الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / أفول القوة ومحاولة استعادتها !

أفول القوة ومحاولة استعادتها !

أوكرانيا (3) .. خفايا السياسة والصراع والنفوذ الصهيوني
الحلقة الرابعة

كان عليّ محاورة سياسي آخر يحمل وجهة نظر مغايرة للأولى (السابقة في الحلقة الثانية)، وما إن أخذتُ والأصدقاء استراحة قصيرة شربنا فيها القهوة، حتى حضر الضيف الثاني، وهو الدكتور بيترو ميرونينكو أكاديمي، محلل سياسي ومدير المعهد الدولي للقضايا الإنسانية، يعمل في مكتب إدارة الرئيس الأوكراني، ينحدر من منطقة الدونباس في شرق أوكرانيا.. وكان هذا الحوار معه، سألته:
ــ ما هي في رأيك أسباب الصراع في شرق أوكرانيا، وما هي آفاق حلّها؟ وما هي موازين القوى فعلياً على الأرض؟.
بدأ الإجابة قائلاً: * إن الصراع المسلّح الذي تخوضه روسيا في شرق أوكرانيا ,لا يهدف إلى ضم الأراضي ولا السكان فيها، روسيا ليست بحاجة إلى الدونباسن بل تهدف إلى سرقة التاريخ الأوكراني، فسياسة التوسع لديها تحمل شعاراً عنوانه:” إحياء الإمبراطورية الروسية” بالتالي هي بحاجة إلى التاريخ الأوكراني، الذي يمتد لأكثر من ألف عام، وبخاصة أن المسيحية دخلت إلى روسيا عبر أوكرانيا. أما التاريخ الحقيقي للإمبراطورية الروسية فبدأ منذ القيصر بيوتر الأول، أي في القرن الثامن عشر. قبل ذلك.. كانت روسيا عبارة عن ممالك وإقطاعيات صغيرة حول موسكو، لذلك فإن طموحات روسيا التوسعية الآن، تحتاج إلى تاريخ غنيّ وطويل كتاريخ أوكرانيا.
ــ دعني أختلف معك! فبغض النظر عمّتى ابتدأ تاريخ الإمبراطورية الروسية، لكن روسيا هي عهد القياصرة ومن ثم استطاعت هزم نابليون، روسيا التاريخ.. روسيا الأدب! ألا تتفق معي؟ فالتاريخ أيضاً لا ينفصل عن الجوانب الأخرى؟.
* بصفتي أستاذا للتاريخ، فأنا أشدد على هذا العنوان، وهو بالنسبة لي نقطة البدء أولاً وأخيراً. لم أنكر التاريخ الروسي، وكنت دقيقاً في حديثي.
ــ ذكّرته بالقسم الثاني من السؤال,حول الواقع الميداني؟ استأنف الضيف حديثه مستطرداً: على الصعيد الميداني، فإن موازين القوى على الأرض قد تغيّرت كثيراً خلال العام المنصرم (منذ منتصف 2014 – منتصف 2015)، فبعد التغييرات الجذرية التي طالت وزارتي الدفاع والداخلية، كما أجهزة الأمن والاستخبارات الأوكرانية، فإن دولتنا أصبحت قادرة على الدفاع عن نفسها ولم تعد لقمة سائغة لروسيا، خاصة وأن أوكرانيا استطاعت أن تكسب الرأي العام الأوروبي والأميركي لصالحها. لقد أصبحت روسيا في موقف ضعيف، بعد فرض العقوبات الاقتصادية الغربية عليها، وتخفيض أسعار النفط من خلال: زيادة الإنتاج، وضخ المزيد من كميات البترول في الأسواق العالمية. من المفيد الإشارة إلى: أن روسيا أضعف بكثير مما هي عليه.تحاول جاهدةً من خلال وسائل إعلامها أن تبدو قوية! اعتقد أن الوضع في روسيا, مشابه للحالة التي سادت قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، لذلك فانهيار وتفتت روسيا آتٍ لا محالة. وحسب مصادر مطلعة :فإن كبار رجال الأعمال المهيمنين على السياسة الروسية، والذين تضررت مصالحهم بسبب سياسات بوتين التوسعية، يعدّون العدة للإطاحة به. أما بالنسبة لمسألة توسيع العمليات العسكرية في شرق أوكرانيا، فأنا استبعدها, وأعتقد بأن المرحلة القادمة ستقوم على تجميد الصراع فترة غير محددة. أما فيما يتعلق بالموقف الأميركي من الموقف الروسي في أوكرانيا، قال ميرونينكو: الموقف الأميركي حاسم في عدم السماح بتمرير انضمام شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا لروسيا، تماماً كما الوضع في الحرب الروسية ضد مولدافيا وجورجيا، إن الوضع في أوكرانيا أعطى الولايات المتحدة, الفرصة الذهبية لإذلال روسيا من خلال فرض الهيمنة الأوكرونية الكاملة على دولتنا .
ــ بالنسبة لسؤالي حول تقييمه للوضع الاقتصادي في أوكرانيا؟ أجاب: * إن الوضع الاقتصادي في أوكرانيا صعب جداً، لكن الأسوأ في هذا المجال قد تم تجاوزه, وذلك بفضل المساعدات الاقتصادية والمالية الكبيرة التي قدّمها ويقدّمها الغرب لنا. كما أستطيع القول: بأنه قد تم وقف الانهيار في الاقتصاد الأوكراني، وأن المرحلة القادمة ستكون مرحلة النمو والنهوض، واستطرد قائلاً: أود الإشارة إلى أن روسيا تلعب دوراً تخريبياً مباشراً وغير مباشر في الاقتصاد الأوكراني، فهي تنفق أموالاً ضخمة لدعم الكثير من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التابعة لنفوذها، بهدف ضرب الاقتصاد ,وزعزعة الوضع السياسي في أوكرانيا.
ــ وما هي وجهة نظركم للعلاقة بين أوكرانيا والعالم العربي؟.
* يتوجب القول: أن العلاقات بين الجانبين أكثر من ممتازة بحكم الجوار الجغرافي، وإمكانية التكامل الاقتصادي والتقني والعلمي بيننا أكثر من قائمة. هناك ضرورة لاستمرار التعاون الاقتصادي العربي مع أوكرانيا، بغض النظر عن الظروف الصعبة التي نعيشها في الوقت الحالي. إن هذا التعاون، كما الدعم من قبل الدول العربية للمؤسسات الاجتماعية والعلمية ,سوف يوفّر أرضية صلبة لعلاقات ناجحة وصحيحة تقوم على أسس المصالح المشتركة.
ــ حول سؤالي عن النفوذ الصهيوني في أوكرانيا، أجاب محدثي:
* نحن نتعاون مع كل الدول وليس هناك من خصوصية في التعامل مع “إسرائيل”.الأخيرة تقدم دعماً لأوكرانيا ليس من أجل أهدافها “الإسرائيلية”، وإنما كمجال للصداقة والتعاون بين البلدين! “إسرائيل” لا تتدخل في الشأن الأوكراني، بل نحن من نطلب منها إرسال خبراء اقتصاديين وعسكريين وأمنيين لتدريب جيشنا! ووجود كل هؤلاء مرتبط بالقرار السياسي الأوكراني!.. هؤلاء لن يبقوا طويلاْ، إنها مسألة وقت نحتاجهم فيه، وسيعودون بالطبع إلى بلدهم بعد اتمام مهمتهم.

* * *
انطباعاتي الشخصية حول دور إسرائيل في أوكرانيا، يمكن القول: الكيان يوظف الصراع في أوكرانيا من أجل مصالحه. هذا ما تنطق به الحقائق: استجلاب أكبر نسبة من يهود أوكرانيا إلى إسرائيل، وعددهم فيها يبلغ حوالي نصف مليوناً. إلهاء روسيا عن منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة بعد توقيع صفقة أسلحة حديثة بين روسيا ومصر، تورّد بموجبها الأولى مقاتلات وصواريخ متطورة من طراز S300 وأنظمة متطورة إلى مصر. محللون “إسرائيليون” كتبوا على موقع «تيك ديبكا» القريب من الاستخبارات “الإسرائيلية” :«بأن صفقات الأسلحة الروسية – المصرية تشكل خطراً على ميزان القوى في الشرق الأوسط». هذا ما تحققه دولة الكيان من تأجيج الصراع في أوكرانيا. لقد وقعت “إسرائيل” وأوكرانيا اتفاقية لزيادة عدد الرحلات الجوية الأسبوعية من 21 رحلة إلى 48 رحلة. الصهيوني بيرنارد ليفي تواجد بين صفوف المتظاهرين الأوكرانيين أكثر من مرة، نسأل: ماذا كان يفعل؟ عضو الكنيست الفاشي موشيه فيغلين وفي مقابلة له مع الموقع الإلكتروني لصحيفة (يديعوت أحرونوت)، قال “على إسرائيل أن تكون مستعدة لاستقبال هجرة ضخمة لليهود من أوكرانيا خلال الفترة القريبة القادمة”. هذا غيض من فيض الحقائق المتعلقة بالتدخل الصهيوني في أوكرانيا.
المخطط الصهيوني لأوكرانيا هو جزء من مخطط أميركي ـ غربي يتمثل في حلقات ثلاث: محاصرة روسيا وتوريطها في نزاع على حدودها، فكانت قضية أوكرانيا. المضيّ قدماً في مشروع الفوضى الخلاقة، لذا كان إنشاء مشاريع التنظيمات المتطرفة: داعش والنصرة وغيرهما، وكان ما حققه داعش وغيره من التنظيمات الأصولية المتطرفة في العراق وسوريا ,ومحاولة الامتداد إلى دول عربية أخرى. الحلقة الثالثة: نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، والإشارة للكيان بالبدء في عدوانه على قطاع غزة عام 2014. هذا يتقاطع مع الهدف الإسرائيلي .هذه الخطة لها حلقات ثلاث مترابطة فينا بينها. جرى بحثها في مؤتمر هرتسيليا (14) الذي انعقد في الكيان ما بين 24–31 يونيو 2014، والذي حضره قادة سياسيون وعسكريون “إسرائيليون”, إضافة إلى الخبراء الاستراتيجيين من أصدقائها ، وبخاصة من الولايات المتحدة. جزء من قرارات هذا المؤتمر والأخرى السابقة تبقى سرية، لكن المحاضرات بشأنها تكون علنية، ويجري نشرها في وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة.
من قبل: ثبت بالملموس تسلل اليهود الصهاينة إلى مواقع مؤثرة في المفاصل السوفياتية المؤثرة في الأعلام، وفي الأجهزة الأخرى المختلفة للدولة. في أكاديمية العلوم السوفياتية، في الحزب الشيوعي السوفياتي بما في ذلك لجنته المركزية ومكتبه السياسي. (هذا ما تقوله وثائق سوفياتية كثيرة جرى نشرها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي). لكل ذلك وكما ثبت، فإن الصهيونيين لعبوا دوراً أساسياً في انهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية. بالنسبة لأوكرانيا كان من الطبيعي أن تخضع هذه الجمهورية لنفس مقاييس نشاطات الحركة الصهيونية في الاتحاد السوفياتي.
في أوكرانيا يوجد ما ينوف عن نصف مليون من اليهود، في أوساطهم أثرياء كثيرون، من بين هؤلاء: أرسين ياتسنيوك رئيس حزب (جبهة التغيير)، بيترو بوراشينكو خامس ملياردير في أوكرانيا، لعب دوراً في عهد الرئيس يوشنكو عام 1995، وشغل منصب سكرتير الأمن القومي قبل أن يصبح وزيراً. فيكتور نبشوك ثاني ملياردير في أوكرانيا، صاحب بنك برايفت يمتلك 3 قنوات تلفزيونية. غريغوري سوركيس رئيس نادي دينامو كييف. هؤلاء غيض من فيض نفوذ الحركة الصهيونية في أوكرانيا. هؤلاء الأثرياء يوظفون أموالهم ونشاطاتهم السياسية في خدمة الكيان والحركة الصهيونية عموماً. التدخل الصهيوني في تأجيج الصراع في أوكرانيا هو استكمال متمم لذات التدخل في الأزمة الجورجية عام 2007، والذي لم يبق سراً، وجرى نشر جزء من تفاصيله علناً.
حول أحداث أوكرانيا نستكمل القول: لقد استمرت هذه الأحداث لشهور طويلة تحت عنوان: الحراكات الأوكرانية للمعارضة. في هذه الحراكات وقع قتلى وجرحى وبخاصة من قوات حفظ النظام. جرى تدمير العديد من المباني الحكومية. جرت اعتقالات، خطف، نهب، سرقات وتخريب للممتلكات والمنشآت الحكومية. ما جرى ويجري في أوكرانيا لم يكن مواجهة بين سلطة (مجرمة) ومتظاهرين (سلميين وديموقراطيين)، إنه صراع بين القوى المتعددة على السلطة ,ومنها قوى يمينية نازية متطرفة ,تحوز على دعم مطلق من التحالف الأميركي – الغربي – الصهيوني. لذلك غذّت هذه الأطراف كل عوامل الصراع. القوى اليمينية الأوكرانية موحدة أيديولوجيا، وشعاراتها غربية أميركية صهيونية بامتياز. لقد كشفت المصادر (بما فيها الإسرائيلية) مشاركة 300 جندي إسرائيلي (من اليهود الأوكرانيين الذين هاجروا إلى الكيان، وأدوا الخدمة العسكرية في جيشه، وعادوا إلى بلدهم الأم في بداية الأحداث) في الأحداث الأوكرانية.
هذا يؤكد على صورة التحالف النازي التي شهدناها في ثلاثينيات القرن الزمن الماضي، بين هتلر وزعماء الحركة الصهيونية، لدعم هجرة اليهود إلى إسرائيل مقابل إعطاء الحركة الصهيونية لمعلومات عن التجمعات اليهودية في أوروبا للنازيين. لقد جرى توقيع عدة اتفاقيات بين المعارضة والحكومة، وجرت انتخابات ونجح مرشح المعارضة ,إلا أن الأوضاع لم تهدأ رغم الاتفاق بين أوكرانيا وروسيا والاتحاد الأوروبي. صحيح: إن وقفا لإطلاق النار بين الأطراف المتصارعة، قائم حالياً، لكن الأزمة الأوكرانية لم يجر حلها, والصراع ما زال مفتوحاً على احتمالات كثيرة. كل ذلك يشي بأن القوى الصهيونية ما زالت تعمل على تأجيج الصراع.
لقد هدد أوباما روسيا بالعزلة بسبب أوكرانيا، قائلاً:” إذا واصل بوتين انتهاك القانون الدولي وانتهاك الاتفاق الذي تعهد الالتزام به، فإن العزلة التي تواجهها روسيا, ستستمر”. ديفيد كاميرون هدّد قائلاً:” سنواصل الضغط على روسيا وإذا واصلت زعزعة الاستقرار في أوكرانيا فسنفرض عليها عقوبات”. الرئيس الفرنسي هولاند كان أقل حدة في تهديده:” إن فرنسا تتخذ موقفاً مزدوجاً هو الحزم عند حدوث مخالفات للقانون الدولي. وموقف الحوار”. أنجيلا ميركيل صرحت قائلة ” من المهم انتهاز كل فرصة للتحاور، وهناك تقارب في وجهات النظر بين الأوروبيين حول أوكرانيا وروسيا”. أجواء قمة العشرين التي انعقدت في بريزبين بأستراليا، مثلت سباقاً للهجوم على روسيا ورئيسها، وهو ما حدا ببوتين إلى مغادرة القمة قبل انتهائها. الغرب يعتبر أن اعتراف روسيا بالانتخابات الرئاسية والتشريعية, التي جرت في منطقة الدونباس في جنوب شرق أوكرانيا (دونيتسك ولوغانسك) يشجع سكان هذه المنطقة (أوكرانيون من أصول روسية) على الانفصال. هذا في الوقت الذي يؤكد فيه هؤلاء: أنهم يريدون شكلاً فيدرالياً للوحدة مع أوكرانيا دون الانفصال عنها. الرئيس الأوكراني ايعتقد بأن منطقة الدونباس سائرة باتجاه التقسيم (ولذلك يسمي سكانها بالانفصاليين), وبمساعدة من روسيا! قام وفي خطوة تصعيدية: بقطع كافة الإمدادات والخدمات التي عادة تقدمها مطلق دولة لمواطنيها. واشنطن والناتو وعواصم أخرى تريد نصب صواريخ بعيدة المدى على أراضي أوكرانيا، وموجّهة نحو روسيا! هذا ما لا يسمح به بوتين ولن يفعل. في تصريحاته يؤكد :أن روسيا ستقف ضد هذه الخطوة، وأنها ستستخدم كافة إمكانياتها وطاقاتها للدفاع عن مصالحها.
لقد عاشت الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ودول المنظومة الاشتراكية، وانتهاء الحرب الباردة، مرحلة ذهبية في عالم تميز بالقطب الواحد، وبقيادة أميركا للساحة الدولية. من ثم وبعد مضي عقدين من الزمن: ظهرت روسيا والصين كدولتين كبيرتين ومؤثرتين، إلى الحد الذي يمكن القول فيه: أن قطباً عالمياً آخر بدأ التشكل في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. أصحاب الرؤوس الحامية في كل من واشنطن وتل أبيب وعموم العواصم الغربية, لا يريدون الاعتراف بهذا الواقع الجديد، الذي يفرض حقائقه على الأرض. إحدى هذه الحقائق: أن الولايات المتحدة لم تعد اللاعب الوحيد على الساحة الدولية، فروسيا والصين (وبخاصة الأولى) لهما وجهات نظر مغايرة لما تراه واشنطن, وتحدده من مواقف سياسية، سواء في: أوكرانيا، القضية السورية، والمشروع النووي الإيراني. كذلك حقيقة: أن كوريا الشمالية أصبحت لاعباً نووياً، بحيث بات صعباً توجيه ضربة عسكرية لها من قبل الولايات المتحدة ودول المعسكر الغربي.
الولايات المتحدة وحلفاؤها عموماً يتعاملون مع روسيا باعتبارها(دولة صغيرة مارقة)، ومع بوتين باعتباره (غرّاً)! لقد شبّه الرئيس أوباما، بوتين “بأنه التلميذ الكسول, الذي يجلس في آخر الفصل غير عابئ بما يجري حوله”، كان ذلك في أحد مؤتمراته الصحفية على هامش قمة العشرين التي جرت في إيرلندا الشمالية. تصوروا ماذا يقول رئيس دولة عظمى عن رئيس دولة عظمى وريثة الاتحاد السوفياتي؟ إنها العنجهية الأميركية بكل صلفها.
العين بالعين والسن بالسن، وسياسة فرض الوقائع، هذا ما تطبقه روسيا في عهد بوتين .عقوبات أميركية وأوروبية ضد مسؤولين روس وأوكرانيين مؤيدين للسياسات الروسية في أوكرانيا، قابلها بوتين بعقوبات ضد مسؤولين أميركيين. انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا أصبح حقيقة واقعة. صحيح إنها خطوة أزعجت الغرب, ولكن ليس بإمكانه تغيير الواقع، ليس بين يديه سوى العقوبات , وهذه أياً كان اتساعها ستظل محدودة. الرئيس الروسي يدرك تماماً أن الغرب يحتاج إلى بلده في شأن الكثير من القضايا العالمية. على ما يبدو أن الغرب ما زال يتعامل مع روسيا مثلما تعامل معها مباشرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. كانت بحاجة ماسة إلى شتى أنواع المساعدات من واشنطن والعواصم الغربية. روسيا في عهد بوتين ليست روسيا يلتسين الضعيفة المهلهلة الفقيرة التي بحاجة إلى دعم أميركي ــ أوروبي!
بوتين أكّد مرات عديدة: بأن روسيا قوية باقتصادها، بسياستها الخارجية، وهي تقف موقف النّدية للولايات المتحدة والأوروبيين (الشركاء الغربيين) وفقاً لتسميته لهم. بسياساته، وضع الرئيس الروسي حداً للأحادية القطبية، وهو الذي تحدث مراراً عن ضرورة (التعددية القطبية) في خطاباته .كان أبرزها خطابه في مؤتمر الأمن في ميونخ في عام 2007، وكان يستعد حينها للانتقال لمنصب رئيس الوزراء في عهد ميدفيديف. استمرت السياسة الروسية بكافة تفاصيلها, لكن مع خطاب ميدفيديفي أكثر ليونة وليبرالية، إلى أن عاد بوتين إلى الرئاسة، ليعود الألق والبريق إلى خطواته السياسية, بمقدار أكبر مما كان عليه في فترتي رئاسته الأولى.
لطالما تعبت روسيا من (حشرها في الزاوية) من قبل الغرب, الذي اتهمه بوتين: “بأنه دائماً ما خدع روسيا, واتخذ قرارات من وراء ظهرها”. الغرب فعلياً يتمسك بسياسة( تفتيت روسيا منذ عهد القيصر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وصولاً إلى القرن العشرين في مواجهة الاتحاد السوفياتي).
لقد ابتدأت مجابهة بوتين بعد فترة قصيرة نسبياً من فترة رئاسته الأولى. كان في البداية منشداً إلى تصفية حكم المافيات في روسيا، وإلى ضبط الأمن وفرض سلطة الدولة على كافة بقاعها المتسعة، وإعادة الاقتصاد الروسي إلى حيويته وأوضاعه الطبيعية. واستعادة مؤسسات القطاع العام التي خصخصها يلتسين مباشرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. قام بفرض سلطة الدولة عليها، وصادر أموال العديدين من الميارديرات (الأغنياء الجدد ومعظمهم تابعين للحركة الصهيونية), فوضع البعض في السجون، وهرب آخرون من روسيا.
بعد أن استقامت ظروف الفيدرالية الروسية. أولى بوتين الأهمية الكبرى لسياسات روسيا الخارجية ومجابهة عالم القطب الواحد. أبرز خطوة قام بها على طريق هذه المجابهة هي الحرب الروسية ــ الجورجية في عام 2008 حين قام بالتدخل لحماية الروس في تلك الجمهورية إبّان رئاسته الثانية. التي ابتدأت مع مجيئه إلى السلطة في عام 2012. تصعيد روسيا من مجابهتها للغرب كانت الخطوة الأبرز (حتى اللحظة) في عناوين هذه المجابهة وهي: استعادة شبه جزيرة القرم، بعد أن كان الرئيس خروتشوف قد منحها (بقرار فردي صادق عليه السوفيت الأعلى آنذاك) إلى أوكرانيا, فهو مثلما يقول الروس يعشق أوكرانيا.
قبل عودة بوتين إلى الرئاسة، انشغلت أجهزة الإعلام الغربية وبخاصة الأميركية: بالتركيز على الداخل الروسي وبالإدعاء، أن إعادة تنصيبه ستحمل معها خطراً على الحريات في الفيدرالية الروسية. المعارضة الداخلية كالت هذه الإتهامات للرئيس القادم، الأمر الذي يعني: وجود تنسيق ما بين الطرفين، وبخاصة ومثلما يقول مراقبون كثيرون: بأن المنظمات غير الحكومية التي تتلقى دعماً من الخارج، انتشرت في روسيا كالنار في الهشيم.
جملة القول: أن الحرب الباردة بدأت فعلياً من جديد ولكن بمواصفات جديدة غير تلك التي كانت إبان العهد السوفياتي، وأن لهذا الواقع الجديد بصماته وتداعياته على الساحة الدولية.

د. فايز رشيد

إلى الأعلى