السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حتى تعود فلسطين أم القضايا

حتى تعود فلسطين أم القضايا

د.أحمد القديدي

” انقلابان أنجزهما الغرب ضد فلسطين! وكان الانقلاب الأول عام 2001 مع الانتفاضة حينما شعرت إسرائيل بأن أبو عمار بدأ يدرك مخاطر اتفاقية أوسلو التي لم تنفذها اسرائيل وشرع الزعيم ينحاز لقضية شعبه بأمانة، وهنا انقلب عليه الغرب المنحاز لرؤية إسرائيل ففرض عليه تعيين رئيس حكومة حتى يفرغ ياسر عرفات من كل سيطرة حقيقية على مؤسسات السلطة.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في دوامة تفاقم الأزمات العربية وتحولها تدريجيا إلى حروب انجرفت اليها قوات أجنبية متنوعة الأصول مختلفة الأهداف متناقضة الغايات نكاد ننسى نحن العرب أن قضيتنا الأولى هي فلسطين التي تقهقرت وتراجع اهتمامنا بها إلى درجة أننا انصرفنا عنها إلى قضايا أخرى (معهد جالوب لسبر الآراء توصل إلى أن المجتمعات العربية كانت تضع القضية في طليعة اهتماماتها السياسية منذ خمسة أعوام و تراجع الاهتمام عام 2015 إلى وضعها بعد الإرهاب وبعد تدهور القدرة الشرائية وبعد بطالة الشباب والهجرة الناتجة عنها وجاءت وزيرة الخارجية السويدية لتذكرنا بأن يأس الشعوب العربية من حل عادل هو الذي يدفع بشبابنا للتطرف والعنف. ويأتي عالم مؤرخ فرنسي ليذكرنا بدوره وبأسلوب أكاديمي رفيع أن فلسطين هي حجر الزاوية لمعضلاتنا منذ أن بلغ انسداد حلها السبعين عاما و لاتزال.
إنه الزميل الكبير الأستاذ الدكتور هنري لورنس الذي يعتبر هنا في باريس وأوروبا والغرب من أكبر أساتذة الجامعة الفرنسية تخصصا وتعمقا في أسرار وألغاز الشرق الأوسط وهو الذي كرمته الدولة الفرنسية بتحميله مسؤولية كرسي الحضارة العربية في معهد (الكوليج دو فرانس) منذ عقد من الزمن، وهو مؤلف أوسع الكتب التاريخية الأكاديمية انتشارا عن القضية الفلسطينية تم نقلها إلى اللغات الحية المعروفة وتعد مراجع أساسية في معرفة التاريخ العربي الحديث ومنعرجاته المعقدة منذ حملة بونابرت على مصر التي خصص لها الأستاذ لورنس أول أعماله حين كنا زملاء في قسم الحضارة العربية الإسلامية بجامعة السربون الرابعة يشرف على رسائلنا لدكتوراه الدولة المستشرق الفاضل طيب الذكر (دومينيك شوفالييه). للأستاذ هنري لورانس كتب عديدة حول الصراع الفلسطيني الاسرائيلي منها ثلاثة في شكل أجزاء متكاملة هي: اكتشاف الأرض المقدسة 1799-1922 و الرسالة المقدسة للحضارة 1922-1947 و الجزء الثالث الذي صدر منذ أيام بعنوان: استكمال الرسالات النبوية 1947-1967 . و لا يخفى على المتابعين للشأن الفلسطيني بأن أعمال الأستاذ لورنس (المتزوج من سيدة لبنانية) لا تحظى بتعاطف الأوساط الإسرائيلية المناهضة للسلام و العدل و الحق، بل إن هذه الأوساط تحاول النيل من صاحبها و من الرؤية الموضوعية التي يريد تقديمها عن مأساة شعب. الأستاذ لورنس يواصل الكتابة عن القضية بنفس الروح العلمية العالية في شهرية (لوموند دبلوماتيك) و أسبوعية (لوفيجارو)، و طبعا لم يحظ بعد وعلى مدى ثلاثين عاما من الكفاح من أجل الحق العربي ونصرة القضية الفلسطينية بأية دعوة من جامعاتنا العربية و أقسام التاريخ فيها ولا بالطبع من جامعة الدول العربية المنشغلة بما هو أهم! ولا من منظمة المؤتمر الإسلامي التي تحفل أجندتها بالأمور الجدية الأخرى.
كتب الأستاذ يقول: انقلابان أنجزهما الغرب ضد فلسطين! وكان الانقلاب الأول عام 2001 مع الانتفاضة حينما شعرت إسرائيل بأن أبو عمار بدأ يدرك مخاطر اتفاقية أوسلو التي لم تنفذها إسرائيل وشرع الزعيم ينحاز لقضية شعبه بأمانة، وهنا انقلب عليه الغرب المنحاز لرؤية إسرائيل ففرض عليه تعيين رئيس حكومة حتى يفرغ ياسر عرفات من كل سيطرة حقيقية على مؤسسات السلطة. وهكذا أصبح أبو مازن هو رئيس الحكومة، وتم بعد ذلك ابعاد أبوعمار تدريجيا الى غاية وفاته في نوفمبر 2004.
وجاءت بعد ذلك الإساءة الغربية الثانية لفلسطين حين دعا المجتمع الدولي الى انتخابات نزيهة في الضفة والقطاع واختار الشعب بأكثرية مريحة نوابا من الاتجاه الإسلامي للمجلس التشريعي واختار الغرب أبو مازن كخليفة لياسر عرفات. لكن الانقلاب بدأ مع السلوك العقلاني للقيادة الفلسطينية عندما انصاعت حماس رغم شرعيتها الى الحل الوفاقي حتى ترفع أميركا وأوروبا الحظر على لقمة عيش الفلسطينيين. وبدأ ترجيح كفة فتح بصورة لا لبس فيها بالوسائل المعروفة وبالتنسيق مع تل أبيب واشعال فتيل الصراع الأهلي الذي خطط لها طويلا، في سلطة منهارة اقتصاديا و محاصرة ماليا ومقطوعة عنها حتى مستحقاتها من الضرائب والاعانات التي وقع عليها الغرب! والنتيجة أن الغرب يجد نفسه اليوم مورطا في منطق أميركي قديم لبوش الابن نشأ مع حادثة 11 سبتمبر 2001 أي الخلط المبرمج بين حركات التحرر الوطني والارهاب. وهذا الفخ لا تعرف الحكومات الأوروبية اليوم كيف تتحرر منه! وذلك المنطق المنحرف هو الذي يستبعد اليوم حركات المقاومة الفلسطينية من أي مشاركة في ايجاد حلول للأزمات بينما هي حركات سياسية لها شرعيتها المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة والنتيجة التي ستزيد الطين بلة في فلسطين هي أن هذا المنطق الأعوج سوف يضع المناضل النزيه محمود عباس في موقف لا يحسد عليه أشبه بمواقف المتعاونين مع القوى الأجنبية ضد طموحات شعوبهم والمقدمين لمزيد من التنازلات بدون مردود. وحينئذ كيف سيتصرف الغرب إزاء عزلة السلطة التي يطالبونها بتمثيل الشعب الفلسطيني؟
هذه بعض ومضات من تحليل خبير أمين من عقر ديار الغرب للحالة الفلسطينية والعربية عموما. فكيف سيتصرف العرب ونحن نرى بعضهم ينزلقون الى حلول مرتجلة لا تقرأ حسابا سوى لمصالح القوى العظمى المنحازة لعقيدة تسمى أمن اسرائيل و حق الدولة الصهيونية في حماية أمنها كأنما الغرب تناسى أنه منذ أوسلو 1994 وافق الراعي الأميركي على حل الدولتين فإذا بنا أمام مخططات تهدف إلى دفن ذلك المشروع واستحالة تأسيس الدولة الفلسطينية !؟ أفيقوا على هذه الحقائق التي يقولها بجرأة رجال غربيون نزهاء يرحمكم الله قبل فوات الأوان حين لن ينفع الندم. فنحن العرب أدركنا منذ سبعين عاما أن أم القضايا العربية بل والإسلامية هي قضية فلسطين منها وإليها ينطلق ويعود كل مشروع عربي للنهضة والسلام مهما تكثفت السحب الدكناء اليوم عام 2015 فوق رؤوس العرب وإذا ما انجرفنا نحو القضايا الفرعية الهامشية وأهملنا الأصل فنحن ربما حققنا تخوفات الزعيم بورقيبة الذي قال في مارس 1965 بأن العرب سوف يفقدون فلسطين كما فقدوا الأندلس.

إلى الأعلى