الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : مدفع جوار الباب

أصداف : مدفع جوار الباب

وليد الزبيدي

بين ديوانه ـ صواريخ العائلة السعيدة ـ الذي صدر قبل عدة سنوات وديوانه الشعري الصادر قبل أسابيع، يبقى الشاعر العراقي المتميز علي حبش أسير عوالم الاحتلال الأميركي لبلده العراق والتداعيات الخطيرة التي ما زالت تعصف بهذا البلد وناسه، وعندما كان يكتب متألما في بداية غزو العراق وإحتلاله عام 2003، فقد اعتقد البعض لأنه يتأثر بسياط الغزاة والمشاهد اليومية وممارسات بشعة اجرامية للغزاة، واضطر حبش حاله حال الملايين للهجرة من بلاده ومغادرة بغداد مرغما خائفا على أطفاله وعائلته قبل أن يخشى من مخالب الغزاة ومن يساندونه على نفسه، وأمضى عدة سنوات في منطقة هائة بسوريا، ورغم جمال تلك المدينة القريبة من الساحل وما تفيء به من هدوء أخاذ إلا أن الشعر لازم الشاعر ولم يتوقف عن قول ما يجيش بخاطره، مرة على شطر قصيدة وثانية بقفشات تتحدث عن الجنون البشري وخيانة الوطن والعمالة للغزاة، ولم ينزح عن عقله وقلبه وكاهله ثقل الغازي وممارس المستبد، وبالمقابل مقاومة الغزاة والتصدي لهم ولمشاريعهم، وفي حقبته الثالثة سافر بعيدا وعلى بعد آلاف الأميال استقر به المطاف حال الملايين في بلد غزت جيوشه وطنه، وهنا ـ اعتقد البعض ـ أن حبش سيتساهل أو يتناسى وربما يستغرق في حياة أخرى بعيدا عن جنون الشعر، إلا أنه هاتفني قبل فترة ليبلغني أن ديوانه الجديد سيصدر قريبا، ولم أسأله عن مضمون قصائده وعنوان الديوان تحاشيا لاحراجه ـ فربما ـ اتجه لكتابة قصائد الحب بعد أن اصبح بعيدا عن مؤثرات الحياة اليومية في العراق، لكنني تفاجأت حقا بعد قراءة قصائد ديوان علي حبش الذي اختار له عنوانا معبرا بعنوان ـ مدفع جوار الباب ـ ومنذ العنوان مرورا بالقصائد لم يغادر حبش مدينته وبلاده وظلّ وفيا صادقا معاندا صلبا رافضا ما حصل في بلاده فاضحا المجرمين والغزاة والصامتين والمتخاذلين.
يقول حبش في القصيدة الأولى التي اسماها: العراق.
صواريخٌ في أسفلِ القلب
وشظيّةٌ في رأسك
والأيام
مقصلةٌ تمشي
ويقول:
أسلاكٌ تتناسلُ في الشوارع
والناس بين السيطرات ينكسرون
ويختفون.
في جميع قصائد الديوان تلتقي الصورة الشعرية والقضية السياسية ، وفي كل مرة اكتب عن عمل أدبي تتقدم الجملة التي اكتب على الثيمة إلا في هذه المجموعة الشعرية، فقد وجدت أنها ابلغ مما أكتب واعمق من الكلمات التي ترسم المأساة العراقية.
يقول في قصيدة اخرى:
بغدادُ
تبتعد عن أصابعي كلَّ يوم
وعلى صدري
تنبضُ كدماتها
في الحلم زرتُها مرةً
فصافحتني أسلاكها الكهربائية
والدروع والمروحيات
وأيقظتني عبوةٌ ناسفة.
لا تستطيع أن تستشهد بقصيدة وتترك اخرى فكل القصائد تنبض بالألم العراقي الدفين، ويريد حبش أن يقول لنفسه قبل الآخرين أن رائحة الموت والخراب والدمار التي أوقدها المحتلون ومن قبع تحت عباءاتهم السود ما زالت تستعر.
للأسف هناك الكثير من الشعراء الذين صمتوا أو جاملوا ومازالوا ، ورغم غربة حبش إلا أنه لم يغادر ألم العراق.

إلى الأعلى