فتناولوه بالتأليف والتدوين مؤلفات تُعنى بالتصحيح اللغوي ، أي بيان صحيح الألفاظ وفصيحها ، وبيان ما تلحن فيه العامة ؛ رغبة منهم في مقاومة اللحن الذي أخذ في الانتشار. ولعل أول من اهتم بهذه القضية وأولاها عنايته: علي بن حمزة الكسائي حيث ألّف كتابه (ما تلحن فيه العامة). وألّف أبو يوسف يعقوب بن إسحق بن السكِّيت كتابه (إصلاح المنطق). وألّف محمد بن قتيبة الدينوري (أدب الكاتب). وألّف أبو العباس أحمد بن يحيى الملقّب بثعلب كتابه (الفصيح). وألّف أبوبكر محمد بن حسن الزبيدي كتاب (لحن العوام). وألّف ابن مكي الصقلي كتاب (تثقيف اللسان وتلقيح الجنان). وألّف أبو محمد القاسم بن علي الحريري كتاب (درة الغوَّاص في أوهام الخواص).
وتتابعت المؤلفات في التصويب اللغوي ، واستمرت حتى يومنا هذا ، وممن عنوا بهذا النوع وكان لهم باع طويل فيه:
إبراهيم اليازجي حيث ألّف كتاب (لغة الجرائد) ، و مصطفى جواد حيث ألّف كتاب (قل ولا تقل) ، ومحمد العدناني صاحب كتابيّ (معجم الأخطاء الشائعة ، و معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة) ، والدكتور إميل بديع يعقوب في كتابه (معجم الخطأ والصواب) ، وألّف الدكتور أحمد مختار عمر كتاب (معجم الصواب اللغوي: دليل المثقف العربي).
يتّضح مما سبق أن مقاومة اللحن بالتأليف فيما يعرف بكتب التنقية اللغوية أو التصويب اللغوي – عن طريق رصد الخطأ وبيان وجه الصواب – ظهرت منذ أواخر القرن الثاني الهجري على يد الكسائي ثم استمر التأليف في مقاومة اللحن إلى يومنا هذا ، كما يتضح مما سبق أيضاً أن مقاومة اللحن لم تختص بها ناحية من دون أخرى ، بل انتشرت في ربوع البلاد العربية والإسلامية. والسؤال الذي يطرح هنا: هل انتصرت حركة التصويب اللغوي التي بدأت مبكراً ؟ أو أن اللحن هو الذي انتصر في تلك المعركة ، حيث فشا أمره وانتشر؟
يرى الدكتور محمد عيد في كتابه (في اللغة ودراستها) أن علماء اللغة نظروا إلى اللحن من زاوية الخطأ ، فقاوموه بعنف ، ومع ذلك لم يتنصروا في معركتهم معه ، إذ انتصر اللحن بغلبة الاستعمال وقهر المجتمع اللغوي المتطوّر باستمرار.
وأرى أن الدكتور محمد عيد قد جانب الصواب ، فإن كان علماء اللغة – بما كتبوه في ميدان التصويب اللغوي – لم ينتصروا انتصاراً كاملاً في معركتهم مع اللحن ، فإنهم لم يخسروها جملة ، فهذه المؤلفات القيمة عملت على نشر عدد كبير من صحيح الألفاظ والتراكيب وفصيحهما ، وجعلت ذلك كله ميسوراً أمام من يريد معرفته ، وهذا في حدّ ذاته نوع من الانتصار ، يؤكّد ذلك أن اللحن منتشر على رغم هذه المؤلفات الكثيرة التي أُلِّفت لمقاومته – قديماً وحديثاً – فما بالنا لو تُرك الأمر دون مقاومة؟!
وليس معنى ذلك أننا ندعو إلى الرضا بهذه النتيجة ، والاكتفاء بها ، بل علينا أن نعمل على انحسار اللحن ومحاصرته ، حتى يقلّ خطره شيئاً فشيئاً ، إلى أن نصل – بإذن الله تعالى – إلى الغاية المأمولة والهدف المنشود.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى