السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإدارة النفسية لأزمة انخفاض أسعار النفط وطنيا ” نقاط لابد من استحضارها “

الإدارة النفسية لأزمة انخفاض أسعار النفط وطنيا ” نقاط لابد من استحضارها “

محمد بن سعيد الفطيسي

” مما لابد من التطرق إليه كذلك هنا، بالرغم من ان هذا الطرح لم يتمكن من حصر جملة النواحي النفسية التي يجب ان تتنبه لها الحكومة وكذلك المواطنون حيال ادارة الأزمة في جانبها النفسي خلال الفترة الزمنية القائمة والقادمة، وهو دور المواطن في المساهمة في إدارتها عبر وسائله وأدواته الممكنة والمتوفرة له، ومن أبرزها: عدم نشر الإشاعات الناتجة عن التقارير والمعلومات المغلوطة وغير الدقيقة من الناحية العلمية،”
ــــــــــــــ
كحال العديد من دول العالم، تأثرت السلطنة بأزمة انخفاض أسعار النفط العالمية، هذه الأزمة التي حملت ولا زالت تحمل معها العديد من التبعات والتحديات والعقبات الراهنة والمستقبلية، سواء الاقتصادية منها او الاجتماعية او غير ذلك على التنمية الوطنية وحياة المواطن اليومية، وان كان من تحد واختبار اكبر من الأزمة نفسها التي نواجهها اليوم بكل تبعاتها وتحدياتها المباشرة على هذه الأرض الغالية، فإنه يكمن في قدرتنا كأمة وطنية، وأطراف بناء وطني، على مواجهتها بكل إرادة وعزيمة وإيمان وثقة.
وبمعنى آخر، ان التحدي الحقيقي الذي لابد ان تضعه الحكومة والأجهزة ذات الاختصاص في الحسبان خلال المرحلة الوطنية القائمة والقادمة، وقبل التحديات المادية والتنموية التي يمكن ان تترتب على المعالجات التي ستوجه لإدارة أزمة تراجع أسعار النفط على الوطن والمواطن من قبل الحكومة، هي تلك المؤكد انعكاسها على الأمن النفسي للمواطن سواء كان ذلك على المستوى الشخصي او الوطني، وعلى نظرته للحكومة التي ستدير تلك الأزمة وتبعاتها بشكل يومي من خلال قرارات وإجراءات سنلامسها خلال الشهور المقبلة، والى أشياء أخرى قد تبدو واضحة مع بداية الأزمة، وأخرى ستنتج لاحقا جراء المعايشة اليومية لها والمعالجات الصحيحة او الخاطئة التي ستوجه لإدارتها، لان كل ذلك سينعكس على امن الوطن والمواطن واستقراره، وهو من أهم جوانب ادارة الأزمات، لأنك لا ترغب في إدارتك لأزمة ما، ان تخلق جراء ذلك أزمة اكبر وأشد خطورة.
فحسبان النتائج التي ستخلفها ادارة الأزمة الراهنة وانعكاساتها على الأمن النفسي للمواطن بمختلف اتجاهاتها وجوانبها منذ اللحظة الراهنة والسعي لاحتوائها بقدر الإمكان، ودراستها بشكل يوازي دراسة الأزمة نفسها غاية في الأهمية الأمنية والوطنية، وهنا نطرح السؤال التالي في هذا السياق، ما هي النقاط والجوانب التي يجب وضعها في الحسبان في ما يطلق عليه بالأمن النفسي لإدارة الأزمة؟ وهو سؤال نرجو بأنه قد طرح أولا على طاولة البحث والنقاش وأخذ بالحسبان من قبل الجهات المعنية بإدارة الأزمة وغيرها من الأجهزة ذات الاختصاص، قبل البدء بأي حلول عملية او خطط إجرائية سيتم إتباعها كخارطة طريق لتخطي أزمات المستقبل الوطني، ومن ضمنها التحديات التي تسببت او ستتسبب بها أزمة انخفاض أسعار النفط العالمية على أرضنا الغالية عمان ” حفظها الله”.
ولنكون صرحاء منذ البداية حيال العديد من النقاط والملاحظات المهمة التي لا محال من مكاشفتها والحديث عنها في هذا الجانب، أي، جانب الإدارة النفسية للأزمة وبكل شفافية وفي هذا الوقت تحديدا حتى نكتشف بكل وضوح معالم ما ينتظرنا خلال الفترة القائمة والقادمة في طريق ادارة الأزمة الراهنة، وكذلك حتى نتمكن بعون الله من تخطي ما هو اشد من الأزمة، وأقصد به، الانعكاسات النفسية لها على امن واستقرار الوطن والمواطن.
وأول تلك النقاط التي يجب ان توضع تحت مجهر الملاحظة الرسمية، وان يتم الحرص على متابعتها والتأكيد عليها، ان أنظار المواطنين موجهة الى الحكومة في هذا الوقت، وتحديدا الى السلطة التنفيذية في البلاد بكل قطاعاتها ومؤسساتها على وجه الخصوص، والى كل فرد من أفرادها وتحديدا أولئك الذين سيحملون على عاتقهم المسؤولية المباشرة حيال إصدار القرارات والتوجهات والمخططات والمرئيات الوطنية لاحتواء تبعاتها وتحدياتها، وبمعنى آخر، ان الشعب العماني اليوم ينتظر كشعب، وينظر كمراقب الى كل حركات وتحركات وتصرفات ستصدر عن الجهات والأشخاص ذوي الاختصاص بمواجهة أزمة انخفاض النفط وكذلك الى الجهات الأخرى التي ستتشارك في صناعة القرار الوطني الخاص بإدارة هذه الأزمة من نواح مختلفة كمجلس عمان على سبيل المثال لا الحصر، ما يرفع سقف المسؤولية الوطنية والضغوط الجماهيرية على تلك الجهات خلال المرحلة الراهنة.
لذا ومما لابد ان نعيه ان الأزمات تولد دائما قيما سلبية في نفوس المجتمعات، يقع على رأسها انتشار الإحباط واليأس والشك والريبة حيال العديد من التوجهات والمخططات الرسمية لمعالجة الأزمة، وفقدان الأمل بالكثير من جوانب المستقبل جراء ضبابية القادم من وجهة نظر الكثيرين، وكذلك ولادة مواطن حساس جدا تجاه مختلف المتغيرات الوطنية، وخصوصا التصرفات الشخصية للمسئول، وانتشار لا محال من الاعتراف به للإشاعات وأحاديث المجالس والسمر التي لا مفر من تقبلها بطريقة او بأخرى، كونها امتدادا طبيعيا للحالة النفسية لأفراد المجتمع حيال الأزمات، وكذلك ارتفاع سقف الضغوط المجتمعية او الجماهيرية على الحكومة حيال الأزمة.
وبالتالي وان كان من كلمة تقال في هذا السياق تحديدا فهي ضرورة الحذر من تصرفات شخصية غير مسؤولة لأي مسؤول وفي أي قطاع من قطاعات الحكومة يمكن ان يعكس صورة سلبية تدفع نحو التأثير على منسوب الثقة في الحكومة ومؤسساتها قولا او فعلا في هذا الوقت، كون الثقة من ابرز القيم التي لابد من توفرها وقت الأزمات، فمن غير المقبول ان ننادي كحكومة باتخاذ إجراءات تقشفية لاحتواء تأثير انخفاض أسعار النفط على الموازنة العامة للدولة، وفي نفس الوقت نجد من مؤسسات الدولة والمسؤولين فيها باختلاف مستوياتهم ما يعكس خلاف ما تنادي به وتوجه المواطن إليه، فالمسئول يجب ان يكون قدوة لبقية أفراد المجتمع في المسؤولية الوطنية والتعامل والتصرف وإبراز صورة تعبوية تعكس الإحساس بالأزمة وتبعاتها، ولا محل هنا للادعاء بأن تصرفات المسؤول الشخصية هي تصرفات راجعة عليه فقط، فهذا أمر غير صحيح أبدا في الواقع العملي، فتصرفات كل مسؤول في الدولة بلا استثناء، تنعكس سلبا او إيجابا على نظرة المواطن الى الحكومة من نواح مختلفة.
كما انه ومما لابد من إدراكه ثانيا في وقت الأزمات خصوصا أننا كشعب بحاجة الى مسئولين قادة ـ خصوصا الصف السياسي منه ـ يتعاملون مع الأزمات بروح القائد الوطني الذي يستشعر آلام الناس ومعاناتهم ومشاكلهم وانعكاس الأزمة على حياتهم اليومية، ينزل الى الميدان لمشاركتهم الإحساس بآثار الأزمة عليهم في كل جزء من أجزاء هذا الوطن العزيز، مدرك في قراراته ما يحيط بهم من ضغوط وتحديات ومصاعب يومية، قادة قادرين على بث الطمأنينة والأمل والثقة في أفراد المجتمع دون مغالاة او تزييف للواقع والحقائق في ظل انتشار الخوف والقلق وفقدان الأمل بجوانب عديدة في المستقبل، قادة يحملون للمجتمع روح الحياة والعزيمة، لا الخذلان والهزيمة، أكثر من مسئولين يتعاملون مع الأزمات بمكابرة او عدم إعطاء العديد من الجوانب أهميتها الحقيقية، او من خلال اللجوء الى الأوراق والمكاتب والقرارات، ومع ان هذه الأخيرة هي ركيزة الحلول والخروج من الأزمة، الا ان القرار السليم اذا فقد إيمان وثقة المجتمع به وبمن أصدره يمكن ان يفقد كثيرا تأثيره الايجابي على الأزمة، ما يمكن ان يضغط كثيرا على المجتمع سلبا، فلا تجد عليه صبرا.
كما يجب وفي هذا السياق ان يكون لإعلامنا الوطني في هذا الوقت خصوصا الدور الواضح في التعامل مع الأزمات، وخصوصا في جانبها النفسي، فالإعلام الوطني يمكن ان يكون ورقة رابحة للوطن والمواطن نحو تغيير الكثير من الجوانب السلبية لإدارة الأزمة في جانبها الثقافي والنفسي، وخصوصا في جانب الوعي الوطني، الا انه كذلك يمكن ان يكون عكس ذلك، بسلبيته وافتقاده للدور الوطني الذي يساهم في بث روح العزيمة والأمل والتصميم على تخطي هذه الأزمة وانعكاساتها على حياة وامن واستقرار الوطن والمواطن، وبمعنى آخر، ان الدور الذي يجب ان يلعبه إعلامنا العماني في هذا الوقت وفي مختلف أزماتنا، هو ان يكون احد الأجهزة المناعية للجسم الوطني فيما نطلق عليه بالحرب النفسية ومقاومة ما يسمى بثقافة الانهزام الوطني.
حيث يترافق دائما مع الأزمات حرب نفسية قد تستغل من الخارج والداخل للتأثير عن قصد او عن غير قصد في ما يطلق عليه بالأمن والاستقرار الوطني، وكذلك في الوحدة والمناعة الوطنية وتلاحم الصف الوطني الداخلي، وقد وضحنا هذا الجانب في طرح سابق لنا تحت عنوان: الحرب النفسية وأدوات الانهزام الوطني، فمن الجهل والسذاجة تجاهل هذا الجانب خصوصا في ادارة أي أزمة ومهما اختلف نوعها سواء كانت سياسية او اقتصادية او غير ذلك، لأنه الجانب الأهم والأبرز في تحقيق النجاح او الفشل في إدارتها، وباختصار فان الحرب النفسية في العصر الرقمي الجديد والهادفة لاختراق الأمن القومي للدول وكسر إرادة الشعوب وبث روح الانهزام الوطني في نفوسهم، ستتمدد عبر أسلاك السيلكون والأقمار الصناعية وستنطلق عبر وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، فيما نطلق عليه بإعادة تشكيل خريطة مبادئ وأدوات ووسائل الحروب النفسية المستقبلية، مستهدفة إضعاف النسيج الوطني والتلاحم الداخلي والمناعة والوحدة الوطنية.
وهنا يأتي دور الإعلام الوطني المضاد، الذي يجب ان يقف بحزم وطني في مواجهة كل تلك الوسائل والدعايات السلبية المغرضة عبر نشر المعلومة الصحيحة والتقارير الدقيقة والتحقيق السليم، وكل ما من شأنه تعزيز روح الأمل والطمأنينة ورفع المستوى النفسي الايجابي للمواطن حيال القرارات والإجراءات المتخذة لإدارة الأزمة بكل مصداقية وشفافية بعيدا عن التغرير والدعاية الإعلامية المضللة والتقارير المخادعة، واستحضار الروح الوطنية والعمل على بث كل ما من شانه تحقيق التلاحم والمناعة الوطنية.
ومما لابد من التطرق إليه كذلك هنا، بالرغم من ان هذا الطرح لم يتمكن من حصر جملة النواحي النفسية التي يجب ان تتنبه لها الحكومة وكذلك المواطنون حيال ادارة الأزمة في جانبها النفسي خلال الفترة الزمنية القائمة والقادمة، وهو دور المواطن في المساهمة في إدارتها عبر وسائله وأدواته الممكنة والمتوفرة له، ومن أبرزها: عدم نشر الإشاعات الناتجة عن التقارير والمعلومات المغلوطة وغير الدقيقة من الناحية العلمية، والتحليلات التي لا تصدر عن جهات متخصصة وشخوص ذوي اختصاص حول بعض نتائج الأزمة والإجراءات المتخذة لحلها والتي لا هم لها سوى بث روح الإحباط والهزيمة بين أبناء المجتمع، دون وعي لنتائجها السلبية على الداخل الوطني، خصوصا ان اغلبها غير معروف المصدر، كذلك التعامل مع الأزمة بروح وطنية عالية بعيدا عن الأنا والشخصنة وجلد الذات وثقافة الانهزام ونشر الإحباط وفقدان الأمل والتعلق بأخطاء الماضي، دون وعي بأن كل ذلك من ابرز الأسباب التي يمكن ان تؤدي بدورها الى تفاقم الأزمة وتبعاتها على كل مواطن عزيز على تراب هذه الأرض الغالية.
كما يجب ان نؤمن بان لعمان قيادة حكيمة جنبتها بفضل الله عزوجل العديد من المشاكل والأزمات والتحديات خلال الفترات الماضية ولا زالت، وان هذه الأزمة ستمر بفضل الله وبحكمة قائد هذا الوطن بكل أمن وسلام، فالوطنية السلبية كما قال ذلك حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – بمناسبة العيد الوطني السادس، لا تكفي وحب الوطن والإخلاص له يجب ان يتخذ شكل العمل الدائب المستمر.
جنب الله عمان وشعبها وقيادتها الفتن والقلاقل والأزمات ما ظهر منها وما بطن،، اللهم أمين.

إلى الأعلى